أبحاث وتحليل سياسات

الموقف الروسيّ في سوريّة: تغيّر جذريّ أم تكتيكيّ

 

المحتويات

مقدّمة

أوّلًا: مقدمّات التغيّر

ثانيًا: ملامح التّغيّر

ثالثًا: أسباب التغيّر.. فرضيّات

أ- الاستياء من التغوّل الإيراني

ب- استغلال الوقت الانتخابي “الضائع”

ج- استباق الحوادث

د- اليقظة المتأخّرة

رابعًا: إستراتيجيّات المواجهة.. خلاصات

 

مقدّمة

بعد مرور عام ونيّف على التدخّل العسكريّ الروسيّ المباشر في سوريّة، ظهرت أولى بوادر التغيّر في الموقف الروسيّ؛ ذلك التغيّر الذي كثيرًا ما تعلّق به معارضو النظام السوريّ، وأمِلوا في أن يحدث، منذ أن كانت روسيا حليفة قويّة للنظام، إلى أن صارت شريكة له في حربه، وبيضة القبّان التي أمّنت استمراره وبقاءه.

قيل كثيرٌ عن أسباب تغيّر الموقف الروسي، وتباينت التفسيرات بتباين الأطراف، واختلاف توجّهاتها ومصالحها، وربما أمنياتها، وكان القاسم المشترك بين جميع التفسيرات هو أن هذا التغيّر كان سريعًا وتصاعديًّا وغير متوقّع، لأنه حيّد أطرافًا حليفة لروسيا، ومنح شرعيّة لأطراف أخرى، كثيرًا ما رفضت روسيا منحها الشّرعيّة.

واقعيًّا، من الصعب التنبّؤ بنهايات هذا التغيّر وغاياته وحجمه، لكن يمكن من خلال دراسة الأوضاع والتطوّرات السياسيّة والعسكريّة التي رافقته، وتتبع ردّات أفعال القوى المحليّة والإقليميّة والدوليّة، وضعُ أُطرٍ عامة لما يمكن أن يكون وراء هذا التغيّر، وما تنويه روسيا لسوريّة على المدى القريب والمتوسط.

 

أوّلًا: مقدمّات التغيّر

في الثامن من كانون الثاني/ ديسمبر الماضي، أعلن وزير الخارجيّة الروسي، سيرغي لافروف، وبصورة مفاجئة، في عقب لقائه بنظيره الأميركي، جون كيري، عن توقّف العمليّات القتاليّة لـ “الجيش السوريّ” في شرقي حلب وهي في أوجها، وبرّر ذلك بأسباب إنسانيّة لها علاقة بإخراج المدنيّين من المدينة؛ كما أعلن أن لقاءً مع الأميركيّين سيُعقد في جنيف بعد يومين، بين الخبراء العسكريّين، لتحديد طرائق إنهاء القتال وأساليبه في شرقيّ حلب، وخروج جميع المسلّحين والمدنيّين.

بعد إخراج المعارضة من حلب، دعت موسكو إلى اجتماع في 20 كانون الأول/ ديسمبر 2016، ضمّ وزراء خارجيّة ودفاع كلّ من روسيا وتركيا وإيران، خرج ببيان حمل اسم “إعلان موسكو”، وتضمّن خريطة للحلّ السياسيّ في سوريّة، تشمل توسيع وقف إطلاق النّار ليشمل الأراضي السّوريّة كافّة وجميع الأطراف المتحاربة، باستثناء جبهة فتح الشّام (النُّصرة سابقًا) وتنظيم الدولة الإسلاميّة (داعش)، ثم إحياء المسار السياسيّ؛ فبالتوازي مع ذلك، جرت مفاوضات صعبة استضافتها تركيا بين روسيا من جهة، وفصائل المعارضة السوريّة المسلّحة من جهة أخرى، أُعلن في نهايتها عن التوصّل إلى “اتّفاق أنقرة” الذي شمل ثلاث وثائق، تضمّنت الأولى بنود وقف العمليّات العدائيّة بين النظام والمعارضة، والثانية آليّات مراقبة وقف إطلاق النار وإدخال المساعدات الإنسانيّة إلى المناطق المحاصرة، فيما تناولت الثالثة سبل استئناف مفاوضات السلام في العاصمة الكازاخستانيّة أستانة. وتمّ التوقيع على الاتفاق في 29 كانون الأوّل/ ديسمبر، وبدأ وقف إطلاق النار في اليوم التالي، بضمانة روسيّة وتركيّة.

