أبحاث ودراسات

المستقبل العربي.. بين الحلم الديمقراطي ولا عقلانية الطروحات البديلة

هل فشلت “الديمقراطية” في دول الربيع العربي؟

وهل يمكن لطروحة “المستبد العادل” أن تكون بديلًا واقعيًا لها؟

مسألة فشل الديمقراطية يروجها بكثرة أعداء الديمقراطية في العالم العربي من مواقع شتى.. أهمها أولئك الخاسرون من أنصار الأنظمة الاستبدادية التي سقطت بفعل ثورات الشعوب عليها، ويطرحونها سؤالًا يجيبون عنه بالإيجاب؛ بحجة أن الأوضاع الأمنية والاقتصادية تدهورت –على الرغم من اختلاف الدرجات– في جميع دول الربيع العربي، حتى أننا في مصر شهدنا أول (انقلاب عسكري) على حاكم منتخب ديمقراطيًا، وبما أنه من الحماقة أو الصفاقة –أو كلتيهما معًا- أن نطرح الاستبداد، (أو الدكتاتورية) المجردة بديلًا للديمقراطية؛ لأن الدكتاتورية تخرب الأمن الحقيقي والاقتصاد والثقافة.. وجميع جوانب الحياة في أي بلد يبتلى بها، ولأنها تخلق من التناقضات في أي مجتمع يصاب بها ما يدفع الشعب إلى الثورة على الديكتاتوريين من أجل إيجاد نظام أفضل، يطرح بعضهم بديلًا آخر لكل من الديكتاتورية والديمقراطية الفاشلتين -برأيهم- وهو (المستبد العادل)، والمصطلح بحد ذاته يعود إلى جذور دينية في تاريخنا العربي الإسلامي، لكن بوصفه فكرة لا يقتصر على “الإسلاميين” وحسب، بل يطرح –وإن اختلفت المسميات- من عدد ممن يزعمون أنهم “مدنيون” أو حتى “علمانيون”، وفي ما يلي سنناقش ما تقدم من أفكار.

