مقالات الرأي

الجنوب السوري.. بازار وتواطؤ

عقب انتهاء النظام السوري من تأمين العاصمة دمشق، وبسط سيطرته على محيطها بشكل كامل؛ انطلق “الجيش السوري” بدعم روسي باتجاه الجنوب لتشمل العمليات العسكرية مدينة درعا وريفها الغربي، لاستعادتها من سيطرة “الجيش الحر”، وهي تشمل 70 بالمئة من محافظة درعا أولى مدن الثورة السورية.

البداية الحذرة للنظام في إشعال جبهة الجنوب، نتيجة التلويح الأميركي بخطورة التصعيد في هذه المنطقة التي دخلت منذ يوليو2017 اتفاق خفض التصعيد برعاية أميركية أردنية وروسية، لم تدم طويلًا؛ فمناطق خفض التصعيد لن تدوم للأبد، بحسب ما أشار سفير روسيا لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا، والجنوب الذي اكتسب خصوصيّته من أهمية موقعه الجغرافي الحدودي مع “إسرائيل” والأردن وقربه من العاصمة، صار كغيره من المناطق، تحت مرمى النيران. حيث إن إنهاء ملف الفصائل المسلحة شكّل أولوية، بالنسبة إلى النظام وداعميه، باعتباره تمهيدًا لفرض السيطرة على كامل الأراضي السورية التي ازدادت التصريحات بخصوصها في الآونة الأخيرة، على الرغم مما ينتج عنها من قتل وتدمير وتهجير للمدنيين الذين سقطت عنهم الحماية، وباتوا حطبًا لكافة المعارك منذ بداية الحرب.

التعقيدات الكبيرة في التدخلات الدولية، وترابط الملفات في أكثر من مكان، وخصوصًا المناطق الحدودية التي تدفع إلى التروّي في التصعيد، تحوّلت إلى لعبة سهلة تقودها جملة من التوافقات والصفقات الدولية، يجري استثمارها وتمريرها، وسط حسابات أولويات حفظ الأمن الإقليمي للجوار التي نفذتها روسيا بالشراكة مع الأردن و”إسرائيل”. فالمملكة الأردنية التي تتعاون مع موسكو منذ أواخر عام 2015، وتتبادل المعلومات الاستخباراتية معها، عبر مركز المراقبة المشترك “الروسي الأردني” في عمّان، تخشى على استقرار المملكة، بسبب انتشار العناصر التي تدعمها إيران على حدودها، وتخاف من تسلّل الإرهابيين إلى أراضيها، والأهم أنها ضاقت ذرعًا باللاجئين السوريين، وتفضّل الإسراع بالتسوية واستعادة النظام السيطرة على المنطقة الجنوبية، لإنهاء الفوضى على حدودها، والخلاص من موجة لجوء ونزوح جديدة لآلاف السوريين الذين وصلوا إلى حدودها المغلقة. أما “إسرائيل” الفاعل الخفيّ في الملف السوري، فهي تميل إلى إنهاء التصعيد على حدودها، خوفًا من انفجارات خارجة عن التوقع أو إزعاج محتمل، مفضّلة الدخول في مساومات ترضيها ولا يمكن تحقيقها إلا بعودة النظام الذي أمّن “لإسرائيل” وضعًا مثاليًا من “اللاحرب واللاسلم”، عبر اتخاذ صفة الممانعة؛ فحفاظه على اتفاقية فك الاشتباك بين سورية و”إسرائيل” الموقّعة في 31 أيار/ مايو 1974، وعدم الهرولة خلف اتفاقيات السلام الشكلية معها، منحها الشعور المفتعل بالتهديد الذي وفّر لها مزيدًا من التعاطف والدعم الدوليين. لهذا انصبّ الاتفاق الروسي الإسرائيلي، حول إخلاء الجنوب السوري من الوجود الإيراني، وبسط سيطرة النظام على الحدود عملًا باتفاقية خفض التصعيد التي تواكبت مع تأكيد النظام السوري عدم وجود قوات إيرانية بل مستشارين، وتوجّهه لضمّ مقاتلين من “حزب الله” والميليشيات التابعة لإيران إلى (اللواء 155) التابع للحرس الجمهوري للتمويه على وجودها، ولإعادة ترتيب انتشارها في الجنوب، ودخول قوات من الفرقة الرابعة، إلى محافظة القنيطرة و”مثلث الموت”، للإيحاء أن أحد المطالب الأميركية الاثني عشر المتعلقة بوجود قوات إيرانية على الحدود السورية الأردنية الإسرائيلية، بات حيّز التنفيذ المباشر، والخطر المحتمل مما قد يشكّله وجودها من عامل إغراء لأي طرف بالتصعيد ضد “إسرائيل”، قد زال.

حماية “أمن إسرائيل” تقبّلته إيران، عقب الضربات المؤلمة التي تلقّتها بالتنسيق بين “إسرائيل” وروسيا المتفهّمة لاحتياجات “إسرائيل” الأمنية، وحقّها في التدخل العسكري “الجوي”، كلما شعرت بتهديد إيراني وشيك لأمنها؛ ما أدّى إلى قيام مباحثات إسرائيلية – إيرانية غير مباشرة بين السفير الإيراني في الأردن مجتبي فردوسي بور مع نائب رئيس الموساد الإسرائيلي، بوساطة أردنية في أحد فنادق عمّان، تبعها تصريحات المسؤولين الإيرانيين بأن إيران لن تشارك في أي عمل عسكري قد يشنّه النظام في الجنوب السوري. فإيران أدركت أن الغطاء السياسي الذي يقدّمه النظام لوجودها يقابله رفض أميركي لهذا الوجود، وأن عليه تحديد الوجود الإيراني كما تفضله أميركا، أما روسيا الساعية خلف مصالحها، فلن تدخل معادلة التفضيل بين إيران و”إسرائيل” ومن خلفها أميركا، وهذا كلّه يجعل إيران غير آمنة، في منطقة محسوبة ضمن “طريق حريرها” الممتدّ من حدودها حتى البحر المتوسط مرورًا بالجنوب اللبناني، والتضحية بها باتت قيد التنفيذ على الأقل في الجنوب. وهو ما تؤكده تصريحات مسؤوليها وآخرها ما جاء على لسان النائب الإيراني بهروز بنيادي (مندوب مدينة كاشمر) الذي قال في الجلسة العلنية لمجلس الشورى: “اليوم، نرى الأسد يزيد من تناغمه مع بوتين بكل وقاحة، ولا يقلّل فقط من أهمية وجود شهداء المراقد في سورية فحسب، بل ينكر ذلك في بعض الأحيان”.

المعوّلون على التصريحات النارية الأميركية بخصوص الجنوب، وربطها جبهة الجنوب بالتصعيد ضدّ الوجود الإيراني في سورية ككل، تجاهلوا إحدى الحقائق حول أميركا أنها لم تتخذ أي موقف جاد لإنقاذ سورية والسوريين منذ بداية الحرب، ولن تحرك ساكنًا لحماية المعارضة في الجنوب. أما التفاصيل حول خروج إيران من سورية، فإن أميركا تراهن على دور روسيا في ضبط الوجود الإيراني، وعلى فهم إيران المطلوب منها في سورية، وإعادة حساباتها بدقة قبل اتخاذ قرار البقاء أو الخروج، ولملمة أحلامها الكبيرة التي لن تتحقق. فأميركا لن تنزلق في أي فعل يؤدي إلى احتمال حرب شاملة، وليفعل النظام ومعه إيران وروسيا ما يريدون بالسوريين، لكن دومًا داخل الحدود وبما لا يهدد النظام الإقليمي. هذا ما يمكن قراءته بدقة في الرسالة الأميركية للمعارضة السورية بألا يسندوا قرارهم إلى افتراض التدخل العسكري من قبلها، فهي ليست معنية لا بالجنوب ولا بغيره إلا بما يخدم مصالحها.

السوري الذي تُرِكَ وحده يواجه الموت، في معظم المناطق، سيكون وحده في درعا معقل ثورته، فالسيطرة على درعا تعطي للنظام وحلفائه نشوة الانتصار الحتمية على أهمّ معاقل “الجيش الحرّ”، وأول الحواضن الاجتماعية للثورة السورية وأكثرها رمزية، ومعركة الوجود التي تقودها قوى المعارضة السياسية والعسكرية وحواضنها الشعبية لا تخلو من الشعور بالخسارة على كافة الصعد، والقناعة بأن جدية الحلفاء الإقليميين والدوليين كانت محض سراب؛ فالسوريون الذين لم يملكوا زمام الحلول لبناء وطنهم صاروا خاضعين لبازار تصفيات الحرب والتواطؤ الدولي.

مقالات ذات صلة

إغلاق