استحقاقات ما بعد السيطرة على الجنوب

يأتي اتفاق الجنوب السوري منسجمًا مع نتائج اتفاقات خفض التصعيد التي استثمرها الروس جيدًا، لتغيير المعادلة العسكرية على الأرض، تمهيدًا لحلّ سياسي يعكف الروس على تفصيله وفق مصالحهم، مدعومين بتمزق الصف الداعم للثورة السورية حينًا، وبتغير مواقف بعض الداعمين حينًا، وتآمر قسم آخر حينًا فلا تُفهم الرسالة الأميركية الأخيرة لثوار درعا: “عدم انتظار الدعم الأميركي” إلا في سياق المؤامرة، فالولايات المتحدة لم تتخلَ عن دعم الجنوب السوري لصالح روسيا مجانًا، حيث لم يجرؤ النظام وداعموه الروس على إطلاق رصاصة في الجبهة الجنوبية، في أثناء اتفاق خفض التصعيد، لنراهم اليوم يقومون بحرقها برًا وجوًا، من دون خوفٍ من تبعة، لأن وراء الأكمة ما وراءها.

فلا يمكن حقيقةً فصل ما حدث جنوبًا عن الزيارات المكوكية لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى روسيا، ومنها الزيارة الأخيرة، زيارات يسبقها أو يعقبها دائمًا قصف “إسرائيل” لمواقع سورية، بدعوى وجود شحنات موجهة لـ “حزب الله” أو وجود ميليشيات مرتبطة بإيران تهدد الأمن الإسرائيلي، كما حدث مؤخرًا في مطار (T4)، فتوقف وتيرة القصف الإسرائيلي قبل الضربة الأخيرة يدلل على اتفاق روسي أميركي تقف “إسرائيل” عرابًا له، يسمح بعملية عسكرية روسية جنوب سورية، مقابل تعهد الروس بسحب الميليشيات الطائفية لاحقًا من الجنوب بدايةً، ومن كل سورية ثانيًا، ولا بأس باستثمار الروس الميليشيات الإيرانية الطائفية مرحليًا؛ بهدف الوصول إلى الهدف اللاحق، ناهيك عن وجود صفقة من العيار الثقيل تتجاوز الحدود السورية، تتعلق بما يسمى “صفقة القرن”، ويظهر ذلك جليًا من خلال الفصائل التي شقت الصف الثوري العسكري جنوبًا، وسارعت إلى عقد المصالحات مع النظام السوري، مدفوعةً من داعميها الذين ادعوا يومًا ما نصرة الثورة السورية؛ ما يؤكد أن أمرَ الجبهة الجنوبية دُبّر بليل.

لا يقبل المنطق السياسي غير ما سبق، وكذلك المنطق العسكري؛ فالجنوب السوري المفتوح على الأردن الحليف القوي للولايات المتحدة لا يحتاج الثوار السوريون فيه إلى تدخل جوي أو مضادات للطيران لرد العدوان الروسي، إنما يحتاجون إلى التذخير والمال أولًا، والدعم السياسي ثانيًا؛ فهما كافيان لردع الميليشيات الطائفية المدعومة بغطاء جوي روسي، وتكبيدها الخسائر الفادحة، ودفعها لاحقًا إلى مراجعة حساباتها.

إن التقدم العسكري الذي أحرزه الروس على الأرض في درعا حاليًا، وفي غيرها سابقًا، ليس مرده قوة السلاح الجوي الروسي فحسب، إنما التفاهمات التي يبرمها الروس مع الأطراف الإقليمية والدولية. ويبقى السؤال الكبير مفتوحًا، وتصعب الإجابة عليه في ظل تصادم المصالح المستقبلية للدول التي يبرم الروس معها الاتفاقات؛ فالروس يدافعون عن النظام السوري، ويعقدون صفقات مع الولايات المتحدة وإيران وتركيا و”إسرائيل” في الوقت عينه، وكأنهم يمتلكون مفاتيح اللعبة كاملة، داخليًا وإقليميًا ودوليًا.

هذه الإدارة الروسية الناجحة “الخبيثة” حتى الآن ستقف بعد الجنوب السوري أمام خيارات، يصعب أمامها استمرار التوليفة الروسية في غياب أفق سياسي للحل السوري؛ فبسط السيطرة العسكرية على درعا وغيرها لن يخدم الروس، بل قد يعقّد الأمور، ما دامت الرؤى السياسية المستقبلية للقوى الدولية والإقليمية استراتيجيًا غير منسجمة بل متصادمة، ولا سيما أن مصلحة السوريين ومستقبل سورية لا تندرج ضمن استراتيجيات وأهداف هذه الدول.

نتنياهو أعلنها صراحة: “لن نقبل بوجود إيران في أي جزء من الأراضي السورية”؛ وسيبلّغ الروسَ أن انسحاب ميليشيات إيران من الجنوب السوري غير كافٍ. في الوقت الذي يؤكد فيه المسؤولون الإيرانيون أن وجودهم في سورية دائم، لإدراكهم أن خروجهم العسكري سيتبعه خروج سياسي واقتصادي، وسيمهد لتقليم أظفار إيران في الإقليم؛ ما يعني استحالة التفكير في الانسحاب من قبل الإيرانيين، وغير خافٍ أن المطلب الإسرائيلي يحظى بدعم أميركي ودول عربية خليجية، ويرتبط ارتباطًا وثيقًا في ما سيجري من تطورات عسكرية شمال وشمال شرق سورية، حيث النفوذ التركي شمالًا، والنفوذ الأميركي شمال شرق سورية، فالأميركان -وإن تخلوا عن الجنوب في بادرة حسن نية تجاه الروس- لن يتخلوا عن المناطق الشرقية، ما لم يتخذ الروس خطًى فاعلة تجاه الوجود الإيراني، وفي ما يخص الجانب التركي، فإن الأمر يأخذ مسارًا آخر يتعلق بالحل السياسي النهائي، ولا سيما بعد الإعلان عن تجهيز المعارضة لوفدها باللجنة الدستورية، فهذا الاستحقاق السياسي سيكون حتمًا قبل أي عمل عسكري شمالًا، وتقاعس الروس في الحل السياسي سيحدث شرخًا مع الأتراك الذين استثمروا كثيرًا في الثورة السورية وذهبوا فيها بعيدًا، ولا سيما بعد عمليتي “درع الفرات، غصن الزيتون”، أما في حال التوصل إلى حل سياسي -وهذا مستبعد- فذلك يعني تفتيت بنية النظام الأمنية والطائفية؛ لأن أيّ حلّ سياسي حقيقي يعني زوالًا تدريجيًا للنظام الحالي، وهذا لن يقبله الإيرانيون وربما الروس، إلا إذا قَدم لهم العرب والأميركان والأتراك المقابل والضمانات، لكن أين إيران من هذا المشهد، إن تم؟!

تبدو المعادلة صعبة الحل، إن لم نقل مستحيلة، أمام أجواء عدم الثقة، والتصعيد الحاصل بين إيران والولايات المتحدة؛ فالروس لن يثقوا بالضمانات وخاصة الأميركية، ويصعب عليهم التضحية بالحليف الإيراني الذي لن يقبل -كما أسلفنا- الخروج بخفي حنين، ناهيك عن العقلية السياسية الروسية التي لا تؤمن بالحلول السياسية التي تؤدي إلى أنصاف حلول، كل ذلك يعني أن المكاسب الروسية قد لا تعني شيئًا للروس، بل قد تكون وبالًا عليهم من خلال مزيدٍ من الغرق في المستنقع السوري، ولا سيما أن الغموض يلف المستقبل.