قبل الكلام عن الديمقراطية، يجب ألا ننسى أو نتناسى أن الديمقراطية ليست وصفة جاهزة لنطبقها في خطوة واحدة.. ثم ننتظر بعض الوقت لتظهر النتائج التي نحكم عليها بالنجاح أو الفشل، وهي لا تقتصر على الانتخابات فحسب، فالديمقراطية نظام متكامل.. يبنى تدرّجًا، ولا يطبـّق، هي أسلوب ومنهج في إدارة الدولة والمجتمع، وليست خطة محددة ذات مدة محددة، وأهم من كل ذلك هي ثقافة.. يجب السعي إلى تحقيقها، ومن أهم أسس تحقيق الديمقراطية سياسيًا: فصل السلطات.. تداول السلطة.. حرية التحزب والاجتماع والتظاهر.. حرية الرأي والمعتقد والتعبير.. حرية واستقلال الإعلام.. فصل الدين عن الدولة… إلخ.. ومن أهم آلياتها الانتخابات.. وجود الأحزاب والنقابات والمجتمع المدني.. التظاهر والاعتصام والإضراب.. ولا يمكن تحقيق كل هذا والانتقال من مجتمع ديكتاتوري إلى ديمقراطي دفعة واحدة وخلال فترة وجيزة، فالانتقال لا يكون إلا بالتدريج وعلى مراحل، ولا أحد يستطيع تحديد المدة الزمنية التي تحتاجها المرحلة الانتقالية ولا الثمن الذي سيدفع خلال هذه المرحلة، فمهما طال الزمن وغلا الثمن يجب أن نعي أن هذه حالة لا مفر منها ولا بديل عنها.. وأنه لا خيار آخر أمامنا، والمسؤول عن ارتفاع الثمن وطول الزمن ليست الديمقراطية، بل الديكتاتورية السابقة، الديكتاتورية التي بقدر ما يطول زمنها، سيبقى سقوطها حتمية لا مفر منها، ولكن ستكون تداعيات هذا السقوط أوخم.. ومدة الخلاص منها أطول، وعندما يكون المجتمع غير جاهز (لتطبيق) الديمقراطية، لا يكون البديل بقاء الديكتاتورية، فاستمرار الديكتاتورية لن يجعل المجتمع أبدًا مناسبًا للديمقراطية، بل العكس، وهذا ما ستفعله الديكتاتورية إما عن قصد بهدف الحفاظ على ذاتها كونها نقيضة الديمقراطية.. أو بدون قصد بسبب طبيعتها المفسدة للمجتمع وللفرد، لكن لا الديمقراطية (تطبـّق) ولا الديكتاتورية تزول طوعًا أو تزال بقرار، فالديمقراطية تتحقق عمليةً ممنهجة متدرجة متواصلة، والديكتاتورية تسقط رغمًا عنها.. وسقوطها حتمي، لأنها بذاتها غير قابلة للاستمرار.. إنها بطبيعتها تدمر بنفسها مقومات بقائها، والديكتاتورية التي لا تدمر مقومات بقائها مستحيلة الوجود، إلا أن ما يزيل الديكتاتورية ليست الديمقراطية، فببساطة في أثناء وجود الديكتاتورية لا يكون ثمة أي وجود للديمقرطية، فهل يمكن لهذه أن تقضي على تلك وهي معدومة طالما أن الأخرى موجودة! إن ما يقضي على الديكتاتورية هي الثورة.. الثورة الحتمية التي تسببها الديكتاتورية بنفسها، وتحدث نتيجة حدة التناقضات المختلفة التي تخلقها في الدولة والمجتمع، ولا يمكن للثورة أن تكون خيارًا أو قرارًا، لكن بقدر ما تكون الثورة مالكة لقوى منظمة واعية تكون قادرة على خلق البديل الأفضل، أي الديمقراطية وفي حالة العكس.. قد تؤدي إلى فوضى هدامة.. أو إلى إعادة خلق ديكتاتورية أخرى، وربما أسوأ من السابقة، لكن لا الفوضى تدوم.. ولا الديكتاتورية الجديدة تبقى، وستكرر المسألة إلى أن تبدأ الديمقراطية بالتحقق.

إن أحسن المراحل الانتقالية لا تعطي نتائج إيجابية مباشرة، والأمور في البداية ستسوء ولا يمكننا تفادي ذلك إلا في حالة حصول انتقال إصلاحي تدريجي، أي أن يقبل الديكتاتور بالتنازل عن سلطاته وامتيازاته تدرّجًا -مقابل ضمانات ما– وهذه حالة نادرة الحدوث، ومع ذلك تبقى مسألة عدم تردي الأمور في بداية الانتقال غير مضمونة، لكن احتمال ألا تسوء كثيرًا يصبح أكبر، وهذا على أي حال خيار أقل كلفة –إن كان ممكنًا- من حالة الثورة، ولا سيما الثورة المسلحة ذات الكلفة الباهظة.

بعد ما تقدم سنحاول في ما يلي الإجابة عن بعض الأسئلة المحددة، وسنبدأ بسؤال:

– لماذا الديمقراطية؟

ليس لأنها حل سحري، بل لأنها النظام الوحيد الصالح للحكم، ففيها –من حيث المبدأ- يمكن لجميع فئات الشعب وأفراده المشاركة بالتساوي في إدارة شؤون الدولة والمجتمع، وعندما يتحقق هذا سينال الجميع حقوقه وسيتحقق العدل ويسود السلام، ولن تكون هناك صراعات تؤدي إلى انهيار هذا النظام، بل على العكس سيكون بمقدور هذا النظام أن يتطور دومًا وأن يصبح أقوى وأرسخ وأفضل.

 

– ما العمل عندما يكون الشعب غير مؤهل لتطبيق الديمقراطية؟

الديمقراطية –بالطبع- نظام متكامل، ولكنها لا تطبـّق، بمعنى آخر لا يمكن إنجازها بخطوة واحدة.. وخلال مدة وجيزة، فأمام مثل هذه المهمة ستكون جميع الشعوب غير قادرة على تطبيق الديمقراطية! الديمقراطية تـُحقق في تدرج وتواصل، ولن يتحقق شيء منها قبل أن يكون الشعب مؤهلًا لتحقيقه، فمسألة الأهلية مرتبطة دومًا بالقدرة، فإذا كان الشعب قادرًا على تحقيق الديمقراطية.. فهو -بكل تأكيد- مؤهل لتطبيقها، طبعًا هذا يتحقق بالتدريج، لكن إذا كان الشعب غير قادر على تحقيق الديمقراطية، فسيصبح السؤال عن أهليته لتطبيقها عبثيًا، لأن الديمقراطية في هذه الحالة لن تأتي ولن تكون موجودة لنسأل عمن هو مؤهل لها، ولن يبقى إلا احتمال فرضها من الخارج، وهذا يعني مصادرة إرادة شعب (غير قادر على التطور) من قوة أجنبية بهدف تطويره، وهذه الحالة تشبه من حيث المبدأ حال وضع حدث جانح في إصلاحية بغية إصلاحه، وبما أن مصادرة إرادة شعب من قوة أجنبية تقتضي منها استعماره بالشكل القديم أو الحديث، فهل من الممكن تسمية هذه القوة بـ “المستعمر العادل” أو “المستبد العادل الأجنبي”؟! هذا وضع لم ولن يعرفه التاريخ، فجميع حالات الاستعمار المعروفة كان شغلها الشاغل استغلال الشعوب التي تستعمرها بأقصى ما يمكن.. وإبقائهم من أجل ذلك في أسوأ حالات التخلف.

– هل هناك شعب غير قادر على تحقيق الديمقراطية؟

من حيث المبدأ، هذا السؤال يشبه السؤال عن وجود كائن حي لا يستطيع النمو، فالجواب هو لا، الذي لا ينمو هو الميت وليس الحي، لكن القدرة على النمو تختلف بين كائن وآخر تبعًا لعوامل ذاتية وموضوعية، وهذا الكلام ينطبق على الشعوب، لكن على أرض الواقع، الأمر مرهون بمدى التطور الاجتماعي لأي شعب، فالديمقراطية لم تولد مع ولادة البشر، وبداية الانتقال إلى الديمقراطية تطلبت آلاف السنين من التطور، ومسألة الديمقراطية بارتباطها مع درجة التطور تشبه الصناعة، فالصناعة الثقيلة هي سمة الشعوب العالية التطور، والصناعة البدائية سمة الشعوب البدائية، وكذلك هو الحال مع أنظمة الحكم، فالبدائي لديه نظام حكم بدائي والمتطور لديه نظام متطور هو الديمقراطية، وهناك أنظمة تقع بين هذا وذاك، لكن من يقرر متى يكون الشعب مؤهلا للديمقراطية أم لا.. وبناء على ماذا؟ الجواب هنا يشبه الجواب عن السؤال عن قدرة الطفل الصغير على المشي، فلا أحد يستطيع أن يحدد في أي عمر يمكن للطفل أن يبدأ المشي وليس هناك أي معيار قطعي يمكن وضعه، والوضع هنا مرهون بالطفل وحده، فمتى أصبحت لدى الطفل القدرة البيولوجية على البدء بالمشي سيبدأ بالمشي، وكذلك حال أي شعب.. فعندما يبدأ هذا الشعب بالسعي لتحقيق الديمقراطية، فهذا هو المعيار القطعي الوحيد على أن هذا الشعب بات مؤهلًا للديمقراطية، وكما أن الطفل لا يتعلم المشي دفعة واحدة، فهو سيحاول الخطو.. ويقع في البدايات.. وينهض.. ثم يقع.. ويعيد المحاولة.. وهكذا دواليك حتى يتقن المشي، كذلك الشعب الذي يسعى لتحقيق الديمقراطية، سيحاول ويفشل.. ثم يحاول وقد يفشل.. وسيستمر بالمحاولة إلى أن يبدأ بالنجاح.

– هل تفشل الديمقراطية؟

الديمقراطية لا تفشل، والكلام عن فشل الديمقراطية يشبه الكلام عن فشل العلم، فالعلم لا يفشل -من حيث المبدأ-، العلم لا يفشل عندما يـُحصل عليه ويـُستثمر بالشكل الصحيح، وفي حدود حيثياته الموضوعية، فالسفر إلى المريخ اليوم ما يزال غير ممكن، وهذا لا يعد فشلا للعلم الذي لم يتطور بعد إلى هذه الدرجة، لكن السفر إلى القمر بات ممكنا، ولو أن دولة ما قررت اليوم إرسال روادها إلى القمر وفشلت، فهذا لا يعني أن العلم هو الفاشل، ولا أن هذه الدولة فاشلة علميًا، بل يعني فحسب فشل هذه الدولة في محاولتها الحالية في السفر إلى القمر بسبب عدم كفاية معرفتها بعلوم وتكنولوجيا الفضاء، وهذا ما يمكن تجاوزه وتفاديه في محاولات لاحقة، ولو أن دولة أخرى أكثر تقدمًا حاولت اليوم إرسال رواد إلى المريخ وفشلت، فهذا لا يعني فشل العلم بالمطلق في مسألة السفر إلى المريخ، بل يعني أن علماء هذه الدولة أخطؤوا في شيء ما في التعامل مع ما وصلوا إليه من تقدم علمي، فقد يكون الخطأ في تطبيق معارف علمية كافية، أو يكون في المبالغة في تقدير معارف علمية غير كافية، لكن هذا لا يعني أن القضية ستقفل عند هذا الحد، بل يعني وجوب مواصلة العمل المنظم الدؤوب في هذا المجال، والمحاولة من جديد، وسيتحقق النجاح في النهاية، وليس هناك من بديل.. إلا إذا قررت هذه الدولة إنهاء برنامجها الفضائي أو إرجاؤه، وهذا لن يكون في صالحها في كلتا الحالتين، هذا المثال قابل للتعميم ، فالفشل لا يكون في العلم نفسه، الفشل يكون في محاولة التعلم أو كسب العلم، أو في سوء التعلم، أو سوء تطبيق العلم، وفشل المحاولة لا يعني قطعا فشل الغاية، وإذا كانت البشرية تحلم منذ بداية وجودها بنظام حكم أمثل، ولم تحققه بعد ، فهل يعني هذا فشل (نظام الحكم الأمثل) ؟ فلنحققه أولا لنرى إن كان سيفشل أم لا، فإذا تحقق -وهو الأمثل- فمن المستحيل أن يفشل! وكذلك هو حال الديمقراطية، الديمقراطية لا تفشل أبدًا، وأبدًا لا يفشل في تحقيقها، الذي يفشل هو محاولة أو أسلوب البدء أو الاستمرار في تحقيق الديمقراطية، ومن يفشل عليه إعادة المحاولة عندما لا يكون لديه بديل يسعى إليه، والديمقراطية لا بديل عنها.

– هل فشلت الديمقراطية في بلدان الربيع العربي؟

وهل أُنجزت الديمقراطية في بلدان الربيع العربي لنحكم عليها؟ هناك محاولات انتقالية باتجاه الديمقراطية في هذه البلدان، هذه المحاولات (لم تنجح بعد) في إعطاء نتائج إيجابية وازنة، وهذا يعني أن الديمقراطية كنظام متكامل ما تزال غير موجودة في هذه البلدان، فبأي منطق نقول أنها فشلت قبل أن توجد؟! ولكي يكون للسؤال معنى دعونا نسأل عما إذا كان العرب قد فشلوا في تحقيق الديمقراطية، وبما أن الديمقراطية تحقق بتدرج متواصل، يصبح السؤال: (هل فشلت محاولات العرب للانتقال إلى الديمقراطية)؟ فإذا كان الجواب نعم كليًا، فهذا لا يعني أنه يجب عليهم التوقف عن المحاولة أو أن المحاولات التالية ستفشل، والوضع هنا يشبه حالة مريض جرب وصفة دوائية معينة ولم تشفه، فهل يعني هذا أنه لا وجدود للعلاج أو أن الشفاء مستحيل؟ إذا كان الأمر كذلك؛ فهذا يعني الاستسلام للمرض.. وبعده الهلاك، فهل هذا هو البديل الصحيح للعلاج؟! بالطبع لا، ولا خيار أمام هذا المريض ببساطة سوى مواصلة مساعيه العلاجية بشكل آخر.. وهذا بالطبع لا يعني أن يكرر الدواء نفسه، بل أن يجرب أساليب أخرى مع الطبيب نفسه، أو يحاول مع طبيب آخر، لكن قطعًا لا يكون الحل بالتوقف عن العلاج، أو الذهاب إلى عطار أو مشعوذ، و(المستبد العادل) المطروح بديلًا للدبموقراطية هو في أحسن الأحوال عطار.. والأرجح أنه مشعوذ.

ما يجري في بلدان الربيع العربي ليس على الإطلاق فشلًا للديمقراطية، فالمحاولات ما تزال مستمرة، وهناك نتائج وإن كانت مغمورة، وعدة سنوات من السعي في هذا السبيل ليست بتاتًا مدة طويلة، بل على العكس هي مدة قصيرة بعد تلك الديكتاتوريات المزمنة التي ابتلينا بها، وحالنا اليوم حال من أصيب بمرض مزمن خطِر ثم بدأ يتعافى، هذا التعافي يحتاج إلى زمن قد يطول إلى أن يتحقق الشفاء، فهل تتوقعوا لمصر -مثلًا- أن تقفز قفزة مارد على طريق الديمقراطية بعد ثلاثة عقود من ديكتاتورية مبارك وقرابة عقد من دكتاتورية السادات، وحوالي عقد ونصف من مشروع (المستبد العادل) غير الناجح لعبد الناصر، فضلًا عن سنوات المـَلـَكية وعقود الاستعمار البريطاني.. وقبلها قرون الاحتلال العثماني، وهكذا دواليك.. وهذه جميعها أزمنة طغيان وفساد، ومن ينظر إلى هذا التاريخ.. الذي لا يختلف بشيء يذكر بين دولة عربية وأخرى بعين منصفة، سيتفاءل لأنه انتهى، نعم إنه تفاؤل حزين.. بل جد حزين، فالأثمان باهظة ولكن هل من بديل؟

– هل الديمقراطية هي المسؤولة عن تردي الأوضاع في بلدان الربيع العربي؟

كما سلف الذكر، بما أن الديمقراطية لم تتحقق بعد، أي لم توجد بعد.. فمن العبث تحميل المسؤولية لما هو غير موجود، ولكن هذا الكلام قد يبدو سفسطائيًا، لذا؛ دعونا نتساءل عن دور المساعي الديمقراطية في حالة تردي الأمن وتدهور الاقتصاد في مصر مثلًا، فهل السبب في ذلك الانتخابات؟ أم تعدد الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني؟ أم وجود العديد من وسائل الإعلام المستقلة والخاصة؟ أم وجود قضاء غير خاضع كليًا لحاكم مطلق؟ أم السماح، والأصح القدرة على التظاهر والإضراب؟ هذه بعض المنجزات الديمقراطية في مصر.. فهل هي المسؤولة عن تردي الأمن الذي يشكل السبب الأكبر لتدهور الاقتصاد؟ قد يقول قائل إن الجيش والشرطة في مصر لا يمكنهما في ظل هذه الأوضاع شبه الديمقراطية فرض الأمن.. وأن الأمر يحتاج إلى صرامة وحزم لا يوفرهما إلا النظام الديكتاتوري، لكن أبسط إثبات لبطلان هذه الحجة هو ما فعله الفريق السيسي، فإذا كان بمقدور وزير الدفاع أن يعزل رئيسًا منتخبًا بشكل شرعي –حتى وإن كانت هذه الشرعية موضوع مساءلة– فهل يمكنه القول أنه لا يتمتع بالصلاحيات الكافية لفرض الأمن، واقع الحال أن الجيش والشرطة في مصر يتمتعان بصلاحيات أكثر من المطلوب لتحقيق الأمن.. ولديهما من القدرة ما يكفي ويزيد، ولكن هناك كثير من كبار المسؤولين في الجيش والشرطة لا يريدون للأمن أن يستتب.. وإلى جانبهم يقف كثير من رجال المال الذين لا يريدون للاقتصاد أن يستقر، لأن كلا الفريقين لا يريد لدولة الديمقراطية أن تنجح، فهي تتناقض مع مصالحهم، إنهم يريدون عمدًا إفشال الديمقراطية، لكي يتمكن العسكر من العودة إلى الحكم من بوابة (المستبد العادل) أو (غير العادل)، ويعود إلى جانبهم (قوارين) المال الفاسد، وهكذا أمام تقاعس الجيش والشرطة في موضوع الأمن وعرقلة الاقتصاد من فاسدي رجال الأعمال تتدهور الأوضاع، إذ يشجع التراخي الأمني المجرمين على زيادة نشاطهم الإجرامي، ويغري قسمًا من ضعاف النفوس بالدخول في عالم الجريمة، كما يدفع تردي الاقتصاد كثيرًا من الناس الطيبين رغمًا عنهم إلى سوء السبيل هذه، فضلًا عن الفرصة الذهبية التي تجدها القوى السلفية المتطرفة والعناصر العميلة لقوى خارجية معادية في هذه الأوضاع لممارسة نشاطها الهدام، وجميع هذه الأوضاع تنعكس سلبًا على الشريحة النظيفة من رجال الأعمال -وهي أساسًا شريحة صغيرة مغمورة- فتعيق أعمالهم؛ ما يزيد في تردي الوضع الاقتصادي الذي سيؤدي بدوره إلى زيادة تردي الوضع الأمني، لتعود هذه الزيادة لتنعكس بدورها مزيدًا من التردي على الوضع الاقتصادي الذي سيقود بدوره إلى مزيد من التردي الاجتماعي والأخلاقي.. وهكذا دواليك؛ ما يغرق البلاد في دوامة جدلية تأثير التردي المتبادل بين الأمن والاقتصاد والأخلاق، وهذا جميعه يصب –طبعًا- في خانة أعداء الثورة، فضلًا عن الخلافات بين حلفاء الأمس من القوى الثورية واختلاف الأهداف، وعن ضعف الخبرة العام في ميدان العمل السياسي، وما نقوله عن مصر فيه كثير مما ينطبق في خطوطه العريضة على تونس، وكثير منه له ما يماثله في ليبيا، على الرغم من أن لأي بلد من هذه البلدان خصوصيات بالطبع، أما بقية بلدان هذا الربيع، فهي ما تزال تخوض صراعات دامية، والحديث فيها عن فشل أو نجاح الديمقراطية ليس له أي معنى، فإن لم تكن الديمقراطية هي الحل، فما الحل؟

– هل يمكن للديكتاتورية العادلة أن تكون حلًا؟

لن