نتنياهو يشرب نخب الأسد في الكرملين

هي الزيارة الثالثة لرئيس الوزراء الإسرائيلي إلى موسكو في غضون ستة أشهر، وهي التاسعة على مدار ثلاثة أعوام، عكست من خلالها العلاقة الوطيدة بين موسكو وتل أبيب. وتُظهر أهمية الزيارة اليوم الجهود الجبارة التي بذلتها موسكو، لنقل التطمينات للجانب الإسرائيلي، عن استمرار مصالحها في سورية ممثلة ببقاء نظام بشار الأسد. عمل “شاقّ” بذلته موسكو لتحقيق هذا الهدف، من خلال تنسيق متنامٍ للأفعال والأهداف، ولا يخفى على أحد، لا في موسكو ولا في تل أبيب، أن الأفعال الروسية والإسرائيلية أدت إلى تحقيق أهداف مشتركة بين الجانبين، جوهرها منع التحول الديمقرطي في سورية، وتمكين الأسد من إعادة السيطرة على الأرض خدمة لأهداف موسكو وتل أبيب.

عشية زيارة نتنياهو لموسكو، تُنفّذ “إسرائيل” غارتها على مطار (تي فور) العسكري، أيضًا للمرة الثالثة، بحيث باتت الاعتداءات شبه اعتيادية في أكثر من منطقة سورية، منها ما هو معلوم، ومنها ما هو مكتوم حفاظًا على سرية وقوة الضربات التي يوجهها الاحتلال لمواقع النظام وحلفائه الإيرانيين وميليشيا “حزب الله” في سورية.

يقول نتنياهو عن زيارته الجديدة إنها “تكتسب أهمية بالغة لمواصلة التنسيق مع بوتين، في ما يتعلق بالوضع في سورية، وسأنقل له أهمية أن يُحافظ الأسد على اتفاق فصل القوات 1974 بحذافيره، العلاقة مع موسكو أو الولايات المتحدة أي مع القوتين العظميين تحظى دائمًا بأهمية كبيرة لأمن إسرائيل، وخاصة في الفترة الراهنة”.

الأهمية التي يعوّل عليها نتنياهو في موسكو تظهر على الأرض، من خلال تمكين موسكو للأسد من الوصول إلى الحدود مع فلسطين المحتلة وهضبة الجولان السوري المحتل، بمعنى أن بواعث القلق الإسرائيلي من تدهور وضع الحارس في المنطقة الشمالية التي سادت خلال الأعوام السبع الماضية، انجلت في الأسابيع الماضية، لتبقى التطمينات التي يبحث عنها نتنياهو في موسكو مجرد تفاصيل على هامش الموضوع الأساس. بقاء الحارس في دمشق وتمكينه هو الجوهر، والتفاصيل حول قواعد إيران وميليشياتها في طريقها إلى الحل، حسب تعهدات بوتين لنتنياهو الذي لن يقبل ببقاء هذه القوات في منطقة الحدود.

تنظر “إسرائيل” إلى عمليات موسكو العسكرية مع النظام، في درعا والجنوب السوري، بعين الرضا والسرور، وهي توافق أن تعمل ميليشيات إيران لتمكين الأسد من العودة، ليحرس الأمن في الجنوب، وتريد ضمان أن لا تطول إقامة تلك الميليشيات في الجنوب. وعلى العموم، يدرك الطرفان الإسرائيلي والروسي أن وجود إيران وميليشياتها في سورية يخدم في نهاية المطاف المصلحة الإسرائيلية، لكنها لا تريد لهذه الميليشيات وظيفة غير تلك المحصورة بقتل السوريين وتدمير بلادهم ومنع تمكينهم من امتلاك حرية ترعب الجميع.

إذا كان من “بهجة” بادية للنظام في دمشق أو حليفه في موسكو، على “بشائر الانتصار” والسيطرة؛ فإن أجواء السعادة والاحتفاء العظيم ستكون في الكرملين، بين نتنياهو وبوتين، على “النصر” المحقق بتمكين حارس أحلامهم في دمشق من حراستها مجددًا، المهم -كما يقول عاموس هرئيل في (هآرتس) العبرية، تعقيبًا على سيطرة الأسد على درعا- “أن القاتل المهين في دمشق يبحث عن الاستقرار لنظامه، لتأمين الحدود لنا”.

لا شيء أبهج لنتنياهو مما اقترفه الأسد وحلفاؤه، لم يتركوا لـ “إسرائيل” سوى بعض القواعد العسكرية لتتصيدها أو تلمع فيها الحارس، لم يكن بمقدورها تدمير وتهجير ملايين السوريين بالطريقة التي قدم فيها الأسد عربون الوفاء للوظيفة، لم يكن بمقدور الاحتلال أن يفتك بأجساد عشرات آلاف السوريين داخل معتقلات فاشية، ولم يكن بمقدور المحتلّ أن ينال من ثلاثة أرباع مدن سورية وأريافها إلا بمساندة الخفير في دمشق. تحقق كل ذلك دون عناء كبير من المحتل، بدعم موسكو، فأي المباهج أعلى: تلك البادية في إعلام الأسد أم تلك المدويّة في تل أبيب عن الأسد الخفير!

في الكرملين، يشرب نتنياهو وبوتين نخب الحارس في دمشق، وبقية التفاصيل متفق عليها، من الميليشيات الإيرانية إلى المسافات الواجب الوقوف عندها، المهم أن الكؤوس ترتفع والعيون تلمع والنفوس يغمرها حبور طافح بتهنئة متبادلة بإقامة الأسد الخفير مجددًا على الحدود.