أبحاث ودراسات

سورية في ميزان العلاقات الروسية – الإسرائيلية

المحتويات

أولًا: مقدمة

ثانيًا: تاريخ العلاقات الروسية – الإسرائيلية

ثالثًا: المُهاجرون الرّوس إلى “إسرائيل”

رابعًا: روسيا و”إسرائيل” – تبادل دور الوسيط

خامسًا: إيران محور التنسيق الروسي – الإسرائيلي

سادسًا: هل يعود الجولان إلى الواجهة؟

سابعًا: خاتمة

 

أولًا: مقدمة

اقتربت المسألة السورية من أن تكون مأساة العصر بالفعل، فقد اجتمعت حولها السياسات وافترقت، عُقدت الصفقات، تضاربت المصالح، وتعطلت فعاليات الأمم المتحدة إلى أدنى المستويات، وكادت الحروب الكبيرة بين أطرافها تندلع، وانحدرت حقوق الإنسان إلى مستوياتٍ مخجلة، قضى فيها مئات الآلاف من السوريين، وتحوّل نصفهم إلى لاجئين في الداخل والخارج.

لم يأتِ الأمر من فراغ، فقد حكم سورية منذ عام 1970 نظام فريد من نوعه ومتميّز في سطوته، لعب على توازنات الحرب الباردة، وقام بأدواره الوظيفية لإرضاء القوى الكبرى في العالم، مقابل غضّ النظر عن قمعه لشعبه، فتراكم كمٌّ كبير من التناقضات التي تكشّفت بعد اندلاع الثورة السورية.

لم تكن العلاقات الروسية – الإسرائيلية وليدة الحدث السوري، لكنّها تعزّزت في أتونه، واكتسبت زخمًا فرضته المتغيرات الدولية والإقليمية المرافقة، وفي أثناء ذلك، وجد كلّ من الطرفين في الآخر ما يمكن أن يساعده في تطبيق سياساته، وسط تضارب المصالح في سورية وحولها.

 

ثانيًا: تاريخ العلاقات الروسية – الإسرائيلية

كان الاتحاد السوفياتي من أوائل الدول التي اعترفت بـ “إسرائيل” بعد إصدار الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار رقم 181 في 29 تشرين الثاني/ نوفمبر 1947، القاضي بتقسيم فلسطين إلى دولتين عربية ويهودية. استند الموقف السوفياتي إلى الطابع الاشتراكي للحركات الصهيونية، وإمكانية أن تصبح “إسرائيل” دولةً حليفة في المنطقة العربية المعادية للمدّ الشيوعي بصورة عامة. سبق الاعتراف السوفياتي بالكيان الوليد اعتراف الولايات المتحدة به، وتحدث وزير الخارجية السوفياتي آنذاك، أندريه غروميكو، عن “الحقوق المشروعة للشعب اليهودي في فلسطين”.

لكنّ العلاقات بين الدولتين لم تلبث أن تأزّمت. ففي العاشر من شباط/ فبراير 1953 قطع الاتحاد السوفياتي العلاقات الدبلوماسية مع “إسرائيل” على خلفية إلقاء قنبلة على مبنى بعثته الدبلوماسية في تل أبيب، لتُستعاد بعد وفاة ستالين من العام ذاته. ثم تحوَّل السوفيات، في سنوات الخمسينيات والستينيات، إلى دعم حركات التحرر الوطني العربية ودولتي المواجهة مع “إسرائيل” -مصر وسورية- وكانوا المزوِّد الرئيس للأسلحة إلى هاتين الدولتين ودول عربية أخرى.

في عام 1956، وفي أثناء العدوان الثلاثي على مصر، بعد تأميم الرئيس الراحل جمال عبد الناصر قناة السويس، عاود الاتحاد السوفياتي قطع العلاقات مع “إسرائيل” لفترة وجيزة، وهدّد بحرب نووية إن لم تنسحب بريطانيا وفرنسا و”إسرائيل” من مصر، لكنّ القطيعة التامة حدثت في عقب حرب حزيران/ يونيو عام 1967. واستُؤنفت العلاقات القنصلية بين روسيا و”إسرائيل” عام 1987، في عهد آخر الرؤساء السوفيات، ميخائيل غورباتشوف، إلى أن عادت العلاقات الدبلوماسية كاملةً فور تفكّك الاتحاد السوفياتي عام 1991.

بعد استئناف العلاقات مباشرةً، طالبت “إسرائيل” بإلغاء قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 3379 لعام 1975، الذي يعتبر الحركة الصهيونية شكلًا من أشكال العنصرية، وكان للاتحاد السوفياتي دور بارز في إصداره، وذلك كشرط لمشاركتها في مؤتمر مدريد للسلام برعاية الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة، وبالفعل، تم إلغاء القرار السابق بموجب القرار 86/ 46 في 16 كانون الأول/ ديسمبر عام 1991.

شُغِلت روسيا خلال عقد التسعينيات، تحت حكم الرئيس بوريس يلتسن، بمشكلاتها الداخلية، حيث عمّت الفوضى إدارات الدولة ومؤسساتها وسيطرت المافيا على مقدراتها المالية والاقتصادية، وبدا كأنّ الأمور انقلبت رأسًا على عقب. حدث في هذه الفترة نشاط ملحوظ للمؤتمر اليهودي الروسي، وبرزت شخصيات يهودية مهمة على المستوى الاقتصادي والإعلامي وفي مواقع السلطة السياسية العليا، فضلًا عن فتح باب الهجرة إلى “إسرائيل” على أوسع نطاق.

عند انتخاب فلاديمير بوتين رئيسًا لروسيا، للمرة الأولى عام 2000، كان النفوذ اليهودي قد وصل إلى حدّ غير مقبول، وأضعف كثيرًا من هيبة الدولة وساهم في تبديد مواردها. وبسبب التدابير التي اتخذها الرئيس بوتين للحدّ من نفوذ رجال الأعمال اليهود، ساءت العلاقة مع “إسرائيل” موقّتًا، لكنّ المصالح الكثيرة التي استجدّت بين البلدين، لم تلبث أن تغلّبت.

كرئيس للوزراء، قبل أن يتمّ انتخابه رئيسًا لروسيا عام 2000، قرّر بوتين إنهاء الحركة الانفصالية في الشيشان. كانت الحرب قد توقفت في عام 1996، بعد عامين من المعارك القاسية التي حوَّلت الحركة الانفصالية القومية إلى التطرُّف، وبرز فيها دور الجهاديين الإسلاميين. دانت معظم دول العالم العنف الروسي المفرط في الشيشان، بينما لم تتّخذ “إسرائيل” موقفًا، تلا ذلك ضرب من الغزل السياسي، شبَّه فيه بوتين الصراع ضد الإرهاب في الشيشان بصراع “إسرائيل” ضد الإرهاب في فلسطين، واعتبر شارون الرئيسَ بوتين صديقًا حقيقيًا لـ “إسرائيل”.

في هذه الأثناء، كانت حاجة روسيا إلى التكنولوجيا العالية في أوجها، والحصول عليها من “إسرائيل” متاحٌ في ظلّ الحظر الغربي على توريدها إلى موسكو، كما برز دور طائرات (الدرون) من دون طيار الإسرائيلية في الحرب الروسية – الجورجية عام 2008، فابتاعتها روسيا أيضًا، وعقدت اتفاقًا مع “إسرائيل” لتصنيعها بصورة مشتركة، وفي العام ذاته، أُلغيت تأشيرات الدخول إلى البلدين خلال زيارة قام بها وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، إلى “إسرائيل”، ما أفضى إلى زيادة ملحوظة في أعداد السائحين الروس. كما عقد الجانبان عام 2011 اتفاقيةً للتعاون في مجال الفضاء.

عادت روسيا إلى الشرق الأوسط بقوّة بعد الثورة السورية، ووقفت إلى جانب النظام السوري، فدعمته بالسلاح، واستخدمت حق النقض (الفيتو) اثني عشرة مرة في مجلس الأمن لإجهاض القرارات التي تدين ممارساته، وصولًا إلى التدخّل العسكري المباشر في سورية خريف عام 2015.

في هذه الأثناء، تحوّلت “إسرائيل” إلى دولة شريكة وحليفة لروسيا، وصار التنسيق بينهما حيويًا لضمان مصالحهما في سورية والمنطقة، بخاصة في المجال العسكري، بحيث لا تتصادم القوّتان في الأجواء السورية، ولا تعترض روسيا على استخدام “إسرائيل” لهذه الأجواء لضرب شحنات الأسلحة الإيرانية المتَّجهة إلى قوات “حزب الله” في لبنان. كما ساهم الانكفاء الأميركي عن شؤون المنطقة، في فترة حكم الرئيس السابق باراك أوباما، في رفع مستويات التنسيق بين البلدين.

بمقدار ما كانت موسكو مصرّة على مواجهة الغرب في سورية، كانت “إسرائيل” تراقب الدور الروسي الجديد فيها باهتمامٍ بالغ، وما قد يتركه من أثر على تتابع الحوادث، فلا يمكن لروسيا إغفال مصالح “إسرائيل” ودورها الإقليمي، ولا “إسرائيل” يمكنها تجاهل الدور المهمّ لروسيا في بلدٍ كثيرًا ما اعتمد على دعم الاتحاد السوفياتي الذي ورثته روسيا.

في بادرةٍ للتقرُّب من “إسرائيل”، كانت روسيا قد أعلنت اعترافها بالقدس الغربية عاصمةً لها، جاء ذلك في بيان وزارة الخارجية الروسي في السادس من نيسان/ أبريل 2017، ولو أن البيان تحدّث أيضًا عن حقّ الفلسطينيين في القدس الشرقية عاصمةً لهم في إطار حلّ الدولتين. يمكن اعتبار البيان الروسي، بطريقة ما، تمهيدًا لإعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب نقل سفارة بلاده إلى القدس، التي تريدها “إسرائيل” عاصمةً أبديّةً لها وحدها.

ولم تنقطع زيارات المسؤولين، رفيعي المستوى، إلى عاصمتي البلدين، منها زيارات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى “إسرائيل” في الأعوام 2005 و2012 و2018، وزيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت إلى موسكو عام 2007، تلتها زيارات عدّة لخلفه نتنياهو، ما عكس، بالفعل، المستوى العالي للتنسيق والتفاهم بين البلدين حول مختلف القضايا.

تستحق زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، الأخيرة إلى موسكو، وحضوره العرض العسكري بمناسبة الانتصار على النازية، في 9 أيار/ مايو 2018، الوقوف عندها، بعد أن قام بزيارة سرّية إلى العاصمة الروسية في أيلول/ سبتمبر 2017. فهل كان نتنياهو يخشى “العتب” الأميركي لتنسيقه المتزايد مع روسيا، بينما تعدُّ زيارته الحالية احتجاجًا على السياسات الأميركية غير الحازمة، من وجهة النظر الإسرائيلية، تجاه إيران؟

تستند العلاقات السياسية الروسية – الإسرائيلية إلى شراكات اقتصادية متنوّعة، من أهمها التعاون في مجالات التصنيع العسكري وتبادل المعلومات ومكافحة الإرهاب، واحتمال أن تتعامل الدولتان في مجال استغلال وتصدير الغاز المكتشف بكميات كبيرة مقابل الشواطئ الإسرائيلية. بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين في الأعوام الأخيرة نحو 3 مليار دولار، وهو مبلغ متواضع قياسًا إلى حجم التبادل بين روسيا ودول أخرى في المنطقة، كتركيا وإيران، ولا يتساوق مع مستوى العلاقات السياسية بينهما.

بإلقاء نظرة سريعة على تطور العلاقات الروسية – الإسرائيلية، منذ انهيار الاتحاد السوفياتي حتى تاريخه، نجد أنّها تسير في منحى متصاعد على العموم، على الرغم من بروز نقاط خلافية من حين إلى آخر، والتي تتمّ إدارتها بحيث لا تعكِّر صفوَ العلاقات المتينة بين البلدين.

 

ثالثًا: المُهاجرون الرّوس إلى “إسرائيل”

مع أنّ هجرة اليهود الروس إلى “إسرائيل” لم تتوقف طوال تاريخ الاتحاد السوفياتي (على سبيل المثال، هاجر نحو 150 ألفًا منهم في عقد السبعينيات)، فلا يمكن مقارنتها بموجة الهجرة التي حدثت قُبيل انهيار الاتحاد السوفياتي وبعده، في سنوات التسعينيات، وناهزت المليون مهاجر. كان الرئيس السوفياتي ميخائيل غورباتشوف، في أواخر ثمانينيات العقد الماضي، قد سمح بنقل المهاجرين بالطائرات مباشرة إلى “إسرائيل”.

ما زالت الهجرة مستمرةً حتى الآن، لكن على نحوٍ أبطأ، ومن بين 3 ملايين يهودي كانوا يقطنون روسيا قبل ثورة أكتوبر الاشتراكية عام 1917، يوجد أقلّ من نصف مليون يهودي في مختلف دول الاتحاد السوفياتي السابق. يبلغ عدد الناطقين بالروسية في “إسرائيل” 1.2 مليون (نحو خمس السكان)، وترتيبها الثالث بعد العبرية والعربية.

ليس العدد وحده ما يحدّد أهمية المهاجرين الروس إلى “إسرائيل”، إنّما نوعيّتهم أيضًا، فجلّهم من حاملي الشهادات العليا والمستويات الثقافية المرموقة، فضلًا عن وجود الكثير بينهم من رجال الأعمال والمستثمرين والعلماء. وبينما شكّل هؤلاء خسارة موصوفة لروسيا الطامحة إلى استعادة أمجادها السابقة، فقد رفدوا “إسرائيل” بما كانت تحتاجه من قوى بشرية، وساهموا في حلّ المشكلة الديموغرافية التي عانت منها “إسرائيل” على الدوام وسط أغلبية مطلقة عربية وإسلامية، لطالما عوّضت عنها الدولة العبرية بالاعتماد على النوعية، والتركيز على الاقتصاديات المتطورة القائمة على التكنولوجيا الفائقة، والتشجيع على هجرة العلماء اليهود من مختلف أنحاء العالم، أو التعاون معهم في البلدان التي يقيمون فيها.

يحتفظ المهاجرون الروس بالجنسية وجوازات السفر الروسية ويتمسكون بثقافتهم الأمّ، ويُشكِّلون جسرًا حيويًا يزيد من أواصر العلاقة بين الدولتين في المجالات كافة. وعلى الرغم من ميل الجالية الروسية إلى التقوقع وامتلاكها لوسائل إعلامها الخاصة، المرئية والمسموعة والمقروءة، فقد حققّت درجة مهمّة من الاندماج في المجتمع الإسرائيلي. تجدر الإشارة أيضًا إلى أن من بين المهاجرين الروس إلى “إسرائيل” الكثير من غير اليهود أو من أنصاف وأرباع اليهود، عرقيًا. تشير الإحصاءات الإسرائيلية إلى مغادرة 17 بالمئة من أبناء هؤلاء المهاجرين إلى دول الغرب بصورةٍ نهائية، فيما عاد الآلاف من المهاجرين أنفسهم إلى روسيا للاستثمار فيها، ويعيش ربع المقيمين منهم في “إسرائيل” داخل المستوطنات.

على الصعيد السياسي، شكّل اليهود الروس، عام 1996، حزبًا سياسيًا خاصًا بهم -“إسرائيل” بعاليا- بزعامة (ناتان تشارانسكي)، والذي حصل على 7 مقاعد في الكنيست الإسرائيلي. تحوَّل معظم أعضاء هذا الحزب، بعد حلِّه عام 2003، إلى حزب الليكود، ما عزّز من قوة اليمين الإسرائيلي وسياساته. معظم المهاجرين الروس عدائيون تجاه الفلسطينيين؛ ربما لأنّهم يعتقدون بأنّ ذلك أفضل لتقبّلهم في المجتمع الإسرائيلي.

 

رابعًا: روسيا و”إسرائيل” – تبادل دور الوسيط

في محاولاتها للتقرّب من الغرب والتّخفيف من العقوبات المطبّقة عليها، بعد تدخُّلها في شرق أوكرانيا واحتلال شبه جزيرة القرم ودفاعها المستميت عن النظام السوري، تحتاج روسيا إلى “إسرائيل” كوسيط في مختلف القضايا المختلف عليها، بخاصة مع الولايات المتحدة، مثلما تحتاج “إسرائيل” إلى روسيا كوسيط مع إيران لإخراجها من سورية كي لا تضطر إلى خوض حرب شاملة ومكلفة، وإلى إرسال الرسائل والتحذيرات إلى النظام السوري.

في طلبٍ واضح للوساطة الروسية مع إيران، رفع وزير الدفاع الإسرائيلي، إفيغدور ليبرمان، خلال زيارته إلى موسكو، في 31 أيار/ مايو 2018، من وتيرة التصعيد ضدّ إيران، مُطالبًا بانسحاب ميليشياتها إلى مسافة 70 إلى 80 كيلو مترًا عن حدود “إسرائيل” الحالية في هضبة الجولان المحتلة، بما يخالف ما جاء في اتفاق خفض التصعيد المعمول به في الجنوب، والذي قضى بانسحاب الميليشيا الإيرانية مسافةً أقصاها 40 كيلومترًا. فهل يشير ذلك إلى تغيير في الموقف الإسرائيلي تجاه الوجود الإيراني في سورية؛ من الإصرار على منع حصول أي تموضع إيراني ثابت على الأرض السورية إلى القبول بمسافة الانسحاب المذكورة أعلاه؟

مقابل دور الوسيط الذي تؤديه بين روسيا والولايات المتحدة، تعمل “إسرائيل” على تحقيق مصالحها في المنطقة بالوسائل كافة، ولو وصل الأمر إلى ابتزاز الدولتين في ما يتعلق بوجود إيران في سورية أو ببرنامجها النووي، والتهديد بالقيام بخطوات عسكرية انفرادية ضدّ المواقع الإيرانية، سواء في سورية أو في إيران ذاتها.

في هذا الإطار، كان وزير الدفاع الإسرائيلي قد طلب من روسيا “ردّ الجميل” لـ “إسرائيل” في الشرق الأوسط، كونها لم تشارك في العقوبات الغربية على روسيا ولم تطرد الدبلوماسيين الروس، كما فعل الغرب بعد تسميم الجاسوس الروسي المزدوج، سيرغي سكريبال وابنته أوائل آذار/ مارس 2018. جاء ذلك في مقابلة للوزير المذكور مع صحيفة “كوميرسانت” الروسية في 3 أيار/ مايو 2018، ويبدو أنه كان يردُّ بطريقة غير مباشرة على احتجاج الروس على قصف “إسرائيل” مواقع إيرانية في المناطق التي يهيمنون عليها في سورية، قبل ذلك بشهر تقريبًا.

مع ذلك، يمكن لروسيا أن تكون وسيطًا بين “إسرائيل” وإيران، كما لا يمكن أن تفعله أي دولة أخرى، فهي قريبة من “إسرائيل” وحليفة لإيران، حتى الآن، خاصة في هذه المرحلة التي تتعرض فيها إيران لضغوط من قبل أكثر من طرف، وتجد نفسها في أضعف حالاتها، ومضطرة إلى التراجع في جبهة عريضة تمتدّ من اليمن إلى العراق. وإيران الآن لا تواجه “إسرائيل” في موضوع سورية فحسب، إنّما الولايات المتحدة، هذا إنْ وَجَدت النقاط الاثنتي عشرة، التي أعلنها وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو لمواجهة إيران، طريقها إلى الحلّ.

من مصلحة روسيا أن تؤدي دور الوسيط لوقف الهجمات المتبادلة بين “إسرائيل” وإيران في سورية، لأنّ استمرارها يؤثر على هيبتها، وهي التي تعتبر نفسها وصيَّة على السيادة السورية، ولا سيّما أنّ وقوفها موقف المتفرِّج من الضربات الغربية لمواقع كيماوية تابعة للنظام، في 14 نيسان/ أبريل 2018، وضعها في موقفٍ حرجٍ أمام حلفائها، وكشف عن محدودية ما يمكن أن تفعله في مواجهة التحالف الغربي.

الوسيط الروسي ليس نزيهًا ولا حياديًا، ومصالحه المتقلّصة مع إيران في سورية يقابلها تزايد ملحوظ لتنسيقه مع “إسرائيل”، ما يزيد من فرص الضغط الإسرائيلية على روسيا لجهة عدم تزويد إيران وحلفائها بالأسلحة الحديثة، مثل تجميد صفقة صواريخ (س300) إلى سورية، بينما تقلّ فرص إيران في انتزاع أي تنازلات “إسرائيلية مهمّة في الوقت الحالي.

 

خامسًا: إيران محور التنسيق الروسي – الإسرائيلي

مع توقف المعارك على الأرض، وإجراء المزيد من (المصالحات) وعمليات التهجير في مناطق عدّة لم تكن تخضع لسيطرة النظام، تضاءلت حاجة الروس إلى الميليشيات الإيرانية، وباتت تشكِّل عبئًا على السياسة الروسية في سورية.

يشير سير الحوادث في الفترة الأخيرة إلى حصول تغيير ملموس في المواقف الروسية تجاه إيران، لجهة الضغط عليها في سورية، يقابله رفع مستوى التعاون مع “إسرائيل”، ولو بحذر، من أجل ملاقاة مطالبها المتعلقة بالحدّ من نفوذ إيران وميليشياتها في جنوب غرب سورية. كما أنّ تصريح وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، في الثلاثين من أيار/ مايو 2018، حول ضرورة خروج جميع القوات الأجنبية من منطقة خفض التصعيد في جنوب سورية، يعني إيران بالدرجة الأولى، ولو أنه ينظر بالعين الأخرى إلى القوات الأميركية الموجودة في قاعدة (التّنف)، على المثلث السوري – الأردني – العراقي.

في هذا الصّدد، ثمة مؤشِّران على وجود اتفاق جديد في طور التبلور حول الجنوب السوري: الأول، هو ما يُشاع عن انسحاب الميليشيات الإيرانية وميليشيات (حزب الله) من درعا، بينما يتمثَّل الثاني بالتصريحات الروسية حول أنّ قوات النظام السوري وحدها هي التي يجب أن تُرابط على الحدود السورية الأردنية، وهو مطلب أردني أساسًا ولا تعارضه “إسرائيل”. يعدّ الاتفاق، إن حصل، خطوةً أخرى في مجال التنسيق بين البلدان الثلاثة، روسيا والولايات المتحدة و”إسرائيل”، ويمهَّد لتوافق أميركي – روسي قد تظهر بعض معالمه في اللقاء المنتظر هذا الصيف بين الرئيسين بوتين وترامب.

كذلك يُشير انتشار الشرطة العسكرية الروسية، وقوات من الفرقة الحادية عشرة التابعة للنظام، على الحدود اللبنانية في منطقة القصير، في 5 حزيران/ يونيو 2018، إذا صحّت هذه الأنباء، إلى توافقاتٍ تتجاوز الجنوب السوري، وترافق الانتشار مع انسحاب ميليشيا (حزب الله) من المدينة التي كان قد احتّلها في عام 2013 وأجرى فيها استعراضاته العسكرية والدينية. لا شكّ في أنّ هذه الخطوة الروسية تعدّ في غاية الأهمية للحدّ من توريد الأسلحة الإيرانية إلى (حزب الله) وخدمةً ثمينةً لـ “إسرائيل”، وهي تطبيق، بصورة ما، للبند المتعلّق بمراقبة الحدود اللبنانية – السورية من القرار الدولي رقم 1701، الذي أنهى الحرب بين “إسرائيل” و(حزب الله) عام 2006.

الأدلّة على بدء المواجهة الروسية – الإيرانية موجودة أيضًا في الساحل السوري وحماه وحمص، حيث تسعى روسيا لحلّ الميليشيات المدعومة من إيران وضمّها إلى الفيلق الخامس، ما أدّى، في بعض الأحيان، إلى حدوث اشتباكات مسلحة واعتقالات وإقامة الحواجز. يحدث ذلك في وقت يسود فيه تململ غير مسبوق للأهالي في المناطق التي يسيطر عليها النظام، احتجاجًا على التضحية بأبنائهم من أجل كرسيّ السلطة، وتأييد للإجراءات الروسية.

في هذا الشأن، تساءلت صحيفة “سازندكي” المقربة من حكومة حسن روحاني، في 3 حزيران/ يونيو 2018، عمّا إذا كان بشار الأسد تخطّى إيران؟ وفي تصريح لموقع “نامه نيوز” الإيراني في اليوم ذاته، انتقد مستشار وزير الخارجية الإيراني، حسين شيخ الإسلام، روسيا بشدّة، بسبب دعوتها إلى خروج القوات الأجنبية، بما فيها الميليشيات الإيرانية، من سورية، داعيًا موسكو إلى احترام “إرادة وسيادة سورية”. وكانت صحيفة “قانون” الإيرانية قد كتبت، في 14 كانون الثاني/ يناير 2018، أنّ بشار الأسد “بلا مبادئ وناكر للجميل”، وأنه “يريد تقليم أظافر إيران في سورية بعد هزيمة (داعش) والدخول في مرحلة جديدة”.

من الصعب أن تواجه إيران كلّ هذه الضغوط، وقد تضطّر إلى فتح الأبواب المغلقة، منها إجراء مباحثات مع “إسرائيل” عبر وسطاء، ولو بصورة سرّية، وذلك على الرغم من نفي المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، بهرام قاسمي، ما أُشيع عن محادثات ثنائية غير مباشرة مع “إسرائيل”، بوساطة أردنية.

بمقارنة التنسيق الروسي مع الولايات المتحدة بالتنسيق مع “إسرائيل”، نجد الأمر أكثر نجاحًا مع الأخيرة، ولم تحدث بينهما أية حوادث ذات شأن خلال الهجمات الإسرائيلية في سورية، باستثناء إسقاط الطائرة الحربية الإسرائيلية في شباط/ فبراير 2018 في أثناء الهجوم على مواقع إيرانية، ما يرجح مسؤولية إيران عن ذلك، من خلال استخدام وسائط الدفاع الجوية السورية بكثافة.

العلاقات الثنائية في صراع المصالح المحتدم في سورية متغيِّرةٌ باستمرار، لذا من الصعب على الباحث الوصول إلى استنتاجات حاسمة، مع ذلك، يمكن القول إنّ العلاقات الروسية – الإسرائيلية تنحو لأنْ تصبح استراتيجيةً بامتياز، في حين تتقهقر العلاقات الروسية – الإيرانية إلى مجرّد توافقات سياسية ذات طابع تكتيكي، وتعاونٍ عسكريٍّ في سورية تتناقص أهميته بمرور الوقت.

 

سادسًا: هل يعود الجولان إلى الواجهة؟

مع تتابع الحوادث في سورية، تحوّل الخطر الذي كان يمثِّله (حزب الله) في جنوب لبنان إلى جبهة الجولان، كما تقدًمت المليشيات الشيعية التي شكّلتها إيران لمساندة النظام من هذه الجبهة. بدايةً، اتّخذت “إسرائيل” وضعية المراقب، لكنها ظلّت جاهزة للتعامل مع أي خطر يهدّدها بالقوة الكافية. مع ذلك، لا يوجد أفضل من الوضع الحالي، حيث تتحوّل سورية إلى دولة فاشلة، لتعيد “إسرائيل” طرح مشروعها المُبيّت لمحاولة شرعنة ضمّ الجولان، بعد أن أعلنت ذلك عام 1981، كخطوة من طرفٍ واحد.

في هذا الصّدد، صرّح وزير الاستخبارات الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، لوكالة “رويترز” في 24 أيار/ مايو 2018، بـ “أنّ هذا الموضوع على رأس جدول المباحثات الدبلوماسية الثنائية مع واشنطن”، فالإدارة الأميركية الحالية، وبعد قرار الرئيس ترامب نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس، في شهر كانون لأول/ ديسمبر 2017، تبدو أكثر استعدادًا لتقبُّل موضوع ضمّ الجولان.

كان الرئيس الأميركي السابق، جيرارد فورد، قد كتب في رسالةٍ إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي، اسحق رابين، عام 1975 “أنّ الولايات المتحدة ستعطي وزنًا كبيرًا لموقف “إسرائيل” حول أنّ أيّ اتفاق سلام مع سورية يجب أن يشمل بقاء “إسرائيل” في هضبة الجولان”.

أما روسيا، فلا يبدو أنها في وارد الوقوف في وجه هذه الخطوة، وقد وصلت علاقتها مع “إسرائيل” إلى مستوى عالٍ من التنسيق حول مختلف قضايا الشرق الأوسط، لكنّ ذلك مشروط بتذليل عقبات كثيرة أمام التوافق الأميركي – الروسي حول أكثر من قضية خلافية، وبدور “إسرائيليٍّ إيجابيّ في هذا التوافق.

فهل تنجح “إسرائيل” في شرعنة ضمّ الجولان بطريقة ما، سواء أكان من خلال صفقة سلام مع الفلسطينيين أو ترتيبات ما يتمّ إعدادها وراء الكواليس، من ضمن تسوية شاملة لمشكلات المنطقة؟ من الصعب الإجابة عن هذا السؤال في الوقت الحالي، لكنّ المؤكّد هو أنّ الجولان يُعدُّ من أهمّ ركائز استعادة الوطنية السورية المرتقبة، التي باتت رهنًا بتفاعل العديد من العوامل الخارجية الفاعلة على الأرض السورية.

إن كان من البديهي أن تحاول “إسرائيل” تمرير مسألة ضمّ الجولان في الوقت الذي تتفكّك فيه سورية، فإنّ على السوريين الاستعداد لرفع الصوت في مواجهة هذا الإجراء الإسرائيلي المحتمل والتمسك بسوريّة الجولان. كما أنّ تسريع وتيرة السعي للحلّ السياسي وفقًا لبيان جنيف الذي يضمن التغيير السياسي الشامل، هو ما يمكن أن يحدّ من مطامع “إسرائيل”، ويُجدوِل قضية الجولان على سلّم الأولويات الوطنية.

 

سابعًا: خاتمة

يبدو أن العلاقات الروسية – الإسرائيلية ستستمرّ في النضوج والتّطور وسط الاشتباك الدبلوماسي الدولي المُتمحور حول المسألة السورية، وأنّ التعاون بين البلدين سيترك أثرًا واضحًا في مجمل السياسات المتعلقة بمنطقة الشرق الأوسط، وفي القلب منها سورية. كما ينعكس تطوّر هذه العلاقات نجاحًا ملحوظًا في تبادل الخدمات السياسية والعسكرية بين البلدين، ما يضاعف من النتائج المتحقِّقة ويحدّ من قوّة المنافسين، مع أنّ النتائج النهائية مرهونة بمجمل السياسات الفاعلة في المنطقة، والأميركية على رأسها.

العامل شبه الغائب في تصارع السياسات حول سورية هو العامل الوطني السوري، الذي بإمكانه تغيير الكثير من المعادلات، والاستفادة من تناقضات المصالح الدولية، التي شاءت الظروف أن يكون السوريون ضحاياها.

 

مقالات ذات صلة

إغلاق