في لعبة التعمية.. كيف سيقنع الأسد ضحاياه

كمية الكذب التي يضخها نظام الأسد بين الحين والآخر، من أجل تحسين صورة الوضع القائم في سورية، تدعو إلى الدهشة. ليس لأن التأكيد المتكرر على تعافي الاقتصاد هو مجرد خدعة موصوفة غير قابلة للإقناع، ولا لأن التجانس المجتمعي الذي تمخض عن إبادة مكون رئيس -وهو ما لم يفصح عنه الأسد- كان حكرًا على السياسة دون الاقتصاد (دخل الأفراد وتوزيع الثروة القومية بشكل عادل)، بل لأن الحديث الرسمي الذي يُسوّق إنجازات تصنعها الدبابات والطائرات تكذّبه أجهزة النظام ذاته، بغير قصد، كما يكشفه الواقع تاليًا من دون مواربة.

ما يدعو إلى الاستغراب أكثر أن معظم الكوادر العاملة في صفوف “حزب البعث” الذي يحكم البلاد منذ عام 1963، ويبلغ عدد أعضائه نحو 2 مليون عضو، بعضهم من القيادات المؤثرة الفاعلة، على قناعة اليوم بأن “بعثهم لم يبق منه سوى الاسم”، وأن نظام الأسد بات في حكم المنتهي، وأن الدولة التي تُجمّل الحكومة انتصاراتها، إنما هي مجموعة أوصياء خارجيين، وجماعات مصالح، وشبكات محلية، وعصابات متنافسة، واقتصاد منهار، قوامه الاتجار بالنفط والسلاح والبشر. ومع ذلك، فمعظمهم لا يحبذ الجهر بهذه الحقيقة.

في الأشهر الأولى من الحراك المدني، الذي شهدته سورية عام 2011، تسلّم (س)، وهو أحد قيادات الصف الثاني في الاتحاد العام لنقابات العمال، هراوة من الوزن الثقيل، وكان يجب عليه مع أعضاء آخرين في الحزب، بحسب تعليمات (أمنيّة)، قمع احتجاجات الشارع على الرغم من سلميتها.

يعترف (س)، بعد مرور سبع سنوات على الواقعة: “تغيّرنا وتغير المناخ في البلد، كنا نعتقد أن القبضة الحديدية سوف تضع حدًا للتظاهرات، غير أن الأمور تطورت بطريقة دراماتيكية، لم نكن نحسب لها حساب”.

نشط (س) في أيام الجُمَع الشهيرة، بفض عشرات التظاهرات داخل أحياء دمشق، واتسمت هراوته البلاستيكية، بالصلابة، حيث كانت تترك أثرًا دمويًا على جسد كل متظاهر تنهال عليه. وكغيره من أنصار الأسد، كان (س) يؤمن بوجود مؤامرة، أدت إلى تدهور الأوضاع على هذا النحو المريع، لكنه يقر الآن بأخطاء فادحة ارتكبها نظامه، يبدو من الصعب تداركها: “إن الحرب التي كان بالإمكان عدم خوضها، لتجنيب البلد الخراب السياسي والاقتصادي الذي نراه، وذلك بقليل من الشفافية والتشاركية وبرامج الإصلاح الجادة، كانت نتيجتها قاتمة، ومظلمة، بل سيئة للغاية علينا جميعًا”. ويتابع: “باتت أيدينا غارقة بالدم، انتصرنا عسكريًا، لكننا فشلنا سياسيًا”.

لا يبدو أن فشل النظام يقتصر في الواقع على هذا الجانب، فجميع التقارير التي تحلل الكارثة بلغة الأرقام، حتى تقارير البعث نفسه، تؤكد أن سورية بسبب الحرب قد تحولت إلى دولة ممزقة، هشة، فاشلة، يحكمها الأجنبي، بهيمنة أقرب إلى صيغة الوصاية أو الانتداب. كما تقودها حكومة صورية، عاجزة، فقدت حتى ثقة الموالين لها، بعد أن استنفدت قدراتها المالية، ولم يعد لديها ما تقدمه غير خزينة مفلسة لضعف الواردات، وموازنة عامة تعاني عجزًا واضحًا 74.1 بالمئة، يزداد في كل سنة، ومخزون قطع أجنبي تراجع بنسبة 80 بالمئة، وعجز في ميزان المدفوعات، ومديونية داخلية وخارجية (بلغت 147 بالمئة، إلى الناتج الإجمالي المحلي في عام 2014). وتجارة خارجية هزيلة، وقاعدة إنتاجية مفككة، وقطاع مصرفي – مالي مشلول.

لقد أدت الفوضى التي دبّت في عموم البلاد، بعد انحسار هيبة الدولة وتراجع سلطتها حتى داخل حواضن النظام، إلى إعادة توزيع الدخل والثروة، ولكن بطريقة معكوسة؛ فبدلًا من أن تتم معالجة التضخم والفقر وتراجع قيمة الدخل كنتيجة للحرب؛ فُتح المجال أمام أزلام السلطة، وأصحاب الأصول الثابتة، والأغنياء، والمضاربين، والمحتكرين، وتجار الأزمة، للإثراء أكثر، على حساب طبقات تراجع مستوى الحياة لديها بشكل حاد. وبحسب تقييمات شبه رسمية، يمتلك اليوم 10 بالمئة فقط أكثر مما تملكه الحكومة نفسها من أموال، ويعيشون حياة بذخ، بينما ينام معظم سكان البلاد جوعى.

الكذبة الأكثر غرابة أن هناك -باستثناء شبيحة النظام- من يظهر، بالرغم من كل ذلك، على قنوات التلفزة الحكومية، ويغدق على الأسد أوصافًا وصفات، لا تنسحب إلا على أنصاف الآلهة، في حملة ترويج مبرمج لمرحلة “عفا الله عما سلف”، دعمًا لفكرة استمرار الحكم البوليسي في السلطة، ومنحه شرعية “إعلامية”، بصرف النظر عما ارتكبه خلال السنوات التي خلت، من مذابح ومجازر وإعدامات جماعية، تبلغ حصيلتها الأولية نحو مليون قتيل، و7 ملايين لاجئ في الخارج، وأقلّ منهم بقليل نازح محلي، وانقسام مجتمعي لم تشهده سورية عبر تاريخها الحديث.

لكن الأسد، كعادته، يحجم في أغلب أحاديثه المتلفزة عن التطرق إلى الوضع الداخلي في البلاد؛ ذلك أنه يدرك أن أي إشارة إلى تداعيات حربه التي أودت بسورية إلى الحضيض، على مؤشرات التنمية والاستثمار وبيئة الأعمال وقطاعات المال والدخل والأمان والسلامة المجتمعية، ستقللّ من حضوره كطاغية، وديكتاتور فاشي، ما زال يسعى لانتصار عسكري بأي ثمن، ولو كان الثمن خسارةَ الاقتصاد أكثر من 54 بالمئة من قيمته، وخرابًا حضريًا شاملًا، تتصاعد منه أدخنة لحم بشري، شوته ألسنة لهب قنابل النابالم والبراميل المتفجرة، التي يرميها على شعبه.

إن لعبة التعمية التي يمارسها الإعلام الرسمي، بمشاركة أبواق حكومية، لا يمكن أن تحجب حقائق الواقع، ولا يمكن أن تقنع 13 مليون سوري يعيشون داخل سجن كبير، ضمن ظروف حياتية مأساوية، أقرب إلى مرحلة ما قبل الدولة، الغلبة فيها للأقوى. لا يمكن إقناعهم بأن الأمور تسير اليوم على ما يرام، وأن البؤس الذي حطم حياة 90 بالمئة من مجمل عدد السكان في الأعوام الأخيرة، لا علاقة له بحرب طائفية، يقودها الأسد، فاقت خسائرها ما خسرته 60 دولة، خلال الحرب العالمية الثانية.