هموم ثقافية

المثقف ومسؤولية الكلمة

تدهشني شجاعة بعض مثقفي الداخل، ممّن يقولون كلمتهم بجرأة، رغم أن السكين فوق رقابهم. لكن ما يدهشني أكثر أن بعض مثقفي الخارج، لا سيما “الفيسبوكيين” منهم، الذين ما إن يحدث حدثٌ ما، مهما كان شائكًا وضبابيًا، حتى يسارعوا إلى إطلاق أحكامهم، وإبداء آراء جازمة.. حاسمة حوله، وكأنهم يعيشون داخل الحدث، وعلى اطلاع دقيق على تفاصيل مجرياته. المشكلة أن بعض هؤلاء لا يقف عند إبداء الرأي فحسب، بل لا يتوانى عن كيل الاتهامات، والتجريح، والتشكيك في من هم تحت وابل القذائف والقتل والدمار… وربما الخوف من التنكيل والاعتقال الخ.. واتهام هؤلاء بالجبن والانتهازية، وبيع القضية، وربما خيانة الثورة ودماء الشهداء.

لعل أحداث الجنوب السوري الأخيرة هي خير مثال على ما ذهبت إليه؛ إذ ما زال هذا الحدث يشوبه الكثير من التعقيد والغموض، وليس من السهل على من هو بعيد من موقع الحدث، وغير مطلع على دقائق مجرياته، أن يطلق فتاوى، ويحلّل ويستنتج على هواه، وكأنه جالس مع الوفد المفاوض، ويبني تحليله على معطيات دقيقة. إن مثل تلك الآراء تصب حتمًا في خانة حرب “الشائعات”، وهي إحدى الأدوات التي يستخدمها النظام، والمحتل الروسي في زعزعة الثقة والمعنويات، وإثارة البلبلة.

بطبيعة الحال، من حق أي شخص أن يدلو بدلوه، ويبدي رأيه، وبخاصة أن ما نواجهه هو قضايا مصيرية تمس الجميع، حاضرًا ومستقبلًا، لكني أتحدث في هذا السياق عن السهولة والاستسهال في القول والتحليل، دون أي شعور بمسؤولية الكلمة التي يلقيها البعض جزافًا، دون تقدير لتداعياتها السلبية، وآثارها المدمّرة معنويًا، إضافةً إلى ما تخلقه من تشويش وتوتر، خاصةً إذا جاءت على لسان مثقفين، أو كتّاب معروفين للرأي العام.

أعتقد أن شرذمة السوريين، وانقساماتهم الأفقية والعامودية، سواء كانوا في الداخل أو الخارج، باتت من الظواهر المرضية المقلقة، ومن دون الخوض في الأسباب التي أدت إلى هذه الظاهرة، أصبح من الملحّ بالنسبة إلى السوريين، أن يبحثوا عن المشتركات التي تجمعهم، أكثر من التمترس حول ما يفرقهم. أنا أتحدث هنا عن البشر العاديين، على اختلاف مشاربهم، وليس عن النظام وأزلامه.

على أرض الواقع، فإن معظم أصحاب الفتاوى، والإدانة يقيمون في الخارج، إما مهاجرين، أو منفيين، أو لاجئين، أو ممنوعين من العودة، وفي كل الأحوال هم في الخارج. خارج القمع والمنع والسجون، وخارج الاستبداد المستحكم كقدر، وخارج الطغيان المنفلت من عقاله، وخارج القتل الأسهل بالنسبة إلى الطغاة من شرب الماء. من هنا لا يكفي أن يكون القول على حق (على افتراض أنه محق)، فلكل مقام مقال، والمقام ليس مضافًا إلى المقال. هو جزءٌ منه وفي صلبه. فضلًا عن أن العديد جدًا من المثقفين، وأصحاب الرأي في الداخل، ليسوا كلهم إلى جانب النظام، ولو أن بعضهم يُصنّف في الخانة الرمادية، لأن بعض هؤلاء ضحوا بحيواتهم، أو بسنين طويلة منها، حين كان الملايين قبل الثورة، يرزحون تحت وطأة الخوف والصمت، كي يدافعوا عن حقوق الناس وكرامتهم، وقد كلّفهم رفع الصوت ثمنًا باهظًا.

ولأن من هم في الخارج، هم خارج قبضة الاستبداد فلا يجوز لهم، وأكاد أقول لا يحق لهم أن يصدروا فتاوى الإدانة وأحكام الإخراج من التاريخ بحق من هم في الداخل، تحت استبداد هو عينه السبب الرئيس في هجرة المهجّرين أو المنفيين، أو المبعدين إكراهًا، وإلّا؛ كان يفترض لمقالهم ومقامهم أن يكون في الداخل، وليس في الخارج على بعد آلاف الكيلومترات.

ليس أسهل، ولا أبسط من أن يقول ويكتب من في الخارج ما يشاء ويهوى، من دون أن ينقر أحدٌ على كتفه ولو نقرًا خفيفًا لمساءلته عمّا قال أو كتب. ليس أسهل من أن يكون فصيحًا واضحًا وجريئًا، لا لفصاحة لسانه وجرأة قلمه فقط، بل لفضاء الحرية، وانعدام المساءلة، وانتفاءً لدفع الثمن الباهظ في المقام الذي يعيش فيه. على الرغم من ذلك فإن إسهامهم مع أبناء شعبهم في الداخل مشكورٌ ومقدّر، وإنما إداناتهم وفتاواهم وأحكامهم مرفوضة، حين تكون موجّهة لمن هم في داخل قمعي شرس وقاتل، فرّوا هم منه، أو هُجّروا بعيدًا عنه.

إن مربط الفرس هو بالضبط في الإفتاء والتجرؤ على الإدانة والإخراج من التاريخ، من قبل مثقفين في الخارج كانوا ضحايا القمع يومًا ما، لكنهم توهموا أنهم مالكو مفاتيح التاريخ، ربما ليس لعلّة فيهم، بل لأن مقامهم بات في أرض من الحرية، وفي ظل مناخ يتيح لهم حرية التعبير دون مساءلة، الأمر الذي أنساهم ربما ما كانوا عليه يومًا ما.

ربما على من هم في الخارج أن يلتفتوا إلى ما هو أكثر جدوى، وفائدة لخدمة قضيتهم، وأمامهم الكثير كي يفعلوه، بدلًا من استهلاك طاقتهم في كيل الشتائم والإدانات. إذ من الظواهر اللافتة لأوضاع السوريين في الخارج، النجاح الباهر الذي حققّه بعضهم على المستوى الفردي. لكن من أمراضهم المزمنة فشلهم الذريع في أي عمل، أو مشروع جماعي –إلّا ما ندر- رغم الظروف المتاحة أمامهم لتنظيم أنفسهم، وتقديم صورة إيجابية وصادقة عن قضيتهم، وثقافتهم تدحض الصورة النمطية، المشوّهة التي يركز عليها الإعلام الغربي، لا سيّما مع تصاعد نفوذ التيارات اليمينية الشعبوية في الغرب.

ثمة مسؤولية كبيرة على مثقفي الخارج، في أن يشتغلوا على نبذ التفرقة، وتعميق ثقافة الحوار فيما بينهم، والعمل الجماعي بروح الفريق لخدمة قضيتهم، وتصحيح الصورة السلبية عنهم، وهناك مثال ناجح على هذه المسألة، قام به العام الماضي مجموعة من الناشطين السوريين في واشنطن، ويحضرون الآن لتطويره، حيث نظموا فعالية ضخمة في أحد شوارع واشنطن، الهدف منها تعريف الأميركيين، بعيدًا عن الميديا، إلى الثقافة والحضارة السورية، وإلى الوجه الآخر الأصيل للسوريين كشعب يحب الحياة. تضمنت الفعالية أنشطة متعدّدة في مجال الموسيقا، والفنون التشكيلية والمسرحية، والرقص الفلكلوري، وثقافة المطبخ السوري وتميزه، إضافةً إلى أنشطة أخرى جذبت آلاف الأميركيين، الذين اندهشوا لتعرفهم إلى صورة أخرى للسوريين، غير تلك الصورة المضللّة التي تركز عليها الميديا.

المغزى أن ثمة أمورًا كثيرة إيجابية، يمكن أن يقوم بها من هم في الخارج، لدعم فكرة الحرية والكرامة، التي انتفض السوريون من أجلها، بدلًا من الاستمرار في شحذ سكاكينهم، للنيل من بعضهم، بكيل الاتهامات الباطلة دون جدوى، الأمر الذي يكرّس سلطة الاستبداد، ويطيل من عمرها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق