مقالات الرأي

الشعب لا يريد إسقاط النظام

لا يمكن وصف ما حدث مؤخرًا ومن قبلُ، من اتفاقات لتسليم المناطق، بأنه خيانة. هكذا بسهولة؛ لأن الأمر سيحمّلنا تبعات الشك في كل ما قد يحدث لاحقًا، وسيوقعنا في مأزق عدم الثقة بأي شيء، وهذا بحد ذاته قد يُشكّل ضربة موجعة لأي عمل ثوري مستقبلي، طالما أن الفصل الأخير من الثورة لمّا يكتب بعد، وبمقدار ما بدت الاتفاقية التي وقعتها بعض الفصائل العاملة في الجنوب السوري مع قوات الاحتلال الروسي، وأفضت إلى إعادة تلك المنطقة العصية إلى نظام دمشق، اتفاقيةَ خذلان للثورة، فإن علينا ألا ننسى أن الأمر برمته لم يبدأ عند تلك الاتفاقية، وأنه بدأ باكرًا جدًا، وتحديدًا حين استقوت تلك الفصائل ذات الطابع الإسلاموي، على القوى الثورية الحقيقية، وجردتها من عوامل قوتها، وتحولت لاحقًا إلى قوة وحيدة على الأرض، سواء في غوطة دمشق أم في درعا أم في سواها من المناطق، وهي أي تلك الفصائل الإسلاموية، لا تملك أي انتماء إلى الثورة، بل إنها على النقيض تمامًا من فكرة الثورة، وقد تحايلت في كثير من الأحيان لتظهر أمام الرأي العام، وأمام بعض الدول والمنظمات المانحة، وهي تحمل علم الثورة وتلوح به، لكنها بالمقابل فرضت على الأهالي واقعًا مستبدًا، وقد تسببت في موجات نزوح وهجرة، لا تختلف عن تلك التي تسببت فيها قوات نظام دمشق، وامتلأت معتقلاتها “السرية” بمعارضي سلطتها من الثوار، وكان مجرد توقع أن تقوم تلك الفصائل بمقاومة قوات الاحتلال، وهي تتقدم باتجاه محافظة درعا، ضربًا من السذاجة، وسوء قراءة لواقع سوري يمتدّ على مدى سبع سنوات، ومرة أخرى نحن لا نتحدث عن فعل خيانة، لكننا نتحدث عن فعل كان يجب أن يكون متوقعًا، فالخيانة، كما توصف أدبيًا، تأتي ممن لا تتوقع أن يقوم بخيانتك.

يتحدث بعض الناشطين من أبناء محافظة درعا، وقد تحدث قبلهم ناشطون من أبناء الغوطة، عن قادة تلك الفصائل، ويرسمون صورة واضحة لهم، فهم بحسب تدوينة لواحدة من ناشطات غوطة دمشق: “عبارة عن قادة فروع أمنية، محاطين بمرافقين، ولديهم معتقلات، وهم مستعدون لتصفية أي شخص ما بين غمضة عين وانتباهتها”. ويتطابق الأمر مع ما كتبه أحد أبناء محافظة درعا: “قائد الفصيل كان أقرب إلى رئيس دولة، يمر مخفورًا بعشرات المرافقين، وكي تتحدث معه يجب أن تمر بوسطاء، وقد تضطر في كثير من الأحيان إلى دفع مبلغ مالي كبير، كي يلبي ذلك القائد طلبك بإطلاق سراح ابن لك معتقل في سجنه”. ونستطيع أن نخرج بسرديات لا تنتهي، من مختلف المناطق التي خضعت أو ما زالت خاضعة لسيطرة تلك الفصائل، وينبغي في كل مرة أن نذكّر أنفسنا أن تلك الفصائل لا علاقة لها بفكرة الثورة، وإن كانت قد أوجعت النظام في وقت من الأوقات؛ ففي الثورة تحديدًا لا تصح مقولة: “عدو عدوك صديقك”، وأظن أننا تعلمنا هذا الدرس جيدًا جدًا. وبالمناسبة: ما زال مصير كثير من أبرز ناشطي الثورة السورية الذين كانوا معتقلين في سجون الفصائل غامضًا حتى يومنا هذا، ولعل ذكر أسماء، مثل رزان زيتونة وسميرة الخليل وناظم حمادي ووائل حمادة، سيقودنا لزامًا إلى قائمة طويلة من الأسماء، وقد وجدت تلك الفصائل مئات وربما آلاف المبررين لأفعالها اللا أخلاقية، بذريعة أنه في الحرب كل شيء جائز، وأن أولئك الناشطين لا يمكن أن يكونوا أهم من الشهداء الذين سقطوا في طريق الانتصار للثورة، ولا ندري ما هي ردة فعلهم الآن، وقد سقطت أقنعة تلك الفصائل، وحلق بعض قادتها لحاهم الطويلة، وصاروا تجارًا في البلاد التي وصلوا إليها محملين بغنائم الثورة.

أي ثورة؟

هي نفسها تلك الثورة التي كانت تبحث في معادلة بناء دولة اللاظلم والعدالة، وهي نفسها الثورة التي أرادت القضاء على الاستبداد، والفساد، فأنتجت استبدادًا مضاعفًا، وتشظت فيها الديكتاتورية تشظيًا مخيفًا، فصار لدينا ديكتاتوريات إسلاموية، مستبدة، بعضها يستطيع الكذب حتى يومنا هذا، وهو يردد أنه ما خرج إلا لنصرة هذا الدين، وللقضاء على النظام “النصيري” الكافر، نعم هنا بدأت طامتنا الكبرى، فالنظام “النصيري” الكافر -حسب وصفهم- هو نفسه الذي قام بتربية عشرات قادة الفصائل في سجونه، وهو الذي أوفدهم في مهمات أمنية، ليتوغلوا في صفوف الكيانات الثورة، ويصبحوا قادة لها فيما بعد وهم يحملون مظلومية الاعتقال، وهي مظلومية أعتقد أن سوقها ما زال رائجًا حتى الآن، ويمكن متابعة عدد منهم في آخر ما تبقى من مناطق خارجة على سيطرة النظام، وهي مناطق يتوقع أن يكون مصيرها مشابهًا لمصير سابقاتها، وقد بدأ الأهالي يعدون العدة إما لهجرة أخرى، تنقلهم هذه المرة إلى مخيمات جديدة، وجغرافيا لا يعلمون أين ستكون هذه المرة، وقد ضاقت بهم البلاد، وإما لعودة إلى ما يسمى بـ “حضن الوطن”، أي إلى حُكمٍ تمردوا عليه، وخسروا الكثير في سبيل إسقاطه، ولعل هذه النافذة هي التي دخلت من خلالها تلك الفصائل والتيارات على خط الثورة وعاثت بها فسادًا، أقصد فكرة إسقاط النظام، فالشعب الذي هتف أنه يريد إسقاط النظام، كان يعتبر إسقاط النظام وسيلة لا غاية، لكن تلك التيارات الجهادية، وبعضها متطرف جدًا، أقنعت الناس أن الغاية هي إسقاط النظام، وهذه طامة أخرى كبرى، كان يجب الانتباه إليها باكرًا، فإسقاط النظام المستبد إن لم ينتج عنه نظام عادل، فلا فائدة منه على الإطلاق، أما إسقاطه والإتيان بأنظمة أشد استبدادًا وتخلفًا منه؛ فهذا شيء لم يكن في حسبان الثورة قط.

تقول حكمة قديمة: إن إعادة عقارب الساعة إلى الوراء لا يمكن أن تعيد الزمن. وهذا صحيح طبعًا، لكن الساعة ما زالت تعمل، والزمن السوري ما زال مليئًا بالكثير، لن يتوقف هنا، لا في درعا، ولا في أي مكان آخر، هو زمن سوري مثقل بالألم، لكنه يحمل أيضًا حلمًا لا يمكن التنازل عنه بسهولة، حلم الحرية والعدالة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق