باحثون أميركيون يسرقون حنطة حلب لإنقاذ مستقبل القمح في بلادهم

خسر مزارعو القمح الأميركيون 10 في المئة من إنتاجهم عام 2016، أي ما لا يقل عن 6 ملايين طن، بسبب ذبابة (الهس)، فأنتجوا فقط 61.6 مليون طن، في المرتبة الثالثة عالميًا بعد الصين والهند. لكن باحثين أميركيين وجدوا الحل في سلالة من القمح الحلبي السوري.

تعود أسباب ذلك التراجع في الإنتاج إلى عوامل مناخية تضرب الولايات الجنوبية في أميركا منذ سنوات، الأمر الذي ساعد في انتشار أمراض وآفات، منها ذبابة (الهس) المعروفة في الشرق الأوسط، والقادمة من المكسيك وجنوب الولايات المتحدة، نحو ولاية كنساس، وأوكلاهوما، وتكساس، وكولورادو، ونبراسكا، وحتى ولايتي إلينوي وديكوتا.

الحل كان في قمح حلبي وحشي، أو بري، مقاوم لما يتعرض له القمح الأميركي، كان موجودًا في (المركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة)، التابع للأمم المتحدة، والمعروف اختصارًا بـ (إيكاردا).

بدأت (إيكاردا) العمل في سورية عام 1977، لتقديم الدعم لإنتاج البحوث الزراعية، ودراسة العوامل البيئية والتقنية والاقتصادية في الدول النامية.

إيغليوبس تاوشي

الاسم العلمي لسلالة القمح الحلبية (إيغيلوبس تاوشي) (Aegilops tauschii). ووفقًا لبحث نشرته جامعة ييل الأميركية، في مجلة (الغابات والدراسات البيئية ” Yale 360″)، فإن مخزون الشتلات من هذا النوع من القمح، استفاد من جينات اكتسبها خلال آلاف السنين مكنته من مقاومة كل الظروف المناخية.

ينمو قمح (إيغيلوبس تاوشي) في مناطق برية تحيط ببلدة (تل حدية)، في الريف الجنوبي الغربي لحلب. واكتشفت عالمة النبات جيسي بولاند، أن هناك سلسلة من الأمراض يستطيع هذا النوع من القمح مقاومتها بسهولة، ومن أهمها الشعير القزم، وفيروس الفسيفساء، وصدأ القمح. كما أظهر القمح الحلبي قدرة على الوقوف في وجه مجموعة من الحشرات والآفات، على رأسها ذبابة (الهس).

نتائج مذهلة

بدأت قصة الأميركان مع هذه السلالة من القمح في ربيع عام 2016، حين كانت قوات النظام السوري تقصف حلب، بينما كان الباحثون في جامعة كنساس يتلقون شكاوى عاجلة من المزارعين الأميركيين من هجمات تشنها ذبابة (الهس)، أدت إلى خسارة المزارعين 10 في المئة من إجمالي إنتاج كل عام من الأعوام السابقة لعام 2016.

يقول أستاذ علم الحشرات الجزيئية في جامعة كنساس مينغ تشون تشين: “في العادة كانت يرقات الذبابة تموت بفعل برودة الطقس، لكن تغيرات في المناخ جعلت البرد يتأخر في كل موسم، فتمكنت اليرقات من البقاء والتحول إلى ذبابات”.

وأضاف: “عملية التهام هذا الذباب لمحصول القمح تشبه الخيال العلمي. فالذباب ليست لديه أسنان، وبالتالي يقوم بإفراز مادة بروتينية يبصقها على النبات، فتحوله إلى شكل من أشكال الطين المغذي الذي يستطيع الذباب امتصاصه وهضمه”.

وفي الفترة بين شهري تشرين الثاني/ نوفمبر، ونيسان/ أبريل من هذا العام، أجرى تشين مع عالمة النبات، جيسي بولاند، سلسلة تجارب في مختبرات جامعة كنساس، فظهرت نتائج “مذهلة”، حسب تعبير تشين، بعدما أطلق الباحثان تشين وبولاند ذباب (الهس) على الشتلات. والنتيجة: شتلات (إيغيلوبس تاوشي) السورية كانت الناجي الوحيد.

إضافة إلى ذلك، كان القمح الحلبي هو المنقذ بسبب تعذر إجراء تجارب على الهندسة الوراثية للقمح، عمومًا، كون جينات القمح من الأكثر تعقيدًا بين المحاصيل الحقلية. وقد فشلت كل محاولات التعديل الوراثي التي أجريت عليه في السابق.

إيكاردا

كانت شتلات (إيغيلوبس تاوشي) مخزنة في بنك (إيكاردا) للحبوب الواقع في (تل حدية)، التي كانت جزءًا من مناطق سيطرة المعارضة المسلحة حتى عام 2016. ووقع قادة فصائل المعارضة مع الباحثين العاملين في البنك اتفاقًا يحمون بموجبه البنك، ويزودون مولدات الكهرباء بالوقود، كي تحافظ الشتلات على درجة حرارة منخفضة في الداخل، مقابل التزام فريق (إيكاردا) بتزويد المقاتلين بالطعام والمحاصيل التي تتم زراعتها في الحقول المخصصة للتجارب العلمية.

لكن هذا الاتفاق انتهى عندما بدأت قوات النظام تتقدم في حلب والبلدات الواقعة في ريفها عام 2016، وانتهت سيطرة المعارضة على منطقة (تل حدية)، فسارع الباحثون في الموقع إلى تحميل الحبوب المخزنة في (بنك إيكاردا) على شاحنة والفرار بها إلى الحدود اللبنانية.

وفي النتيجة، تحولت حنطة حلب إلى الأمل الوحيد للحفاظ على زراعة القمح الأميركية من التراجع. وبينما لم تنقذ الولايات المتحدة السوريين من استعار الحرب في بلادهم، أنقذ القمح الحلبي الأميركيين من ضربة اقتصادية كبيرة كان سيتعرض لها اقتصادهم.

التساؤل الباقي هنا: ما دام مركز (إيكاردا) تابعًا للأمم المتحدة، فهي المسؤولة عنه وعن نتائج أبحاثه، فهل يحق للباحثين فيه، أيًا كانت جنسياتهم، نقل الشتلات إلى أميركا، حتى في الظروف التي تم شرحها؟ ألا يُعدّ ذلك سرقة، مثله مثل سرقة الآثار من باطن الأرض، أو من المتاحف؟!