 

ثانيًا: ملامح التّغيّر

في الوقت الذي كان النظام السوريّ والإيرانيّون يقولون إنهم سيتابعون عمليّاتهم العسكريّة، ليس في حلب وحدها، بل في جميع الأراضي السوريّة، حتى طرد آخر فصيل معارض منها، قام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، قبل توقيع “اتّفاق أنقرة” بأسبوع، باتّصال هاتفيّ مع رأس النظام السوريّ بشار الأسد وأعلمه أنّ المهمّة الأساسيّة في الوقت الراهن باتت “التوصّل إلى تسوية سياسيّة شاملة”، وكشف عن قرب التوصّل إلى اتفاق شامل لوقف إطلاق النار في سوريّة.

تُعدّ المفاوضات العلنيّة الروسيّة- التركيّة مع فصائل المعارضة السوريّة المسلّحة اعترافًا واضحًا وصريحًا بها، وبأنّها طرف مُحاور، سيُشارك في المفاوضات السياسيّة في أستانة، على الرغم من أن بعضها إسلاميٌّ بحت، وهي المرّة الأولى التي تمنح فيها روسيا شرعيّة للمعارضة السّوريّة المسلّحة، بعد أن كانت تُصنّفها، في أغلبيّتها العظمى، جماعاتٍ إرهابيّة.

كانت روسيا “ليّنة” على غير عادتها في اتّفاق وقف إطلاق النّار، فقد وافقت ألّا يستثني هذا الاتّفاق أيّ منطقة سوريّة، خلافًا لرغبة إيران والنظام السّوريّ اللذين كانا يريدان استثناء ريف دمشق وإدلب والوعر في حمص، وبعض المناطق الأخرى. ولوحظ كذلك أن روسيا وتركيا وإيران بدأت مفاوضات وقف إطلاق النّار، وانتهت باتفاقٍ روسيّ- تركيّ فحسب، أي أنّه قد جرى تهميش إيران في الاتّفاق النّهائيّ، فلم تكن أحد ضامنيه أو المشرفين عليه، وسرّبت وسائل إعلامٍ أن حزب الله يستعدّ لحزم حقائبه ومغادرة سوريّة بناء على قرارات روسيّة.

في المقابل، أكّد مسؤولون أتراك أن موقف بلدهم من النّظام السّوريّ لم يتغيّر بعد اتفاق وقف إطلاق النّار والمفاوضات السّياسيّة، وأكّد مسؤولون عسكريّون أتراك أن تركيا كانت سترفض تسهيل انسحاب فصائل المعارضة السّوريّة المسلّحة من حلب، لو كان النّصر سيُجيّر لمصلحة النظام السوريّ.

تميّز اتفاق وقف إطلاق النار عن الاتفاقات السابقة بغياب المماحكات الروسيّة- الأميركيّة، وحضور الطرفين الفاعلين الرئيسين في المسألة السوريّة؛ روسيا التي تُعدّ أهم داعم للنظام، وتركيا صاحبة النفوذ الكبير على المعارضة السوريّة، السياسيّة والمسلّحة، واتّفاق الطرفين من دون خلافات على نشر مراقبين ونقاط تفتيش في مناطق الاحتكاك، وإقرار نظام معاقبة لمن يخرق الاتفاق.

بُعيد إعلان وقف إطلاق النار، وحيث كانت الميليشيات الموالية لإيران تستعدّ، على تخوم حلب، لدخول قسمها الشرقي للهيمنة عليه، أعلنت روسيا عن إرسالها كتيبة من الشرطة العسكرية الروسية  لتوفير الأمن في هذا القسم من المدينة، ولتأمين سلامة القوافل الإنسانية والمستشفيات في المدينة؛ وبالفعل انتشرت هذه الشرطة بسرعة في حلب، ومنعت دخول الميليشيات الإيرانية وميليشيات النظام، وسمحت للشرطة العسكرية والجنائية التابعة للدولة السورية وحدها بالدخول، وبالعمل تحت إشرافها، كما قيّدت عمل الاستخبارات السورية هناك، واعتقلت العشرات من عناصر الأجهزة الأمنيّة التابعة للنظام الذين تصرفوا من دون إذن عسكري روسي.

رفضت روسيا، أو نصحت -في المفهوم الدبلوماسي- رئيس النظام السوري ألّا يأتي إلى حلب، ردًّا على رغبته الشديدة في إلقاء خطاب نصر هناك، وأراد الروس في الأغلب من هذا “المنع” أن تكون السيطرة على حلب نصرًا للدولة السورية، وليس للنظام.

مع استمرار خروق النظام وميليشيات حزب الله اللبناني لوقف إطلاق النار، أعلنت روسيا استعدادها لتقليص عدد القوات الروسية في سورية، وفي السادس من كانون الثاني/ يناير 2017 أعلنت الأركان الروسية سحب حاملة الطائرات الروسية “الأميرال كوزنيتسوف” ومجموعة السفن المرافقة لها من الشواطئ السورية في البحر المتوسط، من دون أن تُعلن عن الأسباب المباشرة وراء هذه الخطوة.

جميع المؤشّرات توحي بوجود تغيّر جذريّ في الموقف الروسي هذه المرّة، لكن، لا بدّ من معرفة أسباب تغيّر الموقف الروسي المفاجئ مع اقتراب دخول الحرب السورية عامها السابع، للتأكّد من أنّ هذا التغيّر هو إستراتيجيّ وليس تكتيكيًّا موقّتًا.

 

ثالثًا: أسباب التغيّر.. فرضيّات

اختلفت وجهات نظر المعارضة السورية، كما اختلفت التحليلات حول أسباب تغيّر الموقف الروسي، لكن أغلبيّة القراءات ركّزت على أربعة أسباب لهذا التغيّر، بعضها يمتلك حجّة قويّة، وبعضها لا يمتلك، لكن، لا يمكن استبعاده، ويمكن عنونتها وفق ما يأتي:

 

أ- الاستياء من التغوّل الإيراني

أولى فرضيّات أسباب تغيّر الموقف الروسي السريع، هي خشية روسيا من التمدّد الإيراني العسكري على الأرض، واستدراكها- ربما متأخّرة- أنها قدّمت الدعم الجويّ الهائل لقوات النظام السوري، فيما سيطرت إيران وميليشياتها، اللبنانية والعراقية والأفغانية، على الأرض، وهو ما يتعارض مع الإستراتيجية الروسية، ما دفعها إلى التدخل على الأرض، بالتوازي مع إقرار وقف إطلاق نار، وطرح خطّة تفاوض سياسي للوصول إلى حلّ وسط، يضع حدًّا لإيران والنظام اللذين باتا عقبتين أمام الإستراتيجية الروسية بعيدة المدى.

هذه الفرضيّة قد تدعمها محاولة إيران إفشال الاتفاق الروسي- التركي، حين منعت مقاتلي المعارضة من الخروج من حلب ووضعت شروطًا، ولم تحترم ميليشياتها وقف إطلاق النار في وادي بردى بريف دمشق، وتأكيد صقور الحرس الثوري الإيراني رغبتهم في الاستمرار في الحلّ العسكري.

عمليًّا، تُدرك روسيا أن النظام السوري لم يعد يملك القوات العسكرية البريّة الكافية لدخول أي منطقة تُسيطر عليها المعارضة السورية، وباتت على يقين من خلال تجربتها، أنّ استهدافها بالقصف الجويّ لأيّ مدينة سيُضعف المعارضة ويفسح المجال للميليشيات الإيرانية لاقتحامها والهيمنة عليها، وهذه التوليفة العسكرية جعلت روسيا وكأنها تعمل لمصلحة إيران. لكن، في الوقت نفسه، ينفي الواقع وجود توريط إيراني لروسيا، أو مفاجآت غير متوقّعة من الإيرانيين، فالسياسة الإيرانية كانت واضحة منذ بداية الثورة، وهي السعي للهيمنة على سورية، سياسيًّا وعسكريًّا واجتماعيًّا، وجاء انتشار الميليشيات الإيرانية في سورية تدريجيًّا، ولم يكن وليد الأشهر الأخيرة فحسب، كما أن الـ “كوريدور” الشيعي الإيراني الذي يعبر العراق وسوريّة لم يكن أمرًا سرّيًّا، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الهيمنة الإيرانية النسبيّة على القرار السياسي والعسكري الروسي، وهذا ما يستدعي التريّث في تبنّي هذه الفرضية دون ربطها بأسباب أخرى أكثر إقناعًا.

 

 ب- استغلال الوقت الانتخابي “الضائع

تستند هذه الفرضيّة إلى رغبة روسية في استغلال الوقت “الضائع”، بين الانتهاء العملي لولاية الرئيس الأميركي باراك أوباما واستلام الرئيس المقبل دونالد ترامب مهمّاته، وهي فترة تُصاب فيها السياسة الأميركية، السياسية والعسكرية، بشبه شلل، عدا ما يتعلّق بالأمن القومي؛ وقد تكون روسيا رأت في هذه الفترة “المشلولة” فرصتها الذهبيّة لتغيير موازين القوى على الأرض، وفرض إرادتها على الأطراف المتصارعة، المحلية والإقليمية، والمُضيّ بمسار سياسيّ للحلّ السوري على طريقتها ووفق رؤيتها، دون أن يكون هناك من يُمكن أن يوقفها عند حدّها، ما دام ما تقوم به لا يُعدّ “خطرًا” على الأمن القومي الأميركي.

ليس خافياً سعي روسيا -من خلال دورها في سوريّة- لإقناع الإدارة الأميركية أو مساومتها على أن يكون لها دور دولي متوسّطي، واستغلالها الورقة السورية لرفع العقوبات الاقتصادية عنها، والاعتراف بشرعيّة ضمّها جزيرة القرم، وإنهاء مشكلة نقل الغاز نحو أوروبا، ومشكلة أوكرانيا، وغيرها من القضايا التي تسعى روسيا لحلها بأسلوب الترغيب والترهيب.

تدعم هذه الفرضيّة ردّات فعل أميركية قد توحي بوجود خلاف كبير بين البلدين حول جميع ما تفعله روسيا، ومن بينها قرار الولايات المتحدة في 27 كانون الأول/ ديسمبر تخفيف بعض القيود على تسليح المعارضة السورية، وقرار البيت الأبيض في التاسع والعشرين من الشهر نفسه طرد 35 دبلوماسيًّا روسيًّا، ردًّا على عمليات موسكو الإلكترونية في الانتخابات الأميركية. لكن أسس الحلّ الذي تتبناه هذه الفرضية، أكثر ليونة من الحلّ الروسي الذي كان مطروحًا قبيل مرحلة جمود الإدارة الأميركية، ولا يمتلك سقفًا مرتفعًا كما يُفترض بنوعٍ كهذا النوع من الضغوط أو استغلال الفرص، وهو ما يوحي بضعف نسبيّ يهيمن على هذه الفرضيّة.

 

ج- استباق الحوادث

الفرضيّة الثالثة تقول إنّ روسيا تجري تغييرات براغماتية استباقية لامتصاص ردّة فعل مُرتقبة من جانب الإدارة الأميركية المُقبلة، وهذه التغييرات تهدف إلى تقريب طبيعة، ونوعية الحلّ الذي تريده روسيا، من الحلّ الذي ستفرضه الإدارة الأميركية الجديدة.

يُعتقد وفق هذه الفرضيّة، أنّ الروس سرّعوا الخطى كثيرًا قبيل استلام الرئيس الأميركي المقبل، لأنهم على يقين بأنه سيعارض سياستهم في سورية بطريقتها السابقة، وسيأتي إلى سدّة الحكم حاملًا قرارات حاسمة وصارمة، لعبت إسرائيل دور المُسرّب لها، وهو ما دفع الروس إلى التحوّل بسرعة من طرف في الحرب إلى وسيط “مقبول”، ما يُخفّف من الصدام مع الإدارة الأميركية المقبلة، ويجعل تمرير الحلّ الوسطي أمرًا مُمكنًا، بعد أن يُثبتوا للأميركيين قدرتهم على صنع السلام، وأنهم فاعلون في الإقليم، ومتوافقون مع الحدّ الأدنى الأميركي، ويستحقّون الثقة.

ومن وجهة النظر هذه، لا بدّ من أن يسعى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لإرساء سياسة تقوم على حدّ أدنى من الرضا الأميركي، والتنسيق الإقليمي والدولي، والـ “شرق أوسطي” تحديدًا، وإلا فإنّه سيواجه، في أضعف الأحوال، بعودة حرب باردة مع الأميركيين، قد لا تكون الأوضاع الروسية الحالية مساعدة للفوز بها، أو لمواجهتها على الأقلّ، وهي لا تُمانع الآن أن تقود الولايات المتحدة الحلّ السياسي بعد أن حجزت روسيا لنفسها موقعًا في الشرق الأوسط عبر سوريّة.

 

د- اليقظة المتأخّرة

قد تبدو الفرضية الأخيرة، لكثيرين، “رومانسيّة سياسيّة”، ذلك لأنّها تستند إلى صحوة روسية متأخّرة جدًّا، وإدراك روسي بأن إستراتيجية دعم النظام السوري كانت خطأ إستراتيجيًّا، أدى إلى خسارة روسيا تعاطف الشعب السوري وصداقته، وتخريب علاقتها مع الدول العربية الرئيسة، وتوتّر علاقتها مع أوروبا والولايات المتحدة، والتسبّب في أزمات اقتصادية داخلية كبرى، وفوضى إرهاب بدأ يطال روسيا نفسها، ومصالحها حول العالم، واغتيال السفير الروسي مؤخّرًا في أنقرة مؤشّر على ذلك.

من المُمكن أن تكون روسيا قد وصلت بالفعل إلى قمة ما يمكن أن تقوم به في سورية، وأيقنت أن ما حقّقته من إنجاز عسكري جزئيّ صعب، هو الحدّ الأقصى، وفضّلت أن تتحوّل إلى صانع نصر سياسي، بعد أن باتت مُحرجة روسيًّا ودوليًّا، وبات من المُمكن أن تنزلق إلى مستنقع يطول أمده بحرب لا يُعرف لها نهاية، فبدأت بترويج خطّة للسلام حتى لو لم تُعجب إيران والنظام، ولضمان مرورها، أتبعتها بـ “رسالة” بأنها يمكن أن تسحب قواتها من سورية، ما يعني رفع يدها عن دعم النظام، وإن استمر القتال فلن تكون روسيا طرفًا فيه، وسيتوقف سلاح الطيران الروسي الذي أمّن “نصرًا” للنظام وإيران، وهذا سيؤدّي بالضرورة إلى احتمال عودة مسار انهيارهما من جديد، خطة سلام تنقل الحلّ العسكري إلى سياسي، ما قد يتوافق -في رأيها- مع مطالب قوى إقليمية ودولية، وعلى رأسها الولايات المتّحدة، وربما لهذا تواصلت أيضًا خلال مشاورات لوقف إطلاق النار مع السعودية وقطر والإمارات ومصر، وبحثت عن دعم في مجلس الأمن عندما قدّمت مشروعها للتصويت عليه هناك.

من الصعب الحكم على جدّية روسيا في هذه الفرضيّة، لكن الواقعيّة السياسيّة تقتضي أخذها جميع المشكلات السابقة في الحُسبان، وأخذ قضايا أخرى لها علاقة بمخاطر دعمها لإيران، واعتمادها على ميليشيات طائفية، سورية وغير سورية، مؤتمِرة بأوامر المرشد الأعلى، وأن تدرك خطأ تمسّكها غير المتناهي بالأسد ورموز نظامه، الذي لا يُمكن أن يكون مقبولًا بعد الآن بالنسبة إلى السوريين وغيرهم من القوى الإقليمية والدولية، وهو ما يُبقي هذه الفرضيّة حيّة.

 

رابعًا: إستراتيجيّات المواجهة.. خلاصات

يبدو، نظريًا، أنّ سياق التغيّر الروسي هذه المرة مختلف، إلى حد ما، عن سياق التغيّرات السابقة التي كانت تتحدّث عنها المعارضة السوريّة؛ وفي جميع الأحوال، يبقى هناك كثير من “الألغام” أمام اتفاق وقف إطلاق النار، وأمام الحل الروسي، وأمام مؤتمر أستانة؛ أهمها أن طهران ودمشق لا تزالان ضد أن تكون حلب آخر المعارك، وتُصرّان على الحسم العسكري في جميع المناطق السوريّة، وكذلك موقف الولايات المتّحدة الغامض والصامت.

يبقى تغيّر الموقف الروسي أفضل من عدمه، حتى لو كان تكتيكيًا أو موقّتًا، وغالبًا سيبقى كذلك، على الأقلّ إلى حين موعد استحقاقين؛ الأول، استلام الرئيس الأميركي الجديد وفريقه مقاليد الحكم، والثاني، دنوّ موعد مؤتمر جنيف (الاستئنافي) الذي تريده الأمم المتحدة في شباط/ فبراير 2017، على أمل أن يتّفق الثنائي الروسي والأميركي على ضرورة وضع حدّ لهذه المسألة الـ “شرق أوسطية” التي طال أثرها جميع الدول التي لها علاقة بها.

هذا الأمر، لا يستدعي بالضرورة الانتظار، وعلى “المعارضة السورية” العمل بسباق مع الزمن، ومحاولة تشريح كل قرار وتصريح روسي بعمق، ومراقبة الواقع الميداني بدقّة، لمحاولة فهم ما يقوم به الروس، والنظام وإيران أيضًا، ودراسة كل جزئيّة، سياسيّة أو عسكريّة، خلال المرحلة الحالية والمقبلة، وجسّ نبض الموقف الصينيّ، ومحاولة استقراء موقف الجمهوريّين الأميركيّين؛ كلّ ذلك من أجل فهم السبب الحقيقي وراء تغيّر الموقف الروسي السريع؛ فبطبيعة الحال، لكلّ سبب من الأسباب آنفة الذكر وسيلة تعامل وتصدٍّ مختلفة، وطريقة استعداد وتحضير أفضل لتحقيق مكاسب أكبر خلال مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار.

إذًا، هناك أسباب متعدّدة مُحتملة لتغيّر الموقف الروسي، قد تكون منفردة أو مجتمعة؛ وفي جميع الأحوال تحتاج بالضرورة إلى استعدادات مختلفة من المعارضة السورية؛ فـ “الاستياء الروسي من التغوّل الإيراني”، أو “الصحوة الروسية المتأخرة”، تستدعي من المعارضة التواصل مع الروس، والتفاهم معهم على أسس لا يُمكن التنازل عنها، وتقديم خطط ملائمة مقبولة يُمكن أن تتبنّاها روسيا، وتُسهّل عليها قرارها، وتُقدّم لها كذلك بديلًا من الحليف الإيراني والأسدي. أمّا “لعب روسيا في الوقت الانتخابي الأميركي الضائع”، أو “استباقها ردّة الفعل الأميركية المرتقبة”، فيستدعي من المعارضة السورية التركيز أكثر على الولايات المتحدة، فالمفاتيح في هذه الحالة هناك، حيث سيكون القرار الأميركي هو الفيصل لجميع ما سيأتي.

في العموم، يبدو أن جميع الأطراف، باتت لا تمتلك الوقت الكافي، وأصبحت تُدرك أن أيًّا منها لا يمكن أن يملك منفردًا الإمكانات الاستراتيجية أو العسكرية أو حتى السياسية لوقف ما يجري في سورية، ومن غير المفاجئ أن يسعى الجميع لحلّ، لكن على “المعارضة السورية” استغلال كل ما يُمكنها من حنكة لضمان ألّا يتحوّل التغيير الروسي المهم إلى تغيّر تكتيكي عابر، تعقبه عودة عير محمودة إلى السّلاح.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق