(بين بابين) عابرًا للدروب المغلقة

الوحشة والظلام بابان إلى عوالم الذات الموغلة في متاهتها العمياء التي سقطت فيها بفعل احتجاز مبهم، يلج فيهما اليمني بدر أحمد علي في روايته (بين بابين) الصادرة عن دار نينوى لعام 2018، ويتوغل بعيدًا في استقراء تاريخٍ حافلٍ من الخيبات والانكسارات، كخلفية غير مباشرة للمكابدات والعذابات التي عاشها البطل في سجنه الغرائبي، وتواجده المريب في مكان مجهول، مترافقًا مع كل خيالات الخوف التي تخلقها الوحدة بين جدران ضيقة، انحدار متواصل للرعب، كسقوط في هاوية بلا قاع.

أسرار احتجازه ووصوله إلى هذا المكان، يكشف -مع القارئ- عن تفاصيلها، حيث تضمحل أهميتها مع مرور الزمن، لما للألم والموت من طعم مر، يفوق دهشة الفهم ومتابعة الحدث، عبر مرور متناوب لصور كومضات للذاكرة، تسد ثقوب الحكاية التي نستنتج بعد المضي قدمًا في شعابها، عبثية التنقيب فيها، لأنها أزمة الإنسان محض إنسان، وهو بهذا يتقمص شخصية الراوي غير العليم، ويلعب على مهارة القارئ، في فك أحجية هوية البطل الفكرية، ومرجعياته الأيديولوجية، في خط تشويقي لافت.

العزلة الخانقة التي صورت لنا تفاصيل وجوده المحدود، في حيز ضيق، رحلت بخيالاته إلى شخصيات شهيرة، شابهته في مكابدات الاحتجاز مثل أحد رجالات هتلر الذي ظل موهومًا بأن النصر قادم، إلى أن تأكل السنين زهوة عمره، ليغادر السجن بعد سبع وعشرين عامًا، ونموذج الكونت دي مونت كريستو الذي يحفر في أرض الزنزانة طريقًا للهروب بمساعدة أحد القساوسة، في إضاءة على عالمه الداخلي المتبقي من ذاكرته، فحالة الذهان والحاجة إلى الآخر، قادته إلى اصطناع كائن من الحصى (الطوطم)، ذاك الذي اصطنعه في زنزانته، وسماه أنس ليأنس من خلاله بأخيلة كائن اخترعه، كي لا يفضي به الأمر إلى الجنون المحدق، المكان الذي لا يشبه السجون التقليدية، حيث السجان جزء من حكايات طويلة للخير والشر، وبروز شكل آخر لامتهان الإنسانية، فالخطف والتغييب سمة ملازمة لحروب الميليشيات، التي تخطف الأفراد على الشبهة، لانتمائهم إلى فريق آخر، سواء من ناحية دينية أو حزبية، وتصفية حساباتها مع بعضها، وسيرة المطحونين بين هؤلاء وهؤلاء، بالتفاتة ذكية في الإشارة للضحايا المجانيين، التي تكون على جانبي الصراع، وليست ذات مصلحة مع أي طرف. تلك السيرة التي تتكرر في كل زمان ومكان.

المكان الذي احتجز فيه، يجمع بالإضافة إلى غرابته عزلة فوق عزلة؛ إذ يعلم أنه الأسير الوحيد فيه، وما من أنيس سوى تلك الجدران الصماء، وعندما يكتشف ثغرة فيها، دلته عليه تلك الحشرات التي خاض ضدها عراكًا مضنيًا، وهي التي أوحت إليه بطريق الفرار، ليرى ذاك المكان من الخارج، هشًا؛ ومتداعيًا؛ أقرب ليكون وهمًا؛ وهمًا كبر في داخله، إثر تداعي نفسيته ومعنوياته، وإثر تداعي انكساراته المتلاحقة، ليصل إلى مقولة إن الحياة سجن صغير، حسب تعبيره، نحن العالقون بها في أحبولة الموت والدمار.

الحقيقة أننا لا نستطيع تصنيف العمل كأدب سجون، على الرغم من أن مساحة الزنزانة تتسع فيها اتساع الظلام المطبق على هذه البقعة من العالم الممتدة على جهاته الأربع.

وإن كانت غرفة الاعتقال هي مسرح الأحداث، فإن الذاكرة تفر لتعيد أزمنة الميليشيات المتقاتلة في لبنان، وما تلاها من حرب أهلية عبثت بالبشر والحجر، إضافة إلى التشكيلات الفلسطينية وصراعاتها المتشابكة، بتضمينات توحي بتبنيه للأفكار اليسارية، وعلاقته شبه العاطفية بمريم الفدائية، التي عاصرت معه مجزرة أودت بحياة العشرات من المقاتلين المنذورين للقضية، وتجميعهم في مكان واحد، لتصطادهم الطائرات الإسرائيلية واحدًا تلو الآخر، ولتعود تلك الصبية بعد زمن، وتحاول اغتيال أحد القادة المتنفذين، بتورية انتقامية تومي بضلوعه في خيانة ما، لتلقى مصرعها بعد ذلك، وليصبح مفهوم الخيانة فضفاضًا، تتسع عباءته لتضم اتهامات الفرقاء -كافة- لمن يناقضها ويخالفها، ولتشكل تلك الحادثة خلفية لتواجده في الزنزانة مجهولة النسب، وإلى أي جهة تنتمي، ولكن بالتأكيد تنتمي إلى الاستبداد مهما تلونت أشكاله.

“الثقافة في ظل الحرب”، ليس تعبيرًا أيديولوجيًا وحسب، وإنما هو انعكاس إنساني لوضع الإنسان وآلامه وضياعه في أتون الصراع العالمي، أظهرته فلاشات الذكريات المتباعدة، عبر لوحات أقرب إلى مونتاج السينما، رصدت أوضاعًا مختلفة في الواقع العربي، فالبطل يعايش حقبة واسعة من الزمن، يستعرض أحداثها بعجالة ضاقت بها صفحات الرواية التي تجاوزت مئة وخمسين صفحة؛ إذ يتسع كل حدث منها لرواية قائمة بذاتها. فترة التنظيمات الفلسطينية والحرب الأهلية في بيروت والحرب العراقية الإيرانية، وصولًا إلى غزو أميركا للعراق عام 2003، موسعًا عدسة كاميرته لتصل إلى عشية استيلاء بوريس يلتسين على مقاليد الأمور في روسيا، في تصويره لحفلة ستربتيز أقامها مع أشباهه، هل هوي التعري حتى ورقة التوت.

على الرغم من ذلك، تبقى هوية المكان غائمة بالنسبة إلى الشخصية المحورية، ما همه وما هي مشكلته، ربما تكون التعمية مقصودة حول خصوصية المكان، لكأنه يقصد بها وضعًا أشمل لانعدام الحرية والخلاص الفردي.

فمن هو؟ وأين اليمن من كل ما تقدم؟ ربما أراد أن يشير إلى مشكلة الإنسان في هذا الشرق الممتد شمالًا وجنوبًا، الذي تطحنه متاهات السياسة وتكالب الأغراب على مقدراته، وصولًا إلى القضية الأساس، ألا وهي أزمة الحرية، وهي أزمة كل مواطن عربي.

(بين بابين) عنوان يحيل إلى الجنة والنار، إلى تجاور المتناقضات، باب الحرية وباب العبودية، وبينهما طريق العبور؛ درب الآلام؛ فهل من وصول …؟!