مقالات الرأي

ملابسات التغيير في سورية

ليس من السّهل الخوض في عملية التغيير الجارية داخل الفرد السوري وفي محيطه، على امتداد سنوات سبع مريرة من الآلام والنزوح واجتراع الموت، لم يطغ فيها السّواد على الرايات فقط، إنّما تعمّم سواد الحزن في أرجاء سورية، وصارت موسيقاه نشيجًا لا مهرب منه.

القول إنّ السوريين تغيّروا أو لم يتغيروا قولٌ ملتبس، ويعود إلى اختلاف زاوية الرؤية ولحظة الحكم. اللحظة التي بدأ فيها التغيّر هي لحظة قيام الثورة، من هنا يبدأ القياس، فقد استأنف التاريخ حركته المتعثّرة، ولو بهذا الشكل الجامح الذي يبدو غير قابلٍ للضبط، فبدا أنّ الثورة أدمت الجميع في محاولتها تحريرهم من التعسُّف.

لحظة البدء هذه هي لحظة الانكشاف السورية المريرة أيضًا؛ انكشاف واقعٍ مسكوت عنه بالإكراه، وافتضاح السوري أمام ذاته وأمام الآخرين، بعد عقودٍ من الموات السياسي الذي اختصره إلى مجرّد بوقٍ يردّد أصداءً لأصوات خارجه، أو يهمهم بها إن خاف أن يُفهم صمته موقفًا. لحظة الانكشاف هذه هي لحظة ولادة السوري، عاريًا و”ملوّثًا” وصارخًا، وبداية مواجهته للمخاطر.

وفي لحظة “الهرج والمرج” التي رافقت الاندفاع، عبر الثغرات المفتوحة في جدار مزرعة الاستبداد، أطلق الحراس نيرانهم وسالت الدماء، كما حدثت بعض الاصطفافات الغريزية التي عزّزتها مواقف مخبأة في الذاكرة القريبة والبعيدة. في هذه المستجدّات الصادمة، كان من الصّعب الحكم على واقع متغيِّر، المواقف فيه هي أقرب إلى الانفعالات الغريزية القائمة على مخاوف عميقة من التغيير أو على مباهج آنية يبرّرها انعتاق مفاجئ من الكبت.

وحال تحوّلُ الثورة إلى حربٍ بفعل خارجي رئيس دون نضوج المواقف الانفعالية، وتبلورها في مفردات سياسية مفهومة وصالحة؛ فتوقّف المسار الجديد، ودخلت الثورة في طور الكمون. لكن الكمون هنا لا يشبه واقع التفسّخ والاستنقاع في عهد الاستبداد، فهو جزء من عودة الحياة إلى التاريخ وخضوع إلى تحولاته. وبالرغم من غياب الدراسات الموثوقة حول تحوّلات آراء السوريين ومواقفهم، يمكن ملاحظة معالم الواقع السوري الحالي، الذي لم تعد حالة الاستقطاب هي المهيمنة عليه، وينتظر تفاعله مع المخرجات الممكنة من هذه المرحلة الدامية والمدمِّرة.

في هذه الأثناء، تغيّرت علاقات السوريين البينية، كأفرادٍ أو جماعات، ولو أن ذلك صعب الملاحظة عند النظر من الخارج. ويمكن القول إنّ السوريين اقتربوا أكثر من بعضهم البعض، في النّظر إلى عدم جدوى الحرب، ربما كأي حرب، وهي، بهذا المعنى، وحّدت السوريين في إدراكهم لانسداد الأفق أمامها.

التغيير السوري ليس مجرد تحوّل الهمهمة والتلعثم، في المرحلة السابقة، إلى مفرداتٍ واضحة المعاني تقال في العلن، إنما أنماط حياة صار يعيشها السوريون في ظروف جديدة، فرضها النزوح في الداخل أو الهجرة إلى الخارج أيضًا. وكما في كل تغيير من هذا النوع، بعد الفترة الأولى الأكثر صعوبة، تنمو أنشطة وحركيات وسلوكيات جديدة إلى جانب القديمة، ذلك بعد توافر الاستقرار النسبي، ومنها التحرّر من بعض قيود الماضي.

على هامش المأساة، وفَّر النزوح والهجرة إمكانية اختلاط السوريين في بلدهم أو خارجها على نطاقٍ واسع، وبالتالي اكتشاف الآخر على حقيقته. ومهما شاب هذه العلاقات الجديدة، فهي تُعدُّ خطوة مهمة إلى الأمام، مقارنة بتعميم الخوف والتقيّة على مختلف الجماعات، وفي مختلف أنماط العلاقات في عهد الاستبداد؛ ما قد يمهّد الطريق إلى التعبير عن الرأي والاختلاف فيه بصورة طبيعية مستقبلًا، بخاصة عند توافر الإطار القانوني.

في هذا السياق، وجد المهاجرون إلى البلدان الأوروبية الفرصة المناسبة لإعادة ترتيب حيواتهم، بما في ذلك محاولة الانعتاق من بعض المظالم الاجتماعية والأسرية التي لم يكن التعبير عنها أو التخلّص منها ممكنًا في بيئاتهم الأصلية. على سبيل المثال، تزايدت حالات طلب الطلاق من قبل النساء، وعكست توفر الرعاية والحماية لأطفالهنّ في مواطنهم الجديدة.

وتغيّر السوريون جميعهم من حيث العلاقة مع الموت، بمعنى الاعتياد عليه وتقبّله وكبح حدّة الانفعالات المرافقة للفقد أو طريقة التعبير عنها، وقد سبقهم الأوروبيون إلى ذلك، بعد أن ذاقوا بدورهم مرارة الموت الجماعي، في الحربين العالميتين الأولى والثانية.

لكنّ المأساة السورية مستمرة على مستوى “النُّخب”، التي برهنت على ضعفها وقصورها كمنتجٍ استبدادي، وأنها تختلف في المضمون. كثّفت النخب “أمراض” السوريين في ذوات مدّعيها، كونهم “رضعوا” المزيد من ثقافة الاستبداد خلال سنوات طويلة، من خلال المناهج التعليمية والشعارات الحزبية وثقافة عبادة الفرد، فضلًا عن التراث الاستبدادي التاريخي والديني.

في الواقع، ما سينتج نُخبًا جديدة من طبيعة مختلفة هو مساحة الحرية التي تعمّدت بشلالات الدّم. شخوص النّخب الجديدة أُفقيّوا الامتداد بين الناس، وغير متمايزين عنهم في السلوك والتصرفات، إنّما بدرجة كثافة الوعي، ويمكن للناس الاستعانة بهم وانتخابهم للتمثيل والتعبير عن المصالح عند توافر الشروط الديمقراطية. مثل هذه النّخب هي جديد المجتمع المدني السوري القادم، وليست نخب الاستبداد الفاسدة والمريضة التي لم تستطع الارتقاء، باستثناء حالات قليلة، إلى مستوى القيام بأعمال جماعية منظّمة لا في السياسة ولا في غيرها، ولم تراجع تجاربها وتستفيد من إخفاقاتها ونجاحاتها على حدٍّ سواء من أجل تطوير آليات العمل والحصول على نتائج أفضل.

بانتهاء الحرب؛ ستبدأ مرحلة استعادة الانتظام الاجتماعي المدني بأدوات وأساليب جديدة، وستذوب كل الهيئات المدنية التي تشكلت على هامشها، بما في ذلك تلك الأحزاب المدجّنة التي فبركها الاستبداد، أو تندمج ضمن تنظيماتٍ جديدة يمكنها التعبير عن ذاتها، والترويج لبرامجها بحرية لا بدّ أن توفرها الظروف القادمة إلى هذه الدرجة أو تلك.

ما يحدث الآن في سورية للتخلّص من العسكرة غير المنضبطة والمعدومة الأفق السياسي، أمرٌ لا بدّ منه، ولا يهمّ الفاعل، لأن ذلك سيندرج ضمن إطار انفتاح تاريخي على إمكانات التغيير المتوقفة منذ عام 2012، ويصبّ في مصلحة السوريين في نهاية المطاف.

التاريخ ليس مسارًا مستقيمًا عند حدوث تحولاته الواسعة والعميقة، وينطوي على مسارات اِلتفافية معقّدة.. إنّه التاريخ حين يُراوغ، بأوضح تجلّياته.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق