أدب وفنون

وُجومٌ.. فرحٌ.. وُجومٌ

أيامًا، يحاول الفرح أن يتسلل إلى أي تفصيلٍ صغيرٍ من تفاصيلها، لكنه لا ينجح سوى بشق النَّفسِ. وإن نجح فهو يحلُّ علينا، فرَحًا بين وُجومين، ثم يهرب، من دون أن نستطيع التقاطه أو تأجيل غيابه الذي لا نلحظه، كوننا ساهمين في حزننا، غير مدركين حالَنا.

كان ذلك قبل الحرب، وكان أحدنا يعرف إلى أي سببٍ يعزو هذا الوُجوم، أو إلى أي أسباب! تلك الصورة أو تلك الطبعة، التي تتكرر على وجوه نراها كل يوم، وتمرُّ أمام أنظارنا صورًا متطابقةً، أو طِبْقَ الأصل، فلا نصرف الجهد لاكتشافها. إنها متوفرة بغزارة أينما حللنا، أو ولَّيْنا وجوهنا ووقعت أبصارنا. ذلك هو الوُجوم، يخيِّم على وجوه الناس والمارَّة، من دون أن نعرف سبب طغيانه عليها. أوجهٌ مخيفةٌ، تَخالُ أن صاحبها سيضربك إن بادَرتَه بسؤالٍ، أو حتى بسلام. لكن، ما إن تحاول أن تتكلَّم مع صاحب الوجه المليء بالوُجوم ذاك، حتى تجد أن أساريره قد بدأت بالتفتح. ما هذا؟ ما الذي حصل؟ هل هنالك كلمة سحرية حتى تتغير صورة الوجوه، ويزول الغمّ أو الكآبة من النفوس، لمجرَّد حديثٍ عابرٍ؟ تَرى هذا على وجوه الآخرين، ومن المؤكد أن ذلك ما يراه الآخرون على وجهك؛ فأنت لا تختلف عن أبناء جلدتك وبلدك، بالهموم التي تدمغ بآثارها وجوه الجميع.

ربما يكون السبب هو غياب الأمل والآفاق، أو ربما هو الفقر، لكن ليس الجميعُ فقراء. ربما هي البطالة، ولكن هنالك من هو على رأس عمله، ولا تجد فيه فرقًا. أمن الممكن أن يكون القهر الذي لا يفرِّق بين فقير أو عامل أو عاطل عن العمل؟ القهر الذي يأتي أحدنا في هيئة عصا، يزيد عنف ضرباتها ركضه خلف لقمة أبنائه لتأمينها، من أي مكانٍ أتت تلك اللقمة. أو قد يكون عجزه، أو ما يراه في صِغَرِ ذاته أمام توحُّش كل ما يحيط به، وضعفه، وقدريَّته التي لم تنفعه يومًا.. ثم جاءت الحرب.

أما الفرح فهو القليل العزيز. وهو ما نخترعه في مناسباتنا السعيدة، على نُدْرَتِها. أو نتسقَّط أخباره، علَّه يحلُّ علينا، أو يصيبنا بسهامه الجميلة. ولكن في الحرب، لا يمكنك أن تبحث عن الفرح، تجعلك الآلام تهرب منه، إن بحثَ هو عنك، مثلما حصل عندما حاولتُ التملُّص من تلبية دعوة صديقي إلى حفل عرسه المتأخر.

في إحدى لحظات الفرح المسروقة، تبختر صديقي خلال الحفل، كان يجول علينا مَزهوًّا، على الرغم من الشيب وخطوط السنين على وجهه. كثيرًا ما طلب منّا أن نُزيل العبوس عن وجوهنا، فعل ذلك أحيانًا بخجلٍ واضح، يعرف هو سبب خجله، ونعرف نحن أيضًا. همسَ في أذن أحد الأصدقاء: “فلنسرق لحظة الفرح رُغمًا عنهم!”. كان والده كمن نبتَ له جناحان لكي يطير من الفرح، لكن الناس، كما أخبرنا شاعرٌ: “طيرٌ لا تطير”. تخلَّى عمه عن وقاره الأكاديمي، وشارك الجميع بالرقص على الحلبة، باستحياء، وبعد تردُّدٍ، استجاب لدعوة أخيه إلى الحلبة ثم أمسك بيده سبحةً، لا أعرف من أين أحضرها، وأخذ يقود الجمعَ إلى نارٍ أشعلتها الموسيقى والحزن المزمن الذي يحاول الهرب.

وككلِّ عرسٍ، كان هنالك شخصٌ، تعرفه قلّةٌ من الحضور، استنفد طاقته بالرقص، لم ينظر إلى أحدٍ، ولم يبحث عن نظرات إعجاب الجميلات، كان يرقص وحسب، بدا وكأنه خُلق للرقص، هل يُشفي روحه بالرقص يا ترى؟ كان كما راعي كازانتزاكيس، ربما يكون قد قرأ الرواية وأراد تقمُّصَ شخصية الراعي، لا شخصية زوربا العجوز. في البدء لم يسترعِ انتباه أحدٍ من الحاضرين، حين كان جالسًا هناك. كان في ركنٍ منسيٍّ من القاعة، لا يساعده التأنق المفقود على لفت الانتباه، ولا فتنةُ شقراءٍ تتأبط ذراعه. دخل وحيدًا ومُسرعًا وجلس على أقرب كرسيٍّ تيسَّر له. تمامًا مثل راعي القرية التي يقطنها زوربا، لا يسترعي وجوده انتباهَ أحدٍ من أبناء قريته في الأيام العادية، وهم قَلَّما يرونه فيها أيضًا، ما عدا أيام الأعياد، وخصوصًا عيد القرية الكبير، حيث يأتي إلى الحفل، لا لشيء، إنما للرقص وحسْب. كان يؤدي رقصاتٍ يعجز عنها الآخرون، فيسلب لبّ نساء القرية. أثناء إحدى الرقصات قال الراعي لواحد من الذين يشاركونه الرقص: “ارقص! ارقص! حتى يفنى الفناء”.

هذا ما فعله الشابُّ المُنزوي، حين بدأت النيران على الحلبة تدعوه إلى جحيمها. كان وجهه يمتقع، بين الفينة والأخرى، وهو جالسٌ يراقب خطوات الراقصين، تمامًا مثلما يمتقع وجه أحد المشجعين الرياضيين الذي يخذله فريقه. تردَّد قليلًا في الصعود، ثم قام كمن دفعته قوةٌ خفيةٌ كانت تتجمَّع في داخله، ربما قام ليصلح الرقص. بدأ يتهادى برقصه، ثم صار الحماس يدبُّ في جسده، لينتقل إلى آخرين كانوا مترددين بالمشاركة في الرقص. نسي الجميع العروسين والمغني والطعام وصار هو مايسترو القاعة. لا بد أنه فتَّتَ قلوب الفتيات، لأنه لم يكترث لنظرات الإعجاب التي صوبنها عليه. لم يأبه لثيابه التي جعلها التعرق تبدو كما لو أنها تلقت وابلًا من المطر. ثم صار يتقافز في الهواء مثل راعي كازانتزاكيس، هنا ظهر وكأنه تقمَّص شخصية الراعي، ربما كانت تلك طريقته بالتمرد على ما يُثقل رأسه وجسده، شيء ما يتسلَّط عليه، ويصعب أن يرضخ له بسهولة، أو ربما هو -أيضًا- كان مثل ذلك الراعي، يريد أن (يُفنيَ الفناء).

ثم عاد إلى زاويته في الظِّل، وعاد وجهُه للامتقاع؟ ما الذي حصل له؟ لماذا عاد إلى الانزواء بعدما نال كل تلك الإطراءات ونظرات الإعجاب؟ ولماذا عاد الوُجوم إلى وجهه؟ أطرقَ، وبدا وكأنه ندمَ على فعلته. يعجز أحدنا عن التفسير، أو ربما جميعنا يعرف: من المؤكد أنها الحرب.. لا بد أنها الحرب.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق