بيان رقم واحد

– ابن الحرام.

أوكلني الشيخ إلى إحدى مرضعات القرية، بعدها صار لي أمٌّ واسمٌ، وعشت بين بنيها واحدًا منهم.

من أين جئت؟ ظلّ سؤالهم طازجًا، معلقًا على الشفاه قرابة الحولين، حتى بدأ يجفّ، اصفرّ ويبس، ثم سقط عنها بالتقادم، فسقط من اهتمامهم الجواب.

قيل إنهم وجدوني فجرًا أسفل وادي العُلّيق، عاريًا تحت شجرة البطم الكبيرة، كنت أرضع ثدي ذئبة جرباء، جفلت وفرّت هاربة إلى غير رجعة. مساء، عادت الخيّالة المراسيل التي جابت كل القرى المجاورة، خالية الخبر.

كنت أربط ذيل ضبّ مرقّط، بذيل أفعى شقراء، لمّا خرج الرجل من مضافة الشيخ -الذي أصبح جدّي طبعًا- كان صوت محرّك درّاجته النارية المُجهد، لم يغب عن فضاء القرية بعد، عندما ناداني: غدًا تذهب مع إخوانك إلى المدرسة.

– حرب البيانات.

عام 1990 في سياق وأثناء حرب الخليج الأولى، كانوا ينتظرون بيان الحزب الشيوعي السوري فصيل مراد يوسف، بفارغ الصبر. منظمات القاعدة، كان الفصيل الأكثر راديكالية بين فصائل الحزب الشيوعي السوري الثلاثة، متى سيحدّد الفصيل موقفه من إرسال قوة من الجيش السوري، للقتال ضد العراق في خندق واحد مع الامبريالية الأميركية! كانوا يرون العراق دولة أكبر من دكتاتورية صدام حسين، وأن هدف الحملة العسكرية العالمية -آنذاك- تدمير العراق حضارة وشعبًا، بذريعة غزو الكويت.

طال الانتظار… واكتشفوا أن رفاق النضال في المكتب السياسي واللجنة التنفيذية، ينتظرون بدورهم –أيضًا- صدور الموقف السياسي الرسمي للنظام السوري. جاء الفرج، وما هو الموقف الأكثر رسمية وسلطة من رسالة حافظ الأسد النُصوحة للرئيس العراقي الأحمق! عليه بُني وصيغ موقف هذه الفئة من اليسار السوري، بما يتوافق وينسجم ويحابي الدكتاتور الأعظم! جاء في بيان سياسي إنشائي هزيل فارغ، بلا لون أو طعم أو رائحة، فكان لتلك الورقة الأثر الأكبر في شعورهم بالعزلة، والوحدة، والقلّة. كما أسهمت، وكردة فعل مباشرة، في بلورة وتشكيل مجموعة صغيرة من أعضاء اتحاد الشباب الديمقراطي، طلّقت الانتماء التنظيمي، وراحت تبحث عن موقفها الأخلاقي السياسي الخاص، وعن فعل عمليّ على الأرض ينسجم مع قناعاتها، فرفعت شعارها الأول “تسقط البيانات”.

سرعان ما دفعت هذه المجموعة الصغيرة ثمن تغريدها خارج السرب، كما وسرعان ما اكتشفت، داخل فرع الأمن العسكري بالسويداء أولًا، ثم داخل أقبية فرع فلسطين في دمشق لاحقًا، أنهم كانوا كثرة، وأنهم من جميع أطياف المجتمع السوري، الاجتماعي منه والسياسي، بما في ذلك البعث، أمّا الكشف الأكبر والأهم أنهم جميعًا كانوا ضحايا معركة البيانات للمعارضة السياسية السورية التقليدية آنذاك، المتناسبة عكسًا مع شدة واتجاه معركة نهب العراق وسلبه وتدميره في عملية “عاصفة الصحراء”.

– عصابة “يا قبّاري”

انتهى التحقيق بعد ستة أشهر من الاعتقال، وفي مكرمة قلّ نظيرها من اللواء علي دوبا، مَنّ عليهم العميد مصطفى التاجر رئيس الفرع، بأن نقل تلك المجموعة المتمرّدة، التي اشتهرت داخل فرع فلسطين باسم “عصابة يا قبّاري” من مهاجعهم المنفردة المدفونة كقبور الفراعنة، إلى مهجع مشترك كبير فوق الأرض، ضمّ هذا النُزل الجديد عددًا كبيرًا من المعتقلين، لبنانيين، وسوريين، وفلسطينيين، وعراقيين، وأردنيين….

اجتمعوا ثانية، فكان من النشاطات الجديدة للعصابة، بعد الإصغاء والمشاركة في المحاضرات الثقافية والسياسية لبعض المعتقلين المثقفين من أصحاب الفكر والتجربة والقلم والبيان، أن تأتي حفلة السمر والغناء الليلية اليومية، وكان يعقبها دومًا حفلة الضرب والترهيب والتعذيب والشتائم. الغريب أن السجانين كانوا قد تواطؤوا مع العصابة ضمنيًا، فأبقوا على عودهم المصنوع من صفيحة التنك، وعلى نايهم المقصوص من “نبريش” التواليت.

– بريخت. مين بريخت!؟

ولأن رؤية الدم تفسد المنام وتسقط تفسيراته، كانت اللعبة تنطوي على “بريختية ” طازجة بين الإيهام وكسره، من جهة، وأداءين لممثلين لاعبين معتقلين، لم يسمعا “ببريخت” أصلًا.

– (بعد أن يستيقظ من النوم، بمنتهى الاحترام والجديّة) عم بو سمير كلّف خاطرك.

– (بمنتهى الجدية والقلق، وكأن أبو سمير ينتظر نهوضه) خير عمي خير.

– (بمنتهى التأثر والارتياب) “تعال اسماع هالشوفة”.

– (بمنتهى التقوى والإيمان، يزحف نحوه على ركبتيه) اللهم اجعله خير علينا وعليك، تفضل عمي تفضل، عم أسمعك.

أحيانًا، كان يستمر الممثل الأول في سرد الحلم المُخترع المُرتجل المُؤلف، أثناء سرد العم أبي سمير، قرابة النصف ساعة، إلى أن تخونه ملكاته السردية وينضب خياله، فيتوقف فجأة ليقول منهيًا الحلم: من أين جاءتني دجاجة لا أدري! وكيف وقع السكين في قبضة كفي لا أعلم! وإذ بي أحزّ عنق الفرخة.

(فيرد عليه أبو سمير سائلًا فورًا وبسرعة واهتمام) “وشفت دم؟؟!”.

– ” أي والله يا عمي، ليش الكذب، شفت دم”.

– لا حول ولا قوة إلا بالله، خير عمي خير، خلص، فسد منامك ما عاد فيه شي يتفسر.

كان هذا المشهد يتكرر يوميًا أكثر من أربع مرات أحيانًا، ويتعاقب الممثلون على سرد أحلامهم الملفّقة للعم أبي سمير، يُختتم دائمًا بضحكات مشتركة شديدة طويلة عالية، أشبه ما تكون باستغاثات غريق في بئر مطحنة.

– المهرّج.

كان تامر رمضان المطرب الحداد أحد المعتقلين اللبنانيين، صاحب الصوت المخملي الملائكي، قد طُلب للزيارة، أو هكذا ظن البعض، بعد نصف ساعة تقريبًا فُتح باب المهجع وقُذف داخله الرجل، وقد مزّقت ظهره السياط.

شُدِه الجميع، يا إلهي هل عادوا ليفتحوا التحقيقات من جديد؟!!

أخذ الرجل المهان الموجوع يصرخ بأعلى صوته: “اكزبوا اكزبوا لا تحكوا السدق، شو ما حكيتوا رح يدبحوكن”، ثم استجمع نفسًا طويلاً وصاح، أأأأخ يا ابن الحرام يا حافظ الأسد.

صمت… أعقبه صرخة مدويّة لأبي سمير: “فشرت”، لا تقول عن حافظ أسد ابن حرام.

يا إلاه العرش! ماذا يحدث؟! هل سينبري أبو سمير للدفاع عن حافظ الأسد الآن؟!

أصبح الوضع برمته سرياليًا حد الإغماء.

تابع أبو سمير مستثمرًا في الصمت: بيان رقم واحد: “أنا ابن حرام، نعم أنا ابن الحرام، الله وكيلكن، لقيوني الصيّادة تحت شجرة، بوادي العليق، بالجولان. وهلق، بعد ما عرفتوني منيح، وأكلنا واشربنا وانقتلنا سوى، حدا منكن بيقبل إنو تامر يشبهني بحافظ أسد؟!! لقولوا شي مسبّة ثانية، الله يرضى عليكن”.

كان بيان أبي سمير رقم واحد، أهم وأصدق من كل بيانات القوى السياسية السورية التقليدية، رغم قصره.