اقتصاد

في انتظار الخطة الإيرانية (ب).. سوق النفط مضطربة

اقترب سعر خام النفط الأميركي (نايمكس) من سعر نفط (برنت) المرجعي، وقلص الأول الهوة الاعتيادية بينهما، في حالات العرض والطلب الطبيعيين، من نطاق سبع إلى عشر دولارات بينهما، إلى نطاق ضاق إلى نحو ثلاثة دولارات، في بعض ساعات التداول اليومي خلال معظم جلسات أسواق الفوركس للعقود الفورية، أو الآجلة، في الأسابيع الماضية، لكن دون أن يخترق (برنت) الحاجز النفسي عند 80 دولارًا للبرميل.

هذه الملحوظة تقع في نطاق المتوقع، وتتكرر دائمًا في الأزمات. لكن الأزمة التي بدأت قبل أشهر من دخول الحظر الأميركي على النفط الإيراني، يتوقع أن تكون زلزالية في سوق النفط، بكل ما للكلمة من معنى، حتى يمكن أن نتوقع قفزة للنفط تعود به إلى مستويات تقترب من 150 دولارًا، أو قد يكسر السعر هذا الرقم القياسي الذي بلغه في صيف عام 2008، وصولًا إلى الرقم الخيالي المقدر بـ 200 دولار للبرميل.

ليس الدافع الوحيد لهذه الأزمة، وهذه التوقعات، هو طلب الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، منذ أيام، من المملكة العربية السعودية، تعويض بلاده عن النفط الذي ستخسره بسبب الخروج من الاتفاق النووي مع إيران؛ فهنالك دوافع أخرى قد تفتعلها روسيا في سورية، بتشديد الخناق على إيران هناك، كون روسيا ستكون أكبر المستفيدين من ارتفاع أسعار النفط، كأكبر منتج للسلعة الاستراتيجية من خارج دول (أوبك).

وكان ترامب قد علّق على الزيادة في الإنتاج التي اتفقت عليها أعضاء (أوبك)، في مؤتمرهم الأخير في حزيران/ يونيو الماضي، بالقول: “بأقل مما رغبنا.. وعليهم زيادة إنتاجهم بواقع مليوني برميل”. وأضاف: “تربطني علاقة جيدة للغاية مع ملك السعودية، وولي عهده، والدول الأخرى. وينبغي عليهم زيادة إنتاج النفط”.

النقص في الإنتاج لن يكون مصدره فقط انسحاب النفط الإيراني من السوق، بل تراجع القدرة على الإنتاج في فينزويلا أيضًا. كما أن هذه المليوني برميل لن تكون كافية لطمأنة المستثمرين في السوق، من المصدرين والمستهلكين، وستبرز المشكلة المعتادة حول عدم التزام أعضاء (أوبك) بالحصص المقررة، وسيلعب المضاربون لعبتهم في جذب الأسعار نحو الأعلى، خاصة إذا لاحت تباشير توترات، أو حرب محتملة، أو لوحت إيران بإغلاق مضيق هرمز.

في اجتماع (أوبك) المذكور، وافقت إيران على زيادة إنتاج (أوبك) الطفيفة (مليون برميل يوميًّا)، على الرغم من ثقتها أن دورها في (أوبك) وسوق النفط العالمي سيكون صفرًا سلبيًّا خلال الشهور القليلة المقبلة، خاصة أن الشركات العالمية المستثمرة في إيران بدأت الانسحاب الطوعي منها رضوخًا للتهديدات الأميركية التي لا يمكن لهذه الشركات التعامل معها.

أما العزم الإيراني على مجابهة العقوبات الأميركية، فلا سند له على أرض الواقع، حتى لو استطاعت تسويق بعض نفطها في تركيا، وعلى الرغم من أن إيران حذرت السعودية من السعي للحلول مكانها في السوق النفطية، من دون أن يوضح المسؤولون الإيرانيون عن محتوى هذا التحذير.

من جهتها، طلبت وزارة الخارجية الأميركية من الصين والهند، كأكبر مستوردتين للنفط الإيراني، وقف وارداتهما من إيران بحلول الرابع من تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل، تحت طائلة العقوبات الأميركية التي قررت واشنطن إعادة فرضها بعد خروجها في أيار/ مايو الماضي من الاتفاق الدولي حول النووي الإيراني الموقع عام 2015.

أما تلميح الرئيس الإيراني، حسن روحاني، إلى احتمال لجوء إيران إلى إغلاق مضيق هرمز أمام صادرات دول الخليج العربي، كخطة أطلقت عليها الصحافة والدوائر السياسية الغربية الخطة (ب)، فلم تقله إيران الرسمية صراحة، وإنْ حاول روحاني ومسؤولون آخرون التلويح بهذه العصا، في حالة التخبط التي يعيشها الشارع الإيراني، وتأثير تجدد العقوبات على الاقتصاد الإيراني، والريال الذي هبط إلى مستويات قياسية أمام الدولار الأميركي، وعملات عالمية، حتى بلغ سعره في السوق السوداء 90 ألفًا مقابل الدولار الأميركي، يوم 30 حزيران/ يونيو الماضي (السعر الرسمي 42770 ريالًا للدولار الأميركي).

وسيناريو الخطة (ب) الإيرانية الذي يعني حرمان كل من السعودية والإمارات وقطر والكويت والعراق من تصدير نفطها وغازها المسال عبر الخليج العربي، لن تصل خطورته إلى نشوب حرب بين إيران وأميركا. فالأخيرة أبدت رغبتها في معاقبة إيران بالأدوات التقليدية للمقاطعة التي بدأت عمليًّا منذ 1979، عام قيام ثورة الخميني في إيران، لكنها أعلنت استعدادها لتأمين ملاحة ناقلات النفط والغاز في الخليج العربي.

أكثر الدول قلقًا من هذا السيناريو في جانب المستوردين كانت الصين، التي ستجد نفسها في ورطة، كونها المستهلك الرئيس للنفط الإيراني والكويتي، حيث لن يكون في مقدور السعودية تعويض ثاني أكبر المستهلكين للنفط عن مصادر طاقته الاعتيادية. كما لن في مقدور الصين افتعال أسباب توتر سياسي مع أميركا باستمرارها في استيراد نفط إيران.

وما بين الخطة الأميركية (أ) الخطرة على إيران شعبًا ونظامًا، والخطة الإيرانية (ب) الخطرة على العالم كله، لا يتوقع أن تلتزم إيران بالخطة الأميركية، ولا أن تتراجع أميركا ترامب عن عزمها على خنق ملالي إيران بعماماتهم، سيكون اقتصاد المنتجين للنفط في خطر، مثله مثل اقتصاد المستهلكين، حين ستبلغ أسعار المنتَج الاستراتيجي أرقامًا مستحيلة؛ إذا طالت أزمة شح المعروض منه. إلا إذا أقدم المرشد الإيراني على تجرع السمّ، كما فعل سلفه الخميني في نهاية الحرب العراقية الإيرانية، في نهاية ثمانينيات القرن الماضي.

وعلى حين هدفت الزيادة في الإنتاج، التي قررتها (أوبك) مؤخرًا، إلى تهدئة الأسواق، والمحافظة على نطاق سعري عادل للمنتجين والمستهلكين، ذهبت الأسعار نحو الأعلى، وتشاركت اقتصادات أميركا وأوروبا والصين والهند القلق نفسه، ما يدل على أن الأشهر التالية ستشهد قفزات في الأسعار قد تشعل حربًا تجارية عالمية ستخسر فيها إيران كل شيء، ليربح ترامب رهانه، ويخسر العرب نفطهم كالعادة، ويكسبوا مزيدًا من عداء إيران لهم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق