خيارات المعارضة السورية السياسية والعسكرية بعد درعا

شهد الجنوب السوري، خلال الأسبوعين الماضيين، حملة عسكرية واسعة شنها نظام الأسد والميليشيات الموالية له، بدعمٍ من الطيران الروسي، تسببت في مقتل مئات المدنيين، وتهجير عشرات الآلاف من قراهم وبلداتهم، في ريف درعا الشرقي.

الحملة التي دعمتها روسيا فرضت تسوية مع فصائل المنطقة، تمثلت بعقد “اتفاق مصالحة” مع النظام، بإشراف القوات الروسية، يقضي بتسليم قوات المعارضة السلاح الثقيل، وإعادة تفعيل مؤسسات النظام في المنطقة؛ ما اعتُبر نكسة جديدة للمعارضة السورية، على الصعيد العسكري.

تزامن هذا التصعيد في درعا مع عجز سياسي في مؤسسات المعارضة السورية، التي اكتفت بإصدار بيانات الإدانة والاستنكار، دون أي تحرك جدي -على المستوى العربي والدولي- لإيقاف هذه المعركة، في ظل تخاذل المجتمع الدولي عن فعل أي شيء، ويبقى السؤال حاضرًا: ماذا بقي من أوراق في يدِ المعارضة السورية، سياسيًا وعسكريًا، للضغط على النظام خلال العمليات التفاوضية مستقبلًا؟

على المستوى العسكري، يرى سعد الشارع، الباحث في (مركز الشرق للسياسات)، في حديث إلى (جيرون)، أن “خسارة المعارضة لأجزاء كبيرة من الجنوب السوري تعني انحسار سيطرة المعارضة السورية، وحصرها فقط في الشمال السوري: إدلب وريف حلب الشمالي وعفرين. وهذه المناطق خاضعة للنفوذ التركي بشكل كامل، سواء أكانت ضمن اتفاقية خفض التصعيد أم ضمن التدخل التركي في العمق السوري، والمعارضة في هذه المنطقة لن تستطيع فتح أي جبهة عسكرية؛ ذلك أن الفاعلية العسكرية في الشمال بدأت تنخفض تدريجيًا، بسبب الاقتتال الداخلي بين الفصائل، حيث أمست المنطقة منطقة استعصاء عسكري كامل”.

أضاف الشارع: “خيارات فصائل المعارضة العسكرية مرهونة حاليًا بالقرار التركي، ومتى ما تمكنت الفصائل من التفاهم الكامل مع الأتراك؛ يمكن تشكيل جيش وطني، ويمكن لنقاط المراقبة التركية أن تمنع اندلاع معركة كبيرة. تركيا بصدد تنظيم المنطقة وضبط السلاح والفوضى الأمنية، لخلق حوكمة لمنطقة شمال حلب وعفرين”.

حملة النظام الأخيرة على درعا، التي أدت إلى تهجير عشرات آلاف المدنيين إلى ريف درعا الغربي والقنيطرة، لم تكن الأولى، فقد شهد نيسان/ أبريل الماضي حملة مماثلة على الغوطة الشرقية، تسببت في تهجير عشرات آلاف المدنيين والمقاتلين إلى الشمال السوري، ثم تمت صفقة لتهجير أحياء الجنوب الدمشقي وريف حمص الشمالي، إلى إدلب أيضًا.

عن أسباب خسارة المعارضة العسكرية معارك الجنوب وقبلها الغوطة، أكد بسام القوتلي، رئيس (مجموعة العمل من أجل سورية-أحرار)، في حديث إلى (جيرون)، أن “المعارضة السورية مُنيت بخسائر كثيرة على الأرض؛ بسبب عدم تنظيمها وبسبب وجود معارضات أخرى لا تؤمن بمبادئ الثورة السورية على الساحة، هذه الخسائر يمكن أن تكون فرصة مناسبة لإعادة تنظيم الصفوف في عمل منضبط، يشرك الشباب الثوري، ويفرز المعارضات الأخرى التي تحمل أجندات مختلفة عن أجندات الثورة”.

بالتزامن مع الحملة التي شنها النظام على درعا، قدّمت هيئة التفاوض السورية للمبعوث الدولي أسماءَ ممثليها في “اللجنة الدستورية”، التي تباشر مناقشة تعديل الدستور أو وضع تصور للدستور المستقبلي لسورية، في ظل ضغط روسي على الهيئة للمشاركة والقبول بأعضاء من مختلف المنصات المحسوبة على عدة دول.

المعارضة السياسية بدأت تظهر بوضع أكثر تأزمًا، بسبب ابتعادها عن الحاضنة الشعبية، وارتهان قرارها السياسي بعدد من الدول الإقليمية والدولية، ويرى سعد الشارع أن “تأزم الوضع سياسيًا ناتج عن عدم قدرة المعارضة السياسية، على تقديم أي مشروع سياسي حقيقي مقنع للدول الصديقة. شاهدنا منصات ومعارضة منقسمة على ذاتها، واختراقات ضمن صفوفها، وأجبرت بطريقة غير مبررة على تقديم لوائح للمشاركة في اللجنة الدستورية”.

أضاف الشارع: “حتى إنّ الدول الداعمة بدأت التخلي عن المعارضة، وخاصة أن الخلاف الخليجي انعكس سلبًا على وضع المعارضة السورية، كما أن اكتفاء تركيا بالشمال وما يحمله من تحديات أيضًا انعكس سلبًا، لذلك فإن الانقسام هو عنوان المعارضة، والأمور تسير نحو الأصعب”.

لكن بسام القوتلي يرى أن “الوزن والتأثير في العمل التفاوضي لا يمكن أن يأتي إلا من وزن وتأثير على المستوى الشعبي السوري، وهذا ما تفتقده المعارضة السورية الحالية، لذلك لا بد من تقدم تيارات وقوى تمثل شباب الثورة السورية، وتستطيع أن تطرح نموذجًا جديدًا يستطيع كسب تأييد الشارع.. الهزيمة دائمًا تخفي فرصًا جديدة، لذلك علينا أن نستغلها لتجديد طرق عملنا”.

يتابع المدنيون في إدلب الأخبارَ عن نية النظام شنّ حملة عسكرية واسعة تشابه حملة الجنوب، في ظل صراع فصائلي قاتل وفوضى أمنية في محافظة إدلب، وسط دعوات لرفع الجاهزية وعدم الرضوخ لإملاءات الداعمين؛ والتصدي لحملة النظام وعدم تكرار تجربة الغوطة ودرعا.

للخروج من هذه الأزمة التي تعيشها المعارضة السورية، قال القوتلي: “يجب أن يفكر السوريون جديًا في إنهاء حالة التشرذم، وتوحيد القوى الديمقراطية المدنية، والتنسيق مع القوى العسكرية الوطنية. الأهم في هذه اللحظة هو توحيد المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، وخلق نموذج ناجح فيها، يفرز قيادات جديدة تكون قادرة على التفاوض مع النظام، من منطلق قوة أخلاقية، سياسية، وعسكرية”.