مقالات الرأي

قمة هلسنكي وتقرير مستقبل سورية السياسي

الثلاثي الذي قتل طموحات الشعب السوري

منذ أن بدأت الثورة السورية، أصبحنا أداة بيد لاعبين ظاهرين ومخفيين، وغرقنا في تفاصيل الصراع، بداية مع النظام باحتجاجات سلمية رائعة، ثم الانخراط في العمل المسلح الذي اقترن بالأسلمة، ثم ظهور تنظيمات الإرهابيين ممثلة بـ (داعش) و(النصرة). في بداية الثورة، كان الشعب السوري يحقق ذاته ويمارس حريته وإنسانيته لأول مرة منذ نصف قرن، ولكن للأسف سُلّم أمر الثورة إلى معارضات مسلحة وسياسية موجَّهة من الخارج، وفاقدة للقرار الوطني السوري المستقل؛ فتحول الصراع إلى صراع فوق سورية وعلى سورية، لا صراع مع النظام.

منذ ذلك الحين، فقدنا البوصلة، وأصبح يقودنا انتهازيون ومتسابقون من أجل المصالح الخاصة والحزبية والأيديولوجية، تحت شعارات براقة دينية وقومية وطائفية. وشيئًا فشيئًا، اختفت الشعارات الشعبية الصادقة التي نادى بها السوريون في الأشهر الأولى، وهي الحرية والكرامة والديمقراطية والعدالة ودولة القانون.

أرادوا سرقة ثورة الشعب السوري وحرفها عن مسارها، وقد نجحوا إلى حد بعيد. لكن الثورة نابعة من وجدان وقلوب السوريين، وهي مرتبطة بوجود السوريين وبمطالبهم التي لا بد أن تتحقق مهما طال الزمن. وإن أعتى الإمبراطوريات والأنظمة الشمولية الديكتاتورية انتهت إلى الزوال.

سمّاها النظام “مؤامرة كونية” ضد سورية (اقرأها ضد نظام الأسد)، وأنا أسميها مؤامرة كونية أو خطة دولية، وُضعت أُسسها في موسكو تل أبيب وواشنطن، ضد الشعب السوري، لإنقاذ نظام الأسد. والأسد هو من نفذ هذه الخطة مع حلفائه، وهو من دمّر سورية وقتل السوريين بذريعة محاربة الإرهاب. والدول الأخرى المتورطة، تحت عنوان محاربة الإرهاب، دمّرت وقتلت السوريين. وهذا يعني بالنتيجة أن المستهدَف ليس بشار الأسد، ولا نظامه المهترئ البوليسي بل هو سورية، اقتصادًا وبشرًا ومجتمعًا، وقد نفذ بشار الأسد الخطة بحذافيرها، بأوامر أسياده في موسكو وطهران.

جوهر الأجندة المعادية للشعب السوري هو خدمة مصالح وأمن “إسرائيل”، وتحقيق مصالح الدول العظمى والإقليمية، بصفقات توزع الحصص حسب قوة كل لاعب.

لقد جعلوا من سورية فريسةً نهشوا لحمها وامتصوا دمها وحرقوها، لكي يرتاح بال الإسرائيليين، وليبقى نظام الأسد الذي خدم “إسرائيل” 40 سنة لن ينساها حكام تل أبيب. لكنهم ينسون التاريخ، وأن شخص هزيلًا وعميلًا ومجرمًا كالأسد ليس بمقدوره حكم سورية ولا حتى حكم جزء من سورية؛ لأنه فقد مبررات وجوده الأخلاقي والإنساني والشعبي والطائفي أيضًا.

أُذكّر الجميع بأن موسكو استنفرت منذ الأشهر الأولى للثورة، واتخذت موقفًا استراتيجيًا بدعم نظام الأسد، واتفقت على السيناريو مع تل أبيب وواشنطن، والزيارات المتبادلة تثبت ذلك. علمًا أنهم مثّلوا مسرحية أمامنا، بأن أميركا مع المعارضة والدول الصديقة مع المعارضة، وبالفعل قد تكون الدول الباقية -عدا الثلاثي موسكو وواشنطن وتل أبيب- وقعت في مواقف حرجة، لأنها أرادت دعم الشعب السوري في مطالبه العادلة ولحساباتهم الخاصة، لكنها لم تستوعب الخطة ولم تكتشف مبكرًا أبعادها ومآلاتها. ولهذا السبب نرى تراجعًا في مواقف أغلب الدول الصديقة والشقيقة عن مواقفها الأولية من الثورة الشعبية السورية. تذكروا قرار الجامعة العربية بتجميد عضوية نظام الأسد، وقرار الجمعية العامة بالاعتراف بالائتلاف ممثلًا شرعيًا للشعب السوري، كم ذرت الرماد بالعيون وخدرتنا! كل ذلك كان لكسب الوقت وإضاعة جهودنا بالاتجاه الخطأ، بالاعتماد على المجتمع الدولي والدول الصديقة والشقيقة، ونسينا الشعب السوري صاحب الثورة. تكونت مجموعة من السوريين (أفرادًا وجماعات سياسية ودينية) يسمون أنفسهم “معارضة”، تحكموا بمصير الثورة والشعب، وأثبتوا أن غالبيتهم المطلقة مرتهنة لأجندات خارجية. وإلى اليوم لم يعترف أحدٌ منهم بذنبه أمام الشعب السوري ودماء أبنائه الطاهرة!

كل ما قامت به روسيا في سورية كان بضوء أخضر من أميركا وتل أبيب، أما الشتائم والخلافات الإعلامية والدبلوماسية، فكلها تمثيل في تمثيل، باستثناء ما يتعلق بأوكرانيا فهناك الخلاف جدي، وتنخرط فيه أوروبا أيضًا، وهذا أمر مستقل عن المشهد السوري.

عندما زار جون كيري (وزير الخارجية الأميركي الأسبق) سوتشي عام 2014، واجتمع مع الرئيس بوتين ومع الوزير لافروف طوال سبع ساعات، اتفقا حينذاك في الخطوط العريضة على مجريات الصراع في سورية، وأعطوا روسيا كل الصلاحيات، ومعها إيران، ليقتلوا ويدمروا ويحرقوا كل من يعارض الأسد (داعش ليست ضد الأسد).

ساهمت تركيا في تمرير أجندة موسكو مضطرة؛ لأن الغرب وأميركا حاربوا الرئيس أردوغان وحاولوا إسقاطه ولم يفلحوا. وهل صدفة أن موسكو أول من علم بالانقلاب، وأبلغت أردوغان قبل ساعات من بدء الانقلاب، وأن بوتين أول من هنأ أردوغان بالانتصار على الانقلابيين! هكذا تمت استمالة أردوغان إلى الروس، وإجباره على الانخراط في أجندة الثلاثي (واشنطن، تل أبيب، موسكو) قليلًا قليلًا.

أما دول الخليج فمكرَه أخاك لا بطل. وقد فجّروا حربًا طاحنة في اليمن، أجبرت السعودية على التدخل ومعها الإمارات وقطر (لكن قطر انسحبت لاحقًا) وتدخلوا عسكريًا في اليمن، وما زالت الحرب قائمة ضد الحوثيين المدعومين من إيران والذين لديهم صلات قوية مع موسكو. بالنتيجة؛ أغرقوا السعودية في حرب مكلفة ومدمرة، لم تعطِ نتيجة حتى اليوم، بسبب التدخلات الخارجية الداعمة للحوثيين (وخاصة إيران)؛ لأن الهدف الأكبر لدول العالم هو استمرار الحرب وإنهاك الحكومة السعودية، لكي تقبل بتسويات واتفاقات جديدة ترتب أوضاع المنطقة بكاملها.

لكن الإمارات هي رأس الحربة في محاربة الثورات العربية، وهي تدعم الثورات المضادة، وتنسق مع أميركا وروسيا وتدعمهم ماليًا. وجاءت أزمة الخليج 2017 لكي تقسم دول مجلس التعاون الخليجي وتشلّه، وتغرقهم في مشكلاتهم الخاصة وتبعدهم من الساحة السورية.

من غرائب الدنيا أن دول الخليج المتحالفة استراتيجيًا مع أميركا اتجهت إلى موسكو، لطلب الصداقة والتعاون والشراكة الاستراتيجية، علمًا أنهم يدركون دورها المدمر في سورية، ويعتقد البعض بأن سبب التوجه الخليجي هو عدم الثقة بالخطط الأميركية، لكن المصيبة الكبرى أن موسكو وواشنطن متفاهمتان في خلق الصراعات واستمرار الحروب؛ لأنها تصب في مصلحتهم الاقتصادية والجيوسياسية.

هناك من سينتقد موقفي في الحديث عن فكرة المؤامرة ضد الشعب السوري، ويقول إن نظرية المؤامرة غير صحيحة. حسنًا لنسميها استراتيجية أو أجندة استراتيجية أو خطة استراتيجية.

قمة هلسنكي:

يوم الاثنين 16 تموز/ يوليو، ستعقد قمة تاريخية روسية أميركية في العاصمة الفنلندية هلسنكي. ولطالما كانت هلسنكي مكان لقاء وتفاهم، بين المعسكرين الغربي الراسمالي والشرقي الاشتراكي. في سبعينيات القرن الماضي، في ذروة الصراع السوفيتي الأميركي في فترة الحرب الباردة، تمكن البلدان (القطبان العالميان حينئذ) من عقد اتفاقية هلسنكي للأمن والتعاون في أوروبا.

كثرت التكهنات حول أجندة القمة ونتائجها المتوقعة، ولكن من المؤكد أن تحمل القمة طابعًا استراتيجيًا يتعلق بتطبيع العلاقات الثنائية، ويخص توزيع مناطق النفوذ في العالم، فروسيا تريد مكانًا لها كأحد الأقطاب الكبرى التي يسمع صوتها في معالجة المشكلات الدولية، وأن تناقش كذلك مواضيعَ ساخنة مثل أوكرانيا والقرصنة السيبرانية والملف النووي الإيراني والملف الكوري والقضية الفلسطينية والسورية واليمنية والليبية، وغيرها من الملفات.

لكن سورية ستأخذ مكانة الصدارة في القمة، لسبب أساس هو أن أي شكل سياسي للنظام في سورية الجديدة سيؤثر مباشرة على أمن “إسرائيل” الحاضر الغائب في القمة، وفي غيرها من المحافل الدولية. ولأمن “إسرائيل” أولوية في أجندة كل من واشنطن وموسكو، حسب التصريحات الرسمية لكلا البلدين.

طوال السنوات السبعة، سارت الأمور كما تشاء واشنطن وتل أبيب ومعهما موسكو. وبعد أن شارف الصراع المسلح على نهايته، لا بد من اللقاء وضبط التوقيت وتقرير مستقبل سورية السياسي. وهذا ما ينتظر من قمة هلسنكي التي ستقرر فيها موسكو وواشنطن وتل أبيب مستقبل سورية. لكن الشعب السوري لم يقل كل ما لديه من كلام. والباقي الوحيد هو الشعب، أما الأنظمة والإمبراطوريات فزائلة زائلة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق