أدب وفنون

سورية ومستقبل المشروعات القومية

لا يبدو أن حلًا قريبًا سينهي الصراع الدامي في سورية، ويضع أسس الدولة السورية المستقبلية، وما تزال ملامح هذا الحل حتى اليوم غير واضحة المعالم، وكثيرة هي الأسئلة التي ما تزال تبحث عن الحل، ومن بين أهمها السؤال المتعلق بالهوية الوطنية والهوية القومية، وفي هذا المقال، سنناقش قضية هوية سورية بين العروبة والسورية والإسلام والتعددية.

قبل الدخول في الموضوع، لابد لنا -بداية- من تحديد دلالة بعض المفاهيم؛ توخيًا لمزيد من الدقة في الكلام عنها، وهي: (القومية، القوم، الأمة، الدولة القومية، «الدولة- الأمة»، «الأمة –الدولة»، الدولة الحديثة، الجنسية، والهوية).

القومية: مصطلح “القومية”، مصطلح واسع الاستخدام، متعدد الدلالات، ويمكن أن يعني ما يلي:

1 – القومية (nationality) –على مستوى الفرد- هي شعور بالانتماء إلى جماعة ذات صفات محددة، وعادة ما يكون هذا الشعور إيجابيًا، ومقترنًا بقبول هذه الجماعة، وقبول الصفات التي تختص بها.

2 – القومية (nationality) –على مستوى الجماعة– هي مجموعة من الصفات المشتركة بين جماعة كبيرة من الناس، مترافقة بشعور بالانتماء الجماعي لهذه الجماعة، والتقبل العام لهذه الصفات، وبهذا المعنى تأخذ “القومية” مدلولًا اجتماعيًا وثقافيًا، وتدل على ثقافة الجماعة وتقاليدها وطموحاتها، وعلى الروابط التي تجمع بين أبنائها، وهي تعبر عن نظرة الجماعة إلى ذاتها، أو صورتها عن نفسها، وفي هذه النظرة تجيب الجماعة عن سؤالها: “ما أنا؟”، والجماعات الأخرى عن سؤال: “ما هي؟”.

3 – القومية (nationality) –على المستوى العالمي– هي جماعة كبيرة من الناس الذين تجمعهم صفة محددة أو أكثر، وتميزهم عن سواهم من الجماعات البشرية، وهنا يعبر مفهوم “القومية” عن الجماعة، بصفتها كيانًا أو شخصية لها استقلاليتها وتميزها عن غيرها، وتصبح بهذا المعنى تعبيرًا عن رؤية الجماعة نفسها كشخصية، ورؤية الجماعات الأخرى لهذه الجماعة، بصفتها “جماعة أخرى” أو “آخر”، وفي هذه الرؤية تجيب الجماعة عن سؤال: “من أنا”؟ ويجيب غيرها عن سؤال: “من هي؟ المتعلق بها.

4 – القومية (nationalism) : شكل حديث من أشكال الإيمان والحراك القومي الفكري أو السياسي أو الثقافي، وأساسه الإيمان بالجماعة القومية وخصوصياتها المميزة، والاعتزاز بتاريخها وثقافتها، والسعي لحماية كيانها وتطويره، والعمل على الدفاع عن مصالحها.

القوم: (ethnos)، ويدل على جماعة من البشر، من ذوي الأصل العرقي المشترك، والتقاليد والعادات الخاصة، وبهذا المعنى، يمكن للقوم أن يدل على قبيلة، أو مجموعة من القبائل ذات الأصول العرقية والتقاليد الاجتماعية المشتركة.

الأمة: (nation)، تعني -بالمفهوم القديم- تقريبًا ما يعنيه “قوم” أو “قومية”، بمعناها الدال على الجماعة، ككيان وشخصية مستقلة، أما بالمفهوم الحديث، فتدل على شكل أرقى من أشكال الاجتماع والتجمع البشري، وفيه تصبح الجماعة البشرية أكثر وعيًا لذاتها وخصوصيتها، وقدرة في التعبير عنها، وأكثر تنظيمًا في علاقاتها الداخلية وإدارة شؤونها الخاصة، والمفهوم الحديث للأمة، يكاد يتطابق مع مفهوم “شعب”، بالمعنى السياسي الحديث، الذي يدل على مجموعة الناس الذين يعيشون في إطار دولة موحدة كالألمان والفرنسيين، أو الذين يسعون لامتلاك دولتهم الواحدة الخاصة كالعرب والأكراد.

الدولة القومية: (national state)، هي مفهوم جديد نسبيًا للدولة (القرن 19 تقريبًا)، يقوم على فكرة إنشاء الدولة على أساس قومي –أو حتى عرقي– وقد جاء نتيجة تطور الفكر السياسي الغربي بعد تحرره من هيمنة الكنيسة الغربية، وإحساس القوميات الغربية بالاستقلالية والخصوصية، وبالأخص، بعد فقدان الرابطة الكنسية والدينية الجامعة، كما لعبت البرجوازية التجارية والصناعية دورًا في تطوير هذا التوجه، ودفعه إلى الأمام؛ لأنه ينسجم مع مصالحها، وسنعود إلى هذا لاحقا، والدولة القومية غالبًا ما تتخذ أحد الشكلين التالين:

1 – الدولة – الأمة: (state-nation)، وهي دولة تقوم على فكرة أن الدولة الواحدة يجب أن تكون أمة واحدة متجانسة قوميًا، وذات لغة وثقافة وتقاليد واحدة، ولا مجال فيها للتنوع القومي والتعددية الثقافية، وفي حال كانت الدولة تتكون من مكونات قومية واثنية مختلفة، فالقومية الغالبة بينها تسعى لفرض لغتها وثقافتها على الأقليات، ودمجهم فيها بالقوة، وإن استعصى الأمر؛ فقد يتراوح الموقف منهم بين تقليص الحقوق والإقصاء والتهميش، أو الحرمان من الجنسية، وقد يصل الأمر إلى حد التطهير العرقي، وكمثال شديد التطرف على هذا الأنموذج، يمكننا ذكر “تركية الطورانية” التي ترافق إنشاؤها بمذابح الأرمن، وتهجير يونان القسطنطينية، وعدم الاعتراف بقومية الأكراد، ومحاولة تتريكهم وما شابه، كما يمكننا ذكر مثال آخر، وإن لم يكن متطرفًا إلى هذا الحد، وهو “دولة البعث” التي عدت نفسها دولة قومية عربية، وترافق هذا بدرجات من “الاضطهاد” لبعض القوميات الأخرى كالأكراد والآشوريين –مثلًا– و”حرمان قسم كبير منهم من الجنسية”.

2 – الأمة – الدولة: (nation-state)، وهي عقيدة أو رؤية تقوم على فكرة أن كل أمة لها الحق في أن يكون لديها دولتها المستقلة، وعادة ما ينتشر هذا الفكر بين الأمم التي ليس لديها دول خاصة بها، وتكون داخلة في عداد دولة متعددة القوميات كالشيشان في روسيا.. أو موزعة على عدة دول كحال الأكراد وتوزعهم بين تركيا وإيران والعراق وسورية، وهذا الفكر عادة يؤدي إلى سعي نحو الانفصال؛ ما يؤدي إلى صراع مع الدولة القائمة، سواء كانت الدولة قومية كدولة البعث التي كانت “علاقاتها متوترة ومتشنجة دائما مع الأكراد”؛ بسبب تماهي كل من الأمة والقومية عند الطرفين، أو كانت الدولة تعددية كروسيا وحربها مع الشيشان، والهند وصراعها مع الانفصاليين الكشميريين.

وكما نرى ، فكل من الدولة الأمة أو الأمة الدولة، هي فكرة أساسها التماهي والتطابق بين مفهومي “الدولة” و”الأمة”، وقيام –أو السعي لإقامة– الدولة على هذا الأساس، يكون عمومًا مترافقا بالصراعات القومية والإثنية والطائفية، من ناحية، وبغياب الحريات وتدني مستوى الحقوق الإنسانية، فالدولة القائمة على مبدأ التماهي بين الدولة والأمة، تحتاج عادة إلى مؤسسة بوليسية قمعية قوية، فهي، من جهة، ترفض التعددية والاختلاف، ولذا تسعى إلى إقصاء أو تهميش معارضيها ومخالفيها من أبنائها، بل وحتى القضاء عليهم، وتتصارع مع أقلياتها وتحاول تغيير هوياتهم القومية أو التخلص منهم، من جهة أخرى، وهكذا فوجود مثل هذه المؤسسة وفي أجواء صراع، لن يقتصر على قمع فئة دون سواها، بل سيطال القمع الجميع، وسيصبح الصراع ذريعة للاستبداد ومبررًا له، وفي الغالب سرعان ما تتحول مثل هذه الدولة إلى نظام دكتاتوري يفرغ نفسه من محتواه، ويتحول إلى سلطة بوليسية مكرِّسة للقمع وناشرة للفساد، وبدلًا من أن تبني دولة أمتها الحديثة، تنتج شكلًا سلطانيًا هشًا يسوده القهر والفقر والتخلف، وتتدنى فيه مستويات العلم والثقافة والأخلاق، وتتعزز فيه وتنمو الولاءات الطائفية والمذهبية والعرقية والعشائرية؛ ما يؤدي إلى انهياره في نهاية المطاف، ولنا في تجربة البعث في كل من سورية والعراق خير مثال على هذا.

الدولة الحديثة: (modern state)، هو مفهوم تقوم فيه فكرة الدولة على المساواة التامة بين مواطنيها كافة، وتمنع جذريًا التفرقة بينهم على أي أساس عرقي أو قومي أو ديني، أو جنسي، وتكون الدولة فيه على مسافة واحدة من كافة الجماعات القومية والدينية والثقافية وسواها الموجودة فيها، ما دامت هذه الجماعات ملتزمة بالقانون، ويُسمح لها بممارسة أي نشاط تريد في إطار هذا القانون، الذي لا يقصي أحدًا على أساس أي انتماء، ولا يمنعه من ممارسة أي نشاط مرتبط بهذا الانتماء، مادام هذا النشاط لا يلحق الأذى بأحد، وهذه الدولة هي ما يطلق عليها تسمية “الدولة الديموقراطية” وهي حكمًا “دولة علمانية”.

الجنسية: (citizenship)، مفهوم مرتبط بالمواطنة، التي تعني الكون رسميًا وعلى المستويين السياسي والقانوني أحد مواطني الدولة، والتمتع بمجموعة من الحقوق والالتزام بمجموعة من الواجبات، التي لا يتمتع أو يلزم بها من لا يعتبرون مواطنين ممن يعيشون في هذه الدولة ، والدول غير الديموقراطية لا تقترن فيها المواطنة بالمساواة، فمثلا في العديد من الدول الإسلامية ذات التنوع الديني، يمنع بموجب الدستور على المسيحي منصب رئيس الجمهورية –مع أن الرئاسة في معظمها شكلية-، كما ينص الدستور على أن “الإسلام” هو المصدر الأساس للتشريع، أما الدول الديموقراطية العلمانية، فلا فرق -من حيث المبدأ- بين كافة مواطنيها على أساس القومية أو الدين أو العرق أو الجنس، والدولة تكون محايدة إزاء كل الأديان والعقائد والإيديولوجيات المنتشرة بين مواطنيها، والجماعات التي ينتمي إليها هؤلاء المواطنون.

الهوية: (identity)، مصطلح يدل على فهم الشخص لفرديته ومفهومه عنها، وتعبيره عنها، وسعيه لتحقيق وتجسيد صورتها في حياته الواقعية، وعلى علاقته الانتمائية مع الجماعات المختلفة ( القومية، الوطنية، الدينية، الثقافية، السياسية، إلخ..)، ومدى تجسيده للأنموذج الإنساني الذي يتطابق مع الصفات الخاصة بكل واحدة من هذه الجماعات، وبالتالي؛ يمكن الحديث عن أشكال عدة من الهوية، كالهوية القومية والهوية الوطنية والهوية الثقافية وغيرها، وقد يختصر الإنسان فرديته بهوية واحدة رئيسة، أو بشكل محدد لهوية ما، أو يقبل تعدد الهويات أو أشكال الهوية، فمثلًا قد يقبل شخص ما أن يكون مسلمًا وعربيًا في الوقت نفسه، أو بالعكس، فيما يرى آخر أن الهوية الإسلامية تتعارض مع القوميات، وأنه لا قومية في الإسلام، وقد يماهي شخص ما “عروبته” مع القيم والمعتقدات الإسلامية –مثلًا– على مبدأ “العروبة جسد روحه الإسلام “،فيما يرى سواه أن لكونه عربيًا لا يمنع المرء من امتلاك أكثر الثقافات عصرية، بغض النظر عن منشئها، وبالتالي يمكن للعربي أن يكون علمانيًا أو شيوعيًا أو وجوديًا، وغيرها، دون أن يفقد عروبته.

هذا من ناحية الفرد، أما من ناحية الجماعات أو الدول، فالهوية تعني الصورة الاجتماعية أو الثقافية أو السياسية وما شابه، التي ترى فيها الجماعة نفسها، هذا بالنسبة للجماعات، فهناك جماعات قومية، ودينية، وثقافية، وسياسية، الخ..، وبالنسبة للدول، الهوية هي مجموعة الأسس التي تقوم عليها هذه الدولة أو تلك، فالدولة قد تكون دينية أو علمانية، قومية أو متعددة القوميات، ديموقراطية أو ديكتاتورية، اشتراكية أو رأسمالية، وهكذا دواليك.

II – نشأة القوميات أو الجماعات القومية:

تنشأ القوميات أو الجماعات القومية:

– إما بتطور ونمو جماعة عرقية ذات أصل مشترك، وهذا هو الشكل الطبيعي المحض لنشوء الجماعات القومية، وهو الشكل الأكثر قدما لنشوئها، وبهذا الشكل نشأ العرب واليونان والرومان والفرس وسواهم من قوميات العالم القديم.

– أو باندماج مجموعة من الجماعات القريبة من بعضها عرقيًا بدرجة أو بأخرى في ظروف اجتماعية وثقافية وسياسية مناسبة، كنشوء دولة موحدة قوية، أو انتشار ثقافة، أو انتشار لغة، وبهذا الشكل نشأ السريان الذين يعودون إلى أصول آرامية وكنعانية وعمورية وسواها، وقد ساعد على هذا تقارب ثقافات هذه الأقوام من الأساس؛ نتيجة قرابتها العرقية وتقاربها الجغرافي، ومن ثم انتشار اللغة الآرامية والدين المسيحي. وكالإنكليز الذين نشؤوا؛ نتيجة اندماج بعض القبائل الجرمانية الأنكلوساكسونية (Anglo-Saxons) كالإنكليز والسكسون والقوط بشكل أساسي، مع بعض القبائل ذات الأصل السلتي (Celtic) والبيلجي (Belgic).

– أو بتأثير قوى سياسية منظمة (حركات، أحزاب…) تتبنى أيدولوجيات قومية تسعى بشكل فعال لدمج مجموعة من الجماعات التي تجمعها العديد من العوامل التاريخية والثقافية التقليدية المشتركة، (كالحركة القومية العربية) تقريبًا، أو بفرض سياسة قومية اندماجية قسرية على جماعات قومية مختلفة، كحال (الطورانية التركية)، أو باندماج طوعي لمجموعة كبيرة من الناس من أصول مختلفة، تجمعهم المصلحة العامة المشتركة والثقافة العامة المشتركة وتأسيسهم لدولة حديثة على غرار أمريكا وكندا وأستراليا وأمثالها، حيث تتساوى فكرة القومية مع المواطنة والأمة مع الشعب بالمفهوم السياسي الحديث لمصطلح شعب.

ومع تكون الجماعة القومية وتطورها واستمراريتها، يصبح لديها عادة:

– لغة واحدة.

– ثقافة خاصة.

– تاريخ مشترك.

– أرض مشتركة.

– مصلحة مشتركة.

ويتم الانتماء إليها عادة بالتواتر عبر الولادة، أو بالاندماج في بعض الأحيان.

III – عرب أم سوريون؟:

لقد تشكل الوعي القومي والشعور القومي عند الشعوب منذ العصور القديمة، فمثلًا، قبل الميلاد بقرون، كان العرب يميزون أنفسهم قوميًا عن غيرهم من الشعوب، وكذلك كان الآراميون والإغريق والرومان وسواهم، ولكن لم تـُعرف في تلك الآونة “قومية سورية” أو “شعبًا سوريًا” على غرار “العرب” أو “الروم” –مثلًا– ففي سورية تعاقب وتجاور عدد من الشعوب القومية كالعموريين والكنعانيين والآراميين، ولاحقًا العرب الذين بدؤوا بدخول سورية في بدايات الألفية الميلادية الأولى، أما تسمية “سورية” نفسها فقد أطلقها اليونان على سورية الطبيعية –أو بلاد الشام– ويرجح أنها مشتقة من تسمية الإمبراطورية الآشورية “آشوريا”، حيث أن الاختلاف في اليونانية بين سورية “Syria” وآشوريًا “Assyria” هو فقط في حرفين أحدهما تضعيف لما بعده، إلا أن بعض المؤرخين يطرحون فكرة مجيء تسمية “سورية” من تسمية المدينة الفينيقية الأشهر “صور”.

لكن في الفترة اللاحقة، الممتدة بين الميلاد والقرن السابع الذي أصبحت فيه سورية تحت سيطرة العرب المسلمين، عرفت سورية درجة كبيرة من الاندماج، وهذا الاندماج تعود بداياته إلى مرحلة طويلة قبل الميلاد، وقد أتى نتيجة لتقارب أصول وثقافات المكونات العرقية التي تعايشت على أرض سورية، وغلبة العنصر الآرامي عليها وانتشار اللغة الآرامية في كل من سورية الطبيعية وما بين النهرين، ثم أتى انتشار المسيحية ليضيف عاملًا قويًا آخرًا لعوامل الاندماج، كما لعب وجود سورية تحت إدارة سياسية موحدة –حتى ولو كانت أجنبية– (فرس، إغريق، روم، بيزنطيون) دورًا مساعدًا إضافيًا في عملية الدمج، ومع غلبة كنيسة إنطاكية على باقي الكنائس، تشكلت في سورية حالة وحدة شبه قومية، وهكذا ظهر السريان، وهم يشكلون حالة قومية ودينية بنفس الوقت، فوحدة اللغة ووحدة الدين ساهمت وعززت عملية اندماج المكونات العرقية القريبة من بعضها أصلًا في جماعة توحدها اللغة والديانة والأرض.

إلا أن الحالة السريانية لم تتمكن من التطور والتبلور لتصل إلى مرحلة الأمة، لأسباب عديدة من أهمها:

– عدم انفصال “القومي” عن “الديني” في منظور الهوية السريانية، و”غلبة الديني على القومي”.

– عدم استقلالية سورية التي بقيت خاضعة لحكم البيزنطيين، وخضعت بعدهم لحكم العرب.

– عدم تحقيق الاندماج التام بين الجماعات المقيمة على الأرض السورية، مع وجود جماعات غير سريانية من الناحية الدينية، أو القومية أو اللغوية بجوار السريان أو بين ظهرانيهم، كالعرب واليهود، والجاليات اليونانية والرومانية، وأتباع الكنائس الأخرى، وسواهم.

مع دخول العرب المسلمين في القرن السابع، بدأ بالانتشار في سورية دين جديد هو الإسلام، ولغة جديدة نسبيًا هي العربية، وحلت سلطة جديدة هي الخلافة العربية، محل الإمبراطورية البيزنطية، وهذا يعني تغير كافة العوامل التي شكلت “الجماعة السريانية”، وحلول أخرى محلها، ومع استمرار انتشار الإسلام واللغة العربية، تقلصت الجماعة السريانية التي كانت تعد بالملايين، لتتحول -مع مرور الزمن- إلى طائفة دينية غير كبيرة، وفقد أحفادها كل ارتباط بها أو شعور بالانتماء إليها، وصار هؤلاء الأحفاد مسلمين عربًا، بحكم الدين واللغة، لكن هذا –بدوره- لم يطور حالة قومية عربية، بحيث يشعر هؤلاء “المتعربون” بقوة الانتماء إلى “جماعة عربية” متمايزة عما سواها في إطار الإسلام، فقد بقي الانتماء الأساسي هو الانتماء للجماعة الإسلامية، وفي مرحلة لاحقة إلى “الطائفة الإسلامية” مع تعدد المذاهب والطوائف في الإسلام.

في الغرب الأوروبي، تطورت القومية بفعل عوامل شتى، لكن تطورها الأكبر جرى في عصر النهضة، لتصل في القرن التاسع عشر –قرن القوميات- إلى ذروة تطورها وهي مرحلة “القومية السياسية أو المسيّسة” (nationalism) التي تجعل هدفها الأساسي إقامة “الدولة القومية”، وقد لعبت أربعة عوامل أساسية الدور الجوهري في ذلك، وهي:

1 – تطور الفكر السياسي والفكر القومي، الذي يشكل حالة متقدمة لتطور الوعي القومي والشعور القومي، وجاء ذلك في ظل حالة النهضة الفكرية والعلمية والاجتماعية والاقتصادية الشاملة التي كانت تتم في الغرب الأوروبي.

2 – التحرر من هيمنة الكنيسة، والذهنية الإيمانية الغيبية المرافقة لها، وعلمنة المجتمع، ما يعني فقدان “فكرة الانتماء إلى “الجماعة الكاثوليكية”، ويضاف إلى ذلك الصراعات والانقسامات الدينية (كظهور الحركات البروتستانتية) التي شهدها العالم المسيحي الغربي؛ ما ضاعف حدة تمزق “الوحدة الكاثوليكية.

3 – صعود الطبقة البرجوازية التي كان من مصلحتها التركيز على “فكرة القومية” والسعي لبناء الدولة القومية؛ لأن ذلك يخلصها من العقبات والعراقيل التي كان النظام الإقطاعي يضعها أمام حريتها في الاستثمار والتجارة، من جهة، ويضع القرار السياسي والحكومي في يد الأرستوقراطية الإقطاعية، حارمًا بقية فئات وطبقات الشعب من المشاركة فيه، من جهة أخرى، هذا داخل الدولة –أو الدويلة-، أما على المستوى الخارجي، فقد كانت كل برجوازية محلية تحتاج إلى الدولة القومية؛ لتؤمن لها مجالًا واسعًا من النفوذ الحصري في حدود هذه الدولة، ولتحميها من منافسة البرجوازيات الأجنبية.

عدم وجود لغة موحدة، فاللغة اللاتينية لم تتحول إلى لغة محكية، وبقيت لغة نخبوية على مدى قرون، أما على المستوى الشعبي، فقد كان هناك العديد من اللهجات التي تختلط فيها اللاتينية بلغات ذات أصول محلية، ثم راحت اللاتينية تتراجع في مواقعها النخبوية، مع التطور التدريجي للهجات المحلية، إلى لغات عالية المستوى، وقادرة على استيعاب العلوم والفلسفات والآداب العصرية؛ ما أدى -في النهاية- إلى فقدان اللاتينية لأدوارها كافة، وتحولها إلى لغة مندثرة.

أما العالم العربي الذي بدأت محاولته النهضوية -أيضًا- في القرن التاسع عشر، فقد تأثر بـ “الفكر الغربي” عمومًان بما فيه الفكر القومي، وهكذا ظهر لدينا مفكرون وسياسيون، طرحوا سؤال القومية، وجعلوا “العروبة” هي الجواب عليه، فنشأت فكرة “القومية العربية” على أسس اللغة والتاريخ والأرض والمصلحة، وهذه حقيقة عوامل واقعية موضوعية، وهكذا نشأت حركة فكرية سياسية تسعى لإحياء الحضارة العربية، وتوحيد الأقطار التي تنتشر فيها اللهجات العربية في إطار دولة قومية عربية عصرية.

طبعًا هذه الحركة فشلت فشلًا تامًا في تحقيق هذا الهدف؛ لأسباب يطول البحث والكلام فيها، ولكن مع ذلك، نجحت -إلى حد ما- على صعيد آخر، فتمكنت من خلق حالة بالشعور الانتماء على مستوى واسع نسبيًا، وساهمت في إحياء وعصرنة اللغة العربية، وجعلها اللغة الرئيسة للثقافة والنشر والإعلام والتعليم، ولغة الكتابة الأساسية، كما ساهمت في خلق حالة ثقافية عربية مشتركة، تتخطى الحدود السياسية؛ وحتى على المستوى الرسمي، كوّنت بعض التقارب، وأنجزت كيانًا سياسيًا عربيًا –على الرغم من هشاشته– هو “جامعة الدول العربية”، وهنا يجب التنويه إلى أن المقصود بالحركة القومية العربية ليس هو هذا الحزب أو ذاك، أو هذه المجموعة من السياسيين أو تلك، فالحديث هنا يتم عن حالة حركية واسعة النطاق، اشترك –ويشترك- فيها عدد كبير من الأدباء والمفكرين والسياسيين، والمؤسسات والتنظيمات والأحزاب وسواها.

هذه الحركة، بخلاف الحركات القومية الأوروبية، لم تتبنّ العلمانية، فالحركات القومية الأوروبية نشأت في أجواء كانت فيها العلمانية تتغلغل وتنتشر بقوة، في عالم تحطمت فيه الوحدة الدينية والسلطة الكنسية والذهنية الغيبية، وانتشر فيه العلم والفكر الحديث بقوة، وكانت لدى هذه الحركات مقوماتها القومية الخاصة، بمعزل عن الدين، كاللغة والشعور القومي التقليدي مثلًا، أما القومية العربية، فقد طرحت في محيط شديد التدين، ورجال الدين فيه واسعو النفوذ، ومستوى الفكر والثقافة والعلم فيه جد متدن، وفي المحصلة العلمانية فيه غائبة فعليًا، والأساسان الأهم اللذان قامت عليهما فكرة هذه القومية، وهما اللغة والتاريخ، كلاهما شديد ووثيق الارتباط بالدين الإسلامي، فبدون الإسلام لن يكون لدى الحركة القومية العربية فعليًا أي لغة عربية، وكل ما هو موجود هو عدد كبير من اللهجات المحلية المتدنية المستوى، لغويًا وثقافيًا، والتي يصعب التفاهم بينها، بل ويتعذر أحيانًا، واللغة العربية نفسها انتشرت وحـُفظت بفعل الإسلام، وبقيت محتاجة إليه ليحميها من الانحلال في اللهجات المحلية، وكذلك هو حال “التاريخ العربي المشترك”، فهو تاريخ مرتبط ارتباطًا جوهريًا بالإسلام، وبإقصاء الإسلام والتاريخ الإسلامي، كانت الحركة القومية العربية ستجد نفسها بلا تاريخ، وأمامها عدد كبير من الأقاليم والطوائف والإثنيات التي سيبحث كل منه عن تاريخه الخاص، ولذا؛ أبقت هذه الحركة على ارتباطها بالإسلام وجعلته سندًا لها، وبالأخص، أن العدد الأكبر من دعاتها كانوا بحد ذاتهم مؤمنين مسلمين، لكن نجاحها على المستويين الشعوري والتواصلي في وطأة عجزها عن تحقيق أي نجاح حقيقي على باقي المستويات، وأهمها المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي، لم يسمح لهذا النجاح بأن يتجذر، وبقي الشعور القومي منازعًا من المشاعر الدينية والإقليمية والطائفية والقبلية، وبقيت اللغة العربية الفصحى نفسها “تعاني من تدني المستوى الثقافي والعلمي العام”، ومن منافسة دعاة وأنصار العاميات.

في المحصلة “فشل” المشروع العربي، ولم يحقق الدولة العربية الموحدة العصرية، و”القوميةُ العربية” المرتبطة به هي في حقيقتها “حركة إيديولوجية” أكثر منها “حقيقة موضوعية”، فالمنطقة الممتدة من الخليج العربي إلى المحيط الأطلسي؛ حتى على مستوى المتكلمين بالعاميات العربية، تفتقد حقيقة إلى الوحدة اللغوية والتاريخية وروح الانتماء المشترك الحقيقية، إنها منطقة تضم عددا كبيرا من المكونات ذات الأصول العرقية المختلفة، ولديها تباينات كبيرة في لهجاتها وثقافاتها وانتماءاتها الطائفية والعشائرية والإقليمية، مع أنه كان من الممكن، فيما لو نجح “المشروع العربي التوحيدي التحديثي”، أن يرتقي بها إلى مستوى الأمم العصرية، لأنه تتوافر فيها -على الصعيد البشري- مقومات يمكن استخدامها لإنشاء قومية متماسكة راسخة.

بعد ذلك الحديث عن القومية العربية والمشروع العربي، فلننتقل إلى الحديث عن المستوى السوري، وسورية اليوم تعاني من كارثة كبرى، وفيها يستغل كل من الدين والقومية بأبشع الصور، هذا في ساحات القتال، أما في ميادين السياسة والثقافة والفكر، فهناك -أيضًا- طروحات مختلفة على صعيد هوية الدولة، فثمة من يريدها إسلامية، ومن يريدها سورية، ومن لا يزال يريدها عربية، ومن يريدها تعددية!

فمن نحن قوميًا؟ وهل نحن عرب أم سوريون؟

حقيقة يمكن القول بأن القومية هي حالة إيمانية تشبه الدين، وهي مثله عقيدة وثقافة وتقاليد، وكلاهما مرتبط بمعطيات موضوعية على أرض الواقع، ويتغير تبعًا لتغيرها! واليوم أصبح صوت دعاة “القومية السورية” أكثر علوًا، وكأن ثمة مسعى لاستبدال “المشروع العربي ” بــ ” مشروع سوري”! لكن هل المشروع السوري أكثر واقعية وفرصا في النجاح من نظيره العربي؟

إن المشروعين كليهما لديه معطياته الموضوعية التي يمكنه أن يعتمد عليها، ولكنها -بحد ذاتها- لا تستطيع -قطعًا- أن تكوّن “هوية قومية” أو “أمة”! فكوننا نتكلم بـ “لهجة عربية” في لغتنا المحكية، ونستخدم “الفصحى” في كتابتنا، واشتراكنا في تاريخ عربي إسلامي عمره 13 قرنًا تقريبًا، يمكن أن يكون قابلًا وغير قابل في الوقت نفسه لتأسيس هوية قومية عربية أو عدم تأسيسها على حد سواء، فالمشروع السوري يمكنه أن يطرح تاريخه الخاص المنفصل عن العروبة، الذي يمتد بدوره لأكثر من 13 قرنًا قبل الإسلام، وأن يستخدم خصوصيتنا في اللهجة والثقافة والتكوين الاجتماعي؛ ليكون منافسًا نديًا لنظيره العربي، لكن واقعيا كل العناصر الموضوعية التي يعتمد عليها المشروعان وحدها غير كافية! والعقبات والمعيقات الموضوعية –الداخلية والخارجية- التي تعترض وحدة “الهلال الخصيب” لا تختلف كثيرًا عن مثيلاتها التي تعترض وحدة “ما بين الخليج والمحيط”، وكذلك الأمر في ما يتعلق بالعقبات والمعيقات الذاتية، فالمشروعان يعترضهما -موضوعيًا- تدني المستويات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، وحالات الانتماء ما دون القومي، أي انتماء الملة والعشيرة، الذي يتفوق -في معظم الأحيان- على انتماء الأمة، كما أن الأخطار الخارجية هي هي، أما على المستوى الذاتي،  فأكثرية مثقفي وسياسي المشروعين، تنطلق من أرضية عاطفية حالمة وساعية لاستعادة “ماض مشرق مجيد”، ينهي حالة “الحاضر المعتم المزري”، وبالنتيجة؛ يفتقر المشروعان إلى الرؤية الموضوعية العلمية الحديثة!

لقد سألنا أعلاه: “من نحن قوميًا؟”! وعندما نقول: “نحن”، فعلينا أن نكون مدركين من المقصود بضمير “نحن”، وما حدود شمولية هذه الكلمة بالنسبة لنا، وعندما نتكلم عن دولة وشعب ووطن، فعلينا أن نضع نصب أعينا أنه ثمة جماعات بشرية عديدة، تشاركنا الوطنية ولا تشاركنا القومية، لا العربية منها ولا السورية، كالكرد والأرمن والشركس والتركمان وغيرهم، ولذا سيكون أي طرح قومي سوري تقليدي في سورية تكرارًا للتجربة العروبية، وسيبقي هذه الفئات الواسعة من شعب سورية خارج دائرة الانتماء، ولن يحقق حالة الشعور بالمواطنة المتساوية اللازمة لبناء الدولة الحديثة.

أما طرح “إسلامية” الدولة، فأخطر من سابقيه بكثير، فهذه “الإسلامية” نفسها، ليست محل إجماع بين المذاهب الإسلامية نفسها، فضلًا عن أنها ستخرج كل المسيحيين وغير المتدينين من عداد المواطنة وأهل البلد، وتجعلهم في عداد “الرعايا الدخلاء” في أحسن الأحوال، إضافة إلى ما يعتور الطرح الإسلامي من إغراق في السلفية وغياب للعقلانية والحداثة، وخلط للدين والسياسة، وكل ما تقدم يعني استمرار حالة التخلف والتفرق والتشرذم والصراع الطائفي.

ما نحتاجه في سورية هو دولة عـَلمانية ديموقراطية حديثة، عـَلمانية بكل معنى الكلمة، وفيها ينفصل كل من الدين والقومية والأيديولوجيا والعسكرة عن الدولة وعن السياسة! لتكون الدولة “دولة مواطنة” و”دولة شعب”، وليست “دولة قومية” أو “دولة زعيم”، وتكون الهوية الوطنية والانتماء للشعب فيها هما الأساس، وليس هوية القوم.. أو الملة أو الطائفة والانتماء لها، ويكون الإنسان فيها مواطنًا حقيقيًا، يتمتع بكل حقوق المواطنة، ويلتزم بكل واجباتها، وليس رعية في قطيع مولاه السلطان ومتسولًا لعطاياه المزعومة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق