أدب وفنون

القوائم الذهبية والسوداء

الموسيقى والرواية

قبل أن ينعطف نحو الرواية، بدأ ميلان كونديرا حياته موسيقيًا، لا عازفًا على البيانو فحسب، بل مؤلفًا موسيقيًا أيضًا، وذلك تحت تأثير والده الموسيقي لودوفيغ كونديرا، أو، الأصح، بسبب إعجابه العميق به. وعلى الرغم من أنه تخلى عن مساره الموسيقي مبكرًا، وانصرف كليًا إلى الكتابة الروائية، فإن الموسيقى التي تَمثلها شابًا، بنية وإيقاعًا وأزمنة، بقيت حاضرة كل الحضور في نسيج بناء رواياته التي يمكن القول إنها عنصر مقوم، وربما حاسم، في فرادة وخصوصية رواياته، بالمقارنة مع المُبدعات الروائية الأوروبية الأخرى التي تلت، في القرن العشرين، الرواية البروستية الكبرى (البحث عن الزمن المفقود). ولعلنا نحظى، ذات يوم، بناقد أدبي يملك، في آنٍ معًا، أدوات التحليل الموسيقي والروائي، كي يقدم قراءة موسيقية لروايات كونديرا، لا سيما أنه سيجد في كتابات كونديرا نفسه عن فن الرواية، مدخلًا إلى مثل هذه القراءة ودليلًا.

وحين تقترن السخرية، بوصفها هي الأخرى عنصرًا مقومًا في الرواية الغربية، بالموسيقى لدى أحد كبار معلميها المعاصرين ميلان كونديرا، تصير الرواية رؤية تخترق الحجب أيًا كانت. نلقاها في رواياته الأساس، مثلما نلقاها أيضًا في قراءاته لروايات أسلافه، بدءًا من رابليه، وليس انتهاء بكارلوس فوينتس. ذلك أن هذه القراءات التي ضمتها كتبه الأربعة عن الرواية: (فن الرواية، الوصايا المغدورة، الستار، لقاء) -وقد كنت شديد السعادة أنني ترجمت الثلاثة الأولى منها- أتاحت له أن يبين كيف كان “حلم الميراث الكامل”، كما يسميه في حديثه، يتحقق على أيدي بعض الروائيين، مثل فرانتز كافكا أو هيرمان بروخ أو كارلوس فوينتس؛ وعلى أيدي بعض الموسيقيين مثل بيتهوفن. لكنه يجد أيضًا، لا غياب “حلم الميراث الكامل” لدى البعض، ولا سيما في الموسيقا، بل “رفض كامل للميراث”، كما رآه لدى الموسيقي اليوناني يانيس كزيناكيس.

حلم الميراث الكامل في الإبداع الروائي أو الفني: تمثل ثم استعادة كل ما حققه المعلمون الأوائل، وإعادة صوغه استجابة لهموم وتساؤلات الحاضر.

القوائم السوداء

وجد كونديرا نفسه ذات يوم، وهو يستقبل في مدينته الأولى، براغ، أصدقاء فرنسيين، مضطرًا إلى تغذية حديث مع سيدة منهم، كانت إلى جانبه في السيارة. سألها عن أكثر مؤلف موسيقي فرنسي تحبه؟ جاء جوابها فوريًا وعفويًا وقويًا: “ليس سان سانس على الأخص”. فاته أن يسألها إن كانت سمعت شيئًا من أعماله. لكنه كان على يقين من أنها ستجيبه بنبرة الاستنكار ذاتها: لا شيء خصوصًا! ذلك أن استنكارها، كما بدا له، لم يكن نفورًا من موسيقاه، بل لسبب أخطر: ألا ترتبط ذائقتها باسمٍ مسجل على قائمة سوداء.

كانت القوائم السوداء، كما يروي كونديرا في كتابه (لقاء)، غواية الطلائع الأدبية والفنية قبل الحرب العالمية الأولى. وقد اكتشف بالصدفة وجودها، حين كان في الخامسة والثلاثين من عمره، يترجم إلى لغته الأم شعر الشاعر الفرنسي غيّوم أبولينير. فقد عثرَ على بيان وجيز كتبه أبولينير عام 1913، كان يوزع فيه “الورود” أو “القذارات” على الكتاب والشعراء والفنانين والموسيقيين. وضع على قائمة الحائزين على “القذارة” دانتي وشكسبير وتولستوي وإدغار آلان بو وويتمان وبودلير! أما على قائمة الحائزين على “الوردة”، فقد وضع اسمه هو، أبولينير، وبيكاسو، وسترافنسكي. ما فتن كونديرا، كان إهداء أبولينير وردة إلى أبولينير!

القوائم الذهبية

يسأل شاب فرنسي من دون مقدمات كونديرا ذات يوم: هل تحب بارت؟ أدرك كونديرا أن المقصود هو الفيلسوف والناقد الأدبي الفرنسي رولان بارت، وأن هذا الأخير يوجد على رؤوس القوائم الذهبية. لكن كونديرا أجاب الشاب: بالطبع أحبه. وكيف لا أحبه! أظنك تتحدث عن كارل بارت! مخترع اللاهوت السلبي! إنه عبقري! لا يمكن تصور مُبدع كافكا من دونه! لم يكن الشاب قد سمع من قبل باسم كارل بارت، ولكن، بما أن كونديرا ربط اسم الأخير بكافكا، وهو فوق كل نقد، لم يجد لديه ما يقوله أو يجيب به!

الانتقال بين القوائم

في يوم آخر، لم يكن كونديرا هو من طرح السؤال. بل طرحه عليه أحدهم: من هو أفضل المؤلفين الموسيقيين الفرنسيين في نظره؟ وبدلًا من أن يجيب: ليس سان سانس خصوصًا!، استعاد واحدة من ذكرياته عن أبيه، حين عاد من فرنسا، في العشرينيات من القرن الماضي، حاملًا معه قطعًا للبيانو، من تأليف موسيقي حديث يدعى داريوس ميلو، وقام أبوه بعزفها كموسيقى حديثة أمام جمهور متناثر. ألقى إلى محدثه بهذا الاسم، لكن الأصدقاء الحاضرين الذين أصغوا إليه بلطف، لم يتوانوا عن إفهامه، بلطف مماثل، أن من يعتبره موسيقيًا حديثًا، كفوا منذ زمن بعيد -هم وسواهم- عن أن يعتبروه كذلك! هكذا انتقل داريوس ميلو من قائمة موسيقيي الحداثة إلى قائمة أخرى، ربما تكون القائمة السوداء أو قائمة المنسيين! ذلك أن الانتقال من قائمة إلى أخرى يحدث على مرِّ السنين بلا توقف. لم يكن أبولينير، الذي وضع سترافينسكي في قائمة الحائزين منه على وردة، يعلم أو يتوقع أن تيودور أدورنو سوف يضع سترافينسكي نفسه في قائمة الحائزين على القذارة، مانحًا الوردة إلى مؤلف موسيقي آخر: شوينبرغ!

أناتول فرانس روائيًا

حين ذكر ميلان كونديرا اسم أناتول فرانس أمام الفيلسوف والكاتب الروماني الذي صار فرنسيًا، سيوران، همس هذا الأخير في أذنه، وهو يضحك بخبث: “لا تتلفظ أبدًا باسمه بصوت عال؛ إذ سيسخر منك كل الناس!”.

حين توفي أناتول فرانس، كان طول موكب جنازته يقاس بعدة آلاف من الأمتار. ولكن، بعد أيام عدّة من ذلك، ألقى بول فاليري الذي احتلَّ كرسيِّه في الأكاديمية الفرنسية، خطاب الثناء الرسمي والتقليدي على سلفه الفقيد، وهو الخطاب الذي صار من بعد أسطوريًا، نجح فيه أن يتحدث عن سلفه في الأكاديمية، من دون أن يذكر اسمه مرة واحدة!

لكن ميلان كونديرا معجب بأناتول فرنس، أو لنقل، بالأحرى، إنه معجب بأناتول فرانس الذي قرأ له خصوصًا روايتين، إحداهما رواية (الآلهة عطشى).

قرأ كونديرا هذه الرواية، حين كان في التاسعة عشر من عمره، وكان له -آنئذ- صديق يكبره بخمس سنوات، كان شيوعيًا، مثله. أسرَّ له هذا الصديق أنه ينوي نشر نسخة جديدة من لعبة الورق، لكنه سيستبدل فيها صور الستاخانوفيين والأنصار ولينين، بصور السيدات الملوك والخدم. كان كونديرا على ثقة من أن صديقه لم يكن قد قرأ رواية أناتول فرانس المشار إليها. ولمزيد من اليقين طرح عليه السؤال، فجاء جواب صديقه مؤكدًا له ظنه. ذلك أن بطل “الآلهة عطشى”، غاملان، الرسام، فكر هو الآخر بابتكار ونشر نسخة جديدة من لعبة أوراق يضع فيها مكان صور الملوك والملكات والخدم، صور الحرية والإخاء والمساواة!

ذهل كونديرا وهو يفكر: كما لو أن التاريخ سلسلة من التنويعات! ربما كان غاملان أول نموذج شخصية “الفنان الملتزم”. ذلك أنه في بداية شبابه شيوعيًا، كان كلُّ من يراهم حوله على مثال غاملان، سوى أن ما استوقفه في الرواية ليس قيام غاملان بالوشاية على الناس من حوله، بل ما أطلق عليه كونديرا “سرّ غاملان”.

إذ كان يمكن لهذا الرجل الذي انتهى إلى إرسال عشرات من الأشخاص إلى المقصلة، أن يكون في حقبة أخرى جارًا لطيفًا، أو زميلًا طيبًا، أو فنانًا موهوبًا! والسؤال الملحُّ هنا: كيف يمكن لرجل شريف، بلا شك، أن يخفي في أعماقه وحشًا؟ هل سيكون الوحش في أزمنة هادئة سياسيًا حاضرًا فيه؟ ألا يمكن أن نحزره؟ أم هل يمكن رؤيته؟

رواية أناتول فرانس (الآلهة عطشى) رواية فرنسية. ومن كان يقرؤها في التاسعة عشر من عمره، كان كونديرا التشيكي؛ ومن يستعيدها كان أيضًا كونديرا، بعد عقود عدة من السنين: “نحن الذين عرفنا أمثال غاملان المرعبين، هل نحن قادرون على أن نلمح الوحش النائم في أمثال غاملان اللطفاء الذين يحيطون بنا الآن؟”

وأراني أقول لكونديرا: ها هم السوريون، يعيشون التجربة نفسها، بعد استيقاظ الوحوش النائمة في أعماق الألوف من اللطفاء الذين كانوا يتقاسمون معهم خبز يومهم..

في البلد الذي كان فيه الناس يتخلصون من الأوهام الأيديولوجية، كفَّ سر غاملان عن إثارة اهتمامهم. القذر يبقى قذرًا، فأين السر؟؟ هكذا يكسِفُ اليقينُ السياسي اللغزَ الوجودي؛ فاليقينيات لا تهتم بالألغاز. يخلص كونديرا إلى أنه “رغم ثراء تجارب الناس المعيشة، فإنهم يخرجون من المحن التاريخية أغبياء مثلما دخلوها”.

لم تكن إدانة أناتول فرنس طوال قرن كامل إلا من قبل الشعراء، وقبل أن ينعطف بعضهم نحو الرواية. لكنهم برروا إدانتهم، جميعًا، للصفة التي أضفوها عليه: ساخر. وكانوا على حق في ذلك؛ فالسخرية هي العنصر المقوم الأساس في الرواية الغربية منذ بدايتها: رابليه..

ذلك أن السخرية في الرواية هي الأداة التي تجعل من بصرنا بصيرة تخترق الأشياء والمكان والزمان؛ هي التي تجعل من رواية كتبت في عام 1912، في قارة أخرى وفي لغة أخرى، تبدو كما لو أنها كتبت اليوم بلغات الأرض كلها.

كان مجرد ذكر اسم أناتول فرانس، مع ذلك، يثير في نظر البعض سخرية الآخرين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق