مقالات الرأي

الشاعر والحصان

على الرغم من خلوّ الحياة العربية في العصر الحالي من الخيول العربية الأصيلة، ومن خيول الجرّ أيضًا، فإننا لا نكاد نقرأ قصيدة عربية إلا فيها تشبيه أو أكثر لوسائط نقلنا، بالخيول الجامحة، أو الحارنة، أو المطواعة، أو تلك “الكريمة”، حتى ليظن القارئ أننا نعيش في فيلم سينمائي عن “الخيول” وصفاتها.

قبل سنوات، كنت في سيارة مع شاعر عراقي، يعيش في مونتريال منذ عقود، وعندما وصلنا إلى الطريق السريع، دخله بسرعة، فقلت له محتجًا: ما لك يا أخي! كان عليك التمهل قليلًا، للتأكد من سلامة الدخول إلى الطريق السريع، فقال: اسمع يا صديقي، السيارة “كالفرس” وهي في السباق، لا يجب أن توقف اندفاعها، وإلا فستخسر السباق، ثم تابع شارحًا صفات الخيل الجيدة وضرورة الانسجام بين الفرس والفارس.

كان سؤال التأقلم يقلقني دائمًا، ففي كل المجتمعات يوجد أفراد غير قادرين على التأقلم مع وسطهم، بأعداد ونسب تتفاوت حسب المجتمعات، ولكن العدد الكبير في مجتمعنا العربي يلفت الانتباه، ولا سيّما في الأوساط “المثقفة” التي يجب أن تكون قادرة، أكثر من غيرها، على ردم الهوة بين حاضرها وثقافتها الماضية. ولكن الذي يحدث هو العكس، فعلى الرغم من اختفاء الكثير من عناصر الحياة الماضية، ما زال الأديب أو المفكر، وخاصة الشاعر، يذهب في خياله إلى مخزونه من الماضي، يغوص فيه باحثًا عن الصور والاستعارات والتشبيهات، كي يستحضرها و”يدحشها” في قصيدته، سواء كانت “عمودية” أو من “الشعر الحديث”، متناسيًا أن استعاراته تلك لم يعد لها معادل موضوعي في الحياة الواقعية.

في حوارٍ بيني وبين شاب سوري في إسطنبول، وكان من الذين التحقوا بصفوف الثورة في سنتها الأولى، ويمتلك حظًا وافرًا من الثقافة والتعليم الجامعي، قال إنه من مؤيدي القصيدة “العمودية”، وإن الشعر “الحديث” ما هو إلا “علاك مصدي”، بل يستغرب كيف أن بعض المثقفين يحبون قصيدة الشعر الحديث وقصيدة النثر. لست بصدد كتابة مقالة في النقد الأدبي، وإنما تسليط الضوء على بعض مظاهر السلوك البشري المتناقض، ففي الوقت الذي يؤمن فيه هذا الشاب بالثورة، ويسخر من الفهم “المنغلق” لـ (داعش) و(جبهة النصرة) وغيرهما، للدين، نراه ملتصقًا بالقديم الأدبي، ومدافعًا عن الشعر العمودي، ورافضًا للجانب الحديث من الأدب، وهو بذلك يتقاطع مع فهم وممارسات (داعش)، و(النصرة)، وفكر الأقليات المتقوقعة على نفسها، وفكر العشائر والطوائف، حتى لو كان لا يقصد ذلك.

لست ضد قراءة الأدب والاستمتاع بجمالياته، ولكنني ضد اعتباره النموذج المثالي للأدب، ما يوحي بأن الإنسان العربي المعاصر عاجزٌ عن التقدم واختراع الأساليب الأدبية التي تنسجم مع العصر، وفكر الأقليات المتقوقعة على نفسها.

إن هذا الفهم للأدب ينعكس في ممارستنا للسياسة أيضًا، فالشاعر الأكثر “حداثية” في الأدب العربي المعاصر “أدونيس” وقف مع نظام الاستبداد ضد ثورة الشعب السوري، وليس صحيحًا لأنه -كما اتهم- طائفي، فقط، بل لأن فهمه العام بقي أسير ثقافة ماضيه الديني، مثله مثل بعض المثقفين الذين وقفوا مع الثورة لفظًا، ولكنهم بقوا أسرى ثقافتهم التقليدية، ودافعوا عن “الفصائل الجهادية”.

إن الإنسان الذي لا يستطيع رؤية السيارة إلا كفرس، والقطار إلا كقافلة، هو الإنسان نفسه الذي لا يستطيع أن يرى في المرأة إلا “مفرخة” أولاد، أو أداة متعة جنسية، أو خادمة.

وفي السياسة، سيتكرر موقفه من الزعيم، ويراه كزعيم عشيرة أو كشيخ، أو رئيس طائفة. وسيصفق له عندما يعلن أن “الديمقراطية” هي “منتج غربي” تحت قدميه، أو أنها غير مناسبة لمجتمعنا، أو أنه وكيل الله على الأرض، فكل واحد من هؤلاء هو في موقع “أفضل” بيت شعر كتبته “العرب”. أو “أغزل” بيت عشق.

وهكذا يصبح الحاكم العادل، ليس هو من ينتخبه الناس، ويحكم بالقانون ويكون خاضعًا له، وإنما هو صاحب السلطة والسيف، الذي يدّعي الدفاع عن المستضعفين، في الوقت الذي يقمعهم فيه، ويحولهم إلى عبيد في مزرعته.

مقالات ذات صلة

إغلاق