مقالات الرأي

نكوص طائفي لدى بعض المثقفين

الحالة الطبيعية أن تظهر تعبيرات ثقافية طائفية ومذهبية مستحدثة، تعكس حالة من الكراهية والعداء للآخرين في سورية، نتيجة ما شهدته من خلافات وتخندقات سياسية، بين موالي النظام السوري ومعارضيه في الأنساق الاجتماعية السورية كافة، التي هددت بنيتها بالتفكك والضياع.

أما الحالة غير الطبيعية فهي ظهور الذهنية الطائفية التعصبية، لدى بعض المثقفين الموجودين في المقلب الآخر من النظام، أي من المحسوبين على المعارضة للنظام السوري، حيث لوحظ في الآونة الأخيرة انخراط بعض المثقفين في خوض سجالات حول موضوعات طائفية، تعكس صورة نكوص طائفي، من خلال العودة إلى ثقافة تعبّر عن أنساق اجتماعية تقليدية، أي إلى ثقافة دينية طائفية تعصبية، من المفترض تجاوزها لدى هؤلاء، بحكم انتمائهم إلى ثقافات عابرة للطوائف والمذاهب الدينية.

بروز هذه الثقافة الطائفية التعصبية لدى هؤلاء في الوقت الحالي يستدعي الوقوف على العوامل المرتبطة بها، التي تلعب دورًا في ظهورها واستمرارها، بهدف التوصل إلى فهم موضوعي لها.

بداية، يعرّف علماء النفس الاجتماعي التعصب بأنه: “الرأي المسبق أو التحيز ضد أو مع شخص معين أو شيء معين، مع أن الآراء المتحيزة يمكن أن تكون إيجابية، كما يمكن أن تكون سلبية، إلا أنه لوحظ أن المصطلح يشير في الغالب إلى اتجاه سلبي، أو غير إيجابي تجاه جماعة أو تجاه أفراد جماعة معينة. ويتسم هذا التعصب بالمعتقدات المتأثرة بالصور النمطية التي لم تختبر على محك الواقع، وإنما تستند إلى مشاعر الشخص واتجاهاته”، وبالتالي فإن هذه الذهنية الطائفية التعصبية تتضمن جانبًا معرفيًا، يتمثل في الصور النمطية التي يحملها الفرد عن الآخرين، ويتجسد في الابتعاد عن العقلانية من خلال الأحكام المتعجلة أو المسبقة أو التعميم المفرط، أو التفكير في إطار القوالب النمطية، ورفض تعديل الآراء في ظل ظهور دلائل جديدة، إضافة إلى الجانب الوجداني الذي يتمثل في مشاعر الكراهية التي يحملها الفرد ذو الذهنية الطائفية عن الأفراد الآخرين، والابتعاد عن معيار المشاعر الإنسانية الذي ينتقل من اللامبالاة من خلال الرفض إلى العداوة النشطة، أي عدم التحمل، وأخيرًا الجانب  السلوكي الذي يتمثل في المسافة الاجتماعية التي يضعها الشخص الطائفي، بينه وبين الآخرين، أي الابتعاد عن معيار العدالة كمؤشر للمساواة في المعاملة، فهو يتطلب وجود المساواة في المعاملة بين الأشخاص جميعهم، في كل مجالات الاهتمامات العامة ما عدا المعاملات الفارقة التي تقوم على أساس تمايز القدرات، وأشكال الإنجاز التي ترتبط وظيفيًا بمتطلبات الموقف، ويسمى السلوك الذي ينحرف عن هذا المعيار بـ “التمييز”، ويفرض معيار العدالة على الشخص اللاطائفي أن يتجنب هذا التمييز، وأن يعيه ويعارضه حينما يراه موجهًا إلى طرف ثالث.

وتمثل الذهنية الطائفية التعصبية واحدة من تلك المتغيرات التي يمكن أن تؤدي إلى زعزعة أمن الأنساق الاجتماعية واستقرارها؛ ما يولد علاقات كراهية وتناحر وتنافر بين الجماعات المختلفة ضمن النسق الاجتماعي الواحد، قد تصل أحيانًا إلى حد العنف وبالتالي تفكك روابطه.

عادة ما ينظر إلى التعصب الثقافي القيمي على أنه مشكلة في التفاعل الاجتماعي، وأنه يشوه العلاقات بين الأفراد ضمن النسق الاجتماعي الواحد، ويقف حاجزًا ضد كل ما هو جديد، على الصعيد الثقافي والمعرفي بكل عام، ويعزل أصحابه عن الجماعات والفئات الأخرى في النسق الاجتماعي ذاته ويبعده منهم، إنه مرض التعصب والرفض والميل للعنف، لهذا تنظر إليه كثير من الدراسات باعتباره مرضًا اجتماعيًا سياسيًا.

أما أهم العوامل التي تقف وراء هذا النكوص الطائفي التي يظهر بعضها فوق السطح، ويبقى بعضها الآخر تحته، فهي:

– ادعاء البعض امتلاك المعرفة المطلقة بكل القضايا الحياتية، وأنهم الوحيدون الذين يملكونها، يدفعهم إلى النزوع إلى إقصاء كل من يخالفهم الرأي.

– غياب ثقافة المواطنة في الممارسة الحياتية اليومية لدى البعض أدى بهم إلى النكوص للانتماء إلى هويات فرعية طائفية، من خلال الدفاع عن معتقدات طائفية، بغض النظر عن الجنسية المشتركة والثقافة الإنسانية الجامعة.

– الاستكانة لكل ما هو موروث وتقليدي ثقافيًا في المواقف والسلوك تؤدي إلى مقاومة التغيير في الذهنية الثقافية.

– إشكالية عدم تقبل الآخر والتصور التآمري للآخر تجعل الشخص يرى أن الآخر متآمر عليه وعلى طائفته، دون النظر إليه كمواطن وشريك في هذا الوطن.

وأخيرًا، للخروج من مستنقع الثقافة الطائفية؛ أجد أن لا بدّ من تعزيز ثقافة الاعتراف بالحقوق المتساوية للأفراد والجماعات، والقبول بالآخر واعتباره مواطنًا كامل الأهلية في ممارسة الحقوق والواجبات، بغض النظر عن معتقداته الدينية والأيديولوجية والسياسية، من خلال التربية على الحوار في المؤسسات السياسية الاجتماعية كافة، التي من شأنها أن تعزز مجموعة من القيم الثقافية المتمثلة في إفساح المجال لسماع الرأي والرأي الآخر، واستعراض مشكلات أفرادها المنتسبين إليها تطوعًا، وإيجاد حلول مناسبة لها، لأن الدراسات أشارت إلى أن فتح قنوات الحوار والمصارحة والمكاشفة تعزز الثقة وتكشف عن أسبابها، كما أن التربية على الحوار تؤدي إلى آثار إيجابية في سلوك الفرد، تتمثل في بناء شخصية متزنة محصنة من الفكر التعصبي، من خلال سماع رأي الآخر والرد عليه، ويبقى الحوار أمرًا مشروعًا.

مقالات ذات صلة

إغلاق