تحقيقات وتقارير سياسية

النموذج الفرنسي لمكافحة الإرهاب كبديل من حالة الطوارئ في تركيا

وعد الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، أثناء حملته الانتخابية، أن أول عمل لحكومته سيكون رفع حالة الطوارئ المفروضة في البلاد منذ عامين، عقب محاولة الانقلاب الفاشلة في 15 تموز/ يوليو 2016.

لكن قضية المتهمين من تنظيم فتح الله غولن، بالمحاولة الانقلابية، لم تُغلق بعد. كما أن حرب الدولة التركية على (حزب العمال الكردستاني) التركي ما تزال قائمة في جنوب شرق تركيا، إضافة إلى الحرب ضد (حزب الاتحاد الديمقراطي)، وهو وكيل (pkk) في شمال سورية.

هنالك أكثر من معضلة يطرحها الإبقاء على حالة الطوارئ، وتمديدها لثلاثة أشهر، أو رفعها نهائيًا والاستمرار في محاربة الإرهاب في ظل القوانين القائمة.

النصائح للحكومة التركية، في حال رفع حالة الطوارئ، تشير إلى نجاح النموذج الفرنسي، وإلى ضرورة أن تتبنى الحكومة التركية هذا النموذج، أو ما يشابهه. ففرنسا فرضت حالة الطوارئ طوال عامين أيضًا، بعد سلسلة من الهجمات الإرهابية هزت فرنسا وأوروبا عام 2015، لكنها رفعت حالة الطوارئ في تشرين الثاني/ نوفمبر 2017، دون أن تتخلى عن إجراءاتها الأمنية، والاستخباراتية ضد التنظيمات الإرهابية المحتمل وجودها على الأراضي الفرنسية، أو العابرة إليها عبر دول الاتحاد الأوروبي، حيث شرَّع البرلمان الفرنسي سلسلة قوانين لضمان إمكانية اتخاذ الإجراءات الأمنية الوقائية اللازمة.

يذهب الصحفي التركي فخر الدين ألتون، أبعد من ذلك، ففي مقال له في صحيفة (ديلي صباح) يقول: “في العهد الجديد، أتوقع أن تنفذ وزارة الخارجية رؤية الرئيس رجب طيب أردوغان، في محاربة تنظيم غولن في جميع بعثاتنا الدبلوماسية”. في إشارة منه إلى ضرورة محاربة نشاط منظمة غولن في الخارج أيضًا. ويضيف: “يتعيّن علينا اعتبار السنوات الخمس المقبلة فرصة لمواجهة تنظيم غولن وتذويبه، لكيلا تتجرأ أي طائفة سرية أخرى على الإقدام على محاولة تمرد شبيهة”.

أما الكاتب التركي يحيى بوسطان، فيقول في مقال له في صحيفة (ديلي صباح)، أيضًا: “ما تزال بعض الحكومات الغربية تتساءل: هل أتباع فتح الله غولن مسؤولون بالفعل عن المحاولة الانقلابية”. مؤكدًا أن السلطات التركية “شاركت دفعات متعددة من الأدلة التي تربط غولن المقيم حاليًا في ولاية بنسلفانيا الأميركية، بالمحاولة الانقلابية الفاشلة مع وزارة العدل الأميركية، لضمان إعادته إلى تركيا”.

وإذا صحت التحليلات عن عزم تركيا تطبيق قوانين شبيهة بالقوانين الفرنسية؛ فإن ذلك يعني أن هذه القوانين أصبحت موجودة، ولا تحتاج إلا إلى مناقشة وإقرار البرلمان الجديد، وإلا؛ ما كان الرئيس الرئيس أردوغان تحدث عن رفع حالة الطوارئ دون بديل ناجز وجاهز لمتابعة مكافحة الإرهاب.

بالطبع، سترتفع عقيرة المعارضين، في حال البدء في مناقشة هذه القوانين المفترضة، وسيستمرون في الوقت نفسه في نقد استمرار العمل بحالة الطوارئ. وعلى الرغم من الحزم المبالغ فيه الذي أبدته الشرطة التركية تجاه المتهمين بالانتماء إلى تنظيم فتح الله غولن، باعتقالها عشرات الآلاف منهم، وفصل عشرات الآلاف من العاملين في مؤسسات تعليمية وإعلامية وبنوك ومؤسسات اقتصادية أخرى يمتلكها تنظيم الداعية التركي الشهير، فإن الصدمة التي عاشتها تركيا في تلك الليلة، والأسابيع التالية لها، قد تبرر ذلك، حسب بعض المراقبين، حيث لا يمكن القول إن من نزلوا إلى الشوارع، منذ الساعات الأولى للانقلاب، هم فقط من مناصري (حزب العدالة والتنمية) الحاكم، فالوقائع تقول إن رفض الانقلاب كان عامًّا بين الأتراك جميعًا. ويدعم هذا الاعتقاد الموقف المعلن والرافض للانقلاب من جميع الأحزاب التركية، وفي مقدمتها الأحزاب المعارضة.

في الأصل، حالة الأحكام العرفية المرتبطة بحالة الطوارئ تتيح للشرطة اعتقال أي مشتبه فيه في الحالات المتصلة بسبب فرض حالة الطوارئ، أو الإرهاب بشكل عام، أي الاعتقال دون توافر أدلة مسبقًا، ودون الضوابط القانونية المتبعة في الحالات الطبيعية، من توافر أمر قضائي، وإذن بالتفتيش، أو الاعتقال من الضابطة العدلية، أو ما ينوب عنها في القوانين التركية. وبالتالي، ستحتاج أجهزة الشرطة والجهاز القضائي، في حال رفع حالة الطوارئ، إلى الاعتماد على قوانين غير استثنائية متناسبة مع الحالة الاستثنائية التي يفرضها استمرار وجود الإرهاب.

ماذا فعلت فرنسا في هذا الخصوص، وما الذي يمكن لتركيا أن تنسج على منواله.

هذا ما تتحدث عنه الصحافة التركية هذه الأيام، وهذا ما تنتظره المعارضة، وينتظره المراقبون. لكن بعد تحقيق الرئيس أردوغان وعده برفع حالة الطوارئ.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق