مقالات الرأي

النظام السوري الطائفي والعلماني!

لطالما تركز هجوم أطراف من المعارضة السورية وخصوصًا جماعة الإخوان المسلمين على علمانية النظام السوري، إلى أن فجر الشعب السوري ثورته في بدايات عام 2011، والتي قابلها النظام بكل أنواع القمع والقتل والإجرام مستعينًا في البداية بفرق من الميليشيات المحلية الخارجة عن القانون والمعروفة بالشبيحة ذات الغالبية العلوية، ومن ثم عبر الاستعانة بالميليشيات الطائفية الشيعية الخارجية، ذات المرجعية الإيرانية، وأبرزها “حزب الله” اللبناني وغيره من الميليشيات العراقية والأفغانية، فضلًا عن المشاركة الإيرانية المباشرة عبر عناصر من الحرس الثوري، لنشهد في مرحلة ما بعد انطلاق الثورة تغير في خطاب المعارضة وفي توصيفها النظام من علماني إلى طائفي شيعي أو علوي الهوية، فهما وجهان لعملة واحدة وفقًا لتوصيف هذه الفئات من المعارضة.

لكن، وعلى الرغم من تغيير أطراف عديدة من المعارضة السورية توصيفها لطبيعة وبنية النظام الأسدي بين ليلة وضحاها، غير أنها لما تجد من داع لأي تفسير لهذا التحول المتناقض في توصيفه بين الأمس واليوم، أو بين ما قبل الثورة وما بعدها، فهل هو نتيجة تغير ملموس في طبيعة النظام، بمعنى أن النظام السوري كان في مرحلة ما قبل الثورة، نظامًا علمانيًا وتحوّل اليوم إلى نظام طائفي أقلوي، أم هو نتيجة خطأ المعارضة في توصيفه أساسًا. كما لم تتغير استراتيجية المعارضة في مجابهتها النظام، وفي عملية التحريض والاستقطاب الشعبي لإسقاطه كذلك، حيث حافظت المعارضة على ذات الخطاب الهزيل، الذي يدعي أحقية السنة في حكم سورية في المرحلة التي تلي حكم الأسد، والتي تُطالب في اعتبار الشريعة الإسلامية المرجعً الوحيد  قانونيًا ودستوريًا. وكأن خطاب المعارضة المشار لها؛ يخلص إلى أن طبيعة النظام  العلمانية أو الطائفية -لا فرق- هي السبب الرئيسي في فشل بناء الدولة المنشودة، دولة المواطنة والحريات والديمقراطيات ودولة الرخاء والتطور الاقتصادي والاجتماعي والعلمي.

بالتالي، بتنا اليوم أمام ظاهرة تعتمد على الاستسهال في توصيف النظام، وفي استنتاج مكامن الضعف والخلل المنعكسة في الدولة والمجتمع، وتهمل التدقيق في بنية النظام وممارسته التي تسير في مسار معاكس للخيار العلماني والطائفي إجمالًا، أي في مسار تعزيز المرجعيات ما قبل الوطنية، مثل المرجعيات العشائرية والقبلية والإثنية والعرقية والمناطقية، مما حال دون تكوين بنية اجتماعية متماسكة، لصالح تشكيل تحالف مافيوي يحوي ممثلين انتقائيين عن غالبية إن لم نقل جميع مكونات الشعب السوري، مما يُعبّر عن مصالح هذا التحالف الرجعي والمافيوي على حساب مصالح الفئات الشعبية المفقرة من جميع الألون والتشكيلات الاجتماعية، التي باتت تعيش في مرحلة ما قبل الثورة واحدة من أسوأ مراحلها، وعلى جميع الأصعدة المادية والخدمية والعلمية والطبية، نتيجة تعزيز سلطة ونفوذ هذه المرجعيات ما قبل الوطنية، عبر منحها الكثير من الصلاحيات والنفوذ في دوائر السلطة الإدارية والتقنية والتنفيذية، مما أجبر قاعدتها الشعبية المفترضة على الارتباط بها، في مقابل حصولها على أي من حقوقها بما فيها حق العمل والعلاج والتعليم، فغدت بنية الدولة في ظل حكم الأسد أقرب إلى كعكة تتقاسمها هذه المرجعيات لتوزعها لاحقًا على بيئتها الاجتماعية وفقًا لمبدأ الطاعة والإخلاص للنظام أولًا وللمرجعيات ما قبل الوطنية ثانيًا، مما أدى إلى تدمير القاعدة الرئيسية في بناء الدول الوطنية والحضارية، والقائمة على تساوي الشعب في الحقوق والواجبات وعدالة التنافس الوظيفي والعلمي والسياسي على قاعدة الكفاءة المهنية والعلمية.

وعليه، لا يصح اعتبار النظام طائفيًا استنادًا إلى تكوين البنية الأمنية والعسكرية فقط، لأنها إنعكاس وعي النظام الريفي الذي يثق بحاضنته الاجتماعية التقليدية، المستمدة من العائلة والقرية، كما لا يجوز اعتبار النظام علمانيًا، انطلاقًا من بعض الشعارات والأعراف الكاذبة مثل نسب مشاركة المرأة ونسب مشاركة مختلف الأقليات في دوائره التنفيذية والتشريعية، أو نتيجة نجاحه في كسب ود شخصيات ومرجعيات طائفية وإثنية وعرقية، بل يجب الانطلاق من جوهره الـ “كمبرادوري” الذي يقوم على نهب خيرات سورية ونهب المال العام؛ عبر مجموعة لامنتاهية من الوكالات التجارية والمالية والسياحية التي يعقدها؛ بشكل مباشر أو غير مباشر مع ممثلي الاقتصادات الكبرى. وهو السبب الحقيقي الذي حوّل سورية من دولة تنشد الرقي والتطور الاقتصادي والاجتماعي؛ إلى مجتمع مُسيّر ومستهلك فقط، وإلى ساحة تستبيحها دول العالم أجمع من أجل نهب ثرواتها الطبيعية والنفطية دون رقيب أو حسيب. نهب لا تحصد خزينة الدولة منه سوى الفتات، في مقابل حصول التحالف السلطوي على الحصة الأكبر منها، بطرق غير مشروعة طبعًا.

في المحصلة نحن أمام نظام غير معني بمصالح أي طائفة مهما كانت ومهما كان دورها الراهن، تمامًا كما لا تعنيه مصالح مجمل السوريين، وهو ما يمكن تلمسه من خلال الظروف والأوضاع المتردية التي تعيشها الطائفة العلوية، والتي لا تقل سوء عن أي مكون إثني أو طائفي أو عرقي أخر. كما لا تعنيه القيم والأسس العلمانية، التي يأخذ منها قشورها؛ التي تساعده على تكريس أليات النهب، بل على العكس تمامًا؛ نستطيع تلمس الدعم السخي الذي يُقدمه من أجل ترسيخ نفوذ القوى الدينية والطائفية والعرقية الأكثر تخلفًا واستبدادًا، من الحركة القبيسية إلى النفوذ الثقافي والسياسي الإيراني ما قبل الثورة -الذي تضاعف وتمظهر بقوة ما بعد الثورة- في حين يتم تغيب القيم العلمانية الأهم، تشريعيًا عبر تكريس النفوذ الديني والعشائري والقبلي، مثل القوانيين التي تخص حقوق المرأة والزواج والوراثة، واجتماعيًا وسياسيًا عبر تكريس نظام المحاصصة على حساب تساوي جميع السوريين في الحقوق والواجبات، دون أي اعتبار للانتماءات الطائفية والعرقية والإثنية، ودون أي اعتبارات جندرية.

إذًا نحن أمام مافيا قادرة على التلون والتخفي في رداء علماني أو طائفي أو قومي أو وطني وأحيانًا برداء مقاوم أو ممانع وفقًا لما تمليها عليها الحاجة أو الظروف الدولية والمحلية، وبما يخدم قدرتها على الاستمرار في مراكمة ثرواتها ومداخيلها إلى الأبد، حيث لا يكترث هذا النظام بنتائج ممارساته هذه على بنية الدولة والمجتمع، ولا على ظروف وأوضاع السوريين، الذين يتحملون العبئ الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والعلمي الأكبر، بما فيهم المناطق والشرائح المحسوبة على النظام، أي العلويين الذين لا تختلف ظروفهم المعيشية البائسة عن نظرائهم من السوريين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق