مقالات الرأي

ما بعد درعا

لم يكن الهدف من أستانا جعل مناطق خفض التوتر مستدامة أو طويلة الأجل، فالهدف منها كان وقف القتال بين النظام والمعارضة للتفرغ لقتال “تنظيم الدول الإسلامية”، على أن ينتهي دور هذه المناطق بمجرد القضاء على خطر التنظيم.

بالنسبة لروسيا، شكّلت أستانا مقدمة أولى لسيطرة النظام على أجزاء من الأراضي الواقعة تحت سيطرة التنظيم، فيما شكّلت في مرحلة تالية سيطرة النظام على مناطق خفض التوتر.

أما بالنسبة للولايات المتحدة التي دعمت مسار أستانا بخجل في الظاهر وبقوة في الباطن، فإن إنهاء القتال بين النظام والمعارضة يسمح في مرحلة أولى بالتفرغ للقضاء على تنظيم الدولة، ويسمح لاحقًا بفصل المستويين السياسي والعسكري عن بعضهما البعض، بما يُعطي دفعات قوية لإطلاق مسار سياسي يُتفق عليه بين الراعيين الكبيرين (روسيا، الولايات المتحدة).

وفقاً لهذه المعادلة، فإن النظام السوري سيتجه بعيد الانتهاء من الجنوب السوري إلى الشمال الغربي، وتحديداً إلى ريف اللاذقية الشمالي وريف حماة الشمالي، ومنطقة سهل الغاب الجنوبية، والمنطقة الواصلة بين قلعة المضيق ومحطة زيزون، وأجزاء من ريفي حلب الشمالي والغربي، ثم محافظة إدلب.

مؤشرات المعركة بدت واضحة منذ أشهر منذ تصريحات علي أكبر ولايتي مستشار المرشد الإيراني الذي أعلن أكثر من مرة بأن المعركة المقبلة ستكون في إدلب، ومنذ إطلاق النظام عمليته العسكرية في شرقي المحافظة.

هذه المؤشرات بدأت بالتزايد مع تخلي واشنطن عن فصائل الجنوب، ومع الادعاءات الروسية حول الاستهداف المتكرر لقاعدة حميميم بالطائرات الموجّهة من دون طيار، وتحديد مصدر هذه الطائرات من مدينة جسر الشغور.

هل هي صدفة أن تتعرض قاعدة حميميم إلى هجمات متعددة بطائرات مسيرة خلال هذه الفترة تحديدًا مع اقتراب ملف الجنوب السوري من خواتيمه؟ وهل هي صدفة أن تُحدد موسكو مدينة جسر الشغور كقاعدة لانطلاق هذه الطائرات؟

العقدة الأساسية هي إدلب، فمن الناحية الشرعية، سيكون للروس حجة لفتح المعركة كون المحافظة تحوي تنظيمات مصنفة تحت قائمة الإرهاب وفق الشرعة الدولية، لكن المشكلة تكمن في تركيا، فمثل هذه المعركة ستؤدي إلى عمليات تهجير هائلة نحو الأراضي التركية بفعل وجود أكثر من مليوني شخص، وهذا أمر شبه مرفوض بالنسبة لأنقرة التي ترفض أيضًا وصول قوات النظام إلى حدودها الجنوبية من ناحية إدلب.

وشكلت المحافظة على مدار السنوات الثلاثة الماضية خزانًا اقتصاديًا لفصائل المعارضة و”هيئة تحرير الشام” على السواء، بسبب المعابر مع تركيا، ويصعب إجراء تسويات على غرار مناطق خفض التوتر الأخرى.

مستقبل يمكن حصره بثلاثة سيناريوهات:

1 – إبقاء المحافظة ضمن اتفاق أستانا، وهو ما أكد عليه مؤخرًا الرئيس التركي للرئيس الروسي، لكن الروس لن يقبلوا بمثل هذا السيناريو إلا إذا أقدمت تركيا على تحييد “هيئة تحرير الشام” من المشهد العسكري للمحافظة، وهذه عملية ليست سهلة وتتطلب جهودًا تركية أكبر من مجرد إقامة نقاط مراقبة عسكرية.

المعضلة التي تواجه تركيا أن فصائل المعارضة بعيد تطورات الغوطة الشرقية والجنوب السوري، ليست بصدد الدخول في معارك عسكرية قوية مع الهيئة تصب في مصلحة النظام، ولذلك يبدو هذا الاحتمال صعب التحقق.

2 – قيام النظام السوري مع القوات التابعة لإيران وبدعم جوي روسي باستكمال العملية العسكرية التي بدأت أواخر العام الماضي للقضاء نهائيًا على الهيئة وإبعاد فصائل المعارضة خارج المحافظة.

ويعني هذا السيناريو عملية عسكرية كبيرة مغايرة تمامًا للعمليات العسكرية التي جرت في الغوطة ودرعا، ففي إدلب ثمة كتلة عسكرية وازنة منقسمة بين فصائل المعارضة (جيش النصر والعزة وجيش إدلب وفيلق الشام والفرقة الأولى والفوج 111، وجبهة تحرير سورية، وهيئة تحرير الشام، وجيش المقاومة الشعبية).

هذه الكتلة العسكرية القوية مع ضعف الآلة العسكرية للنظام، تتطلب تفاهمًا بين موسكو وأنقرة، في وقت لا يرغب الكرملين بتوتير العلاقة مع تركيا.

3 – السيناريو الثالث والأقرب إلى الواقعية، أن يقوم المحور الروسي بعملية عسكرية جزئية هدفها القضاء على الحركات الإرهابية، والسيطرة على جنوب المحافظة ووسطها وغربها مع ترك القسم الشمالي من المحافظة لفصائل المعارضة، أو أن يسيطر النظام على كامل المحافظة شرط عدم اقتراب النظام وإيران من منطقتي درع الفرات وعفرين.

ويبدو هذا الاحتمال ممكن التحقق في ظل عدم وجود حضور عسكري روسي في إدلب، ولم تشكل إدلب منطقة نفوذ مباشرة لتركيا كما هو حال منطقتي درع الفرات وعفرين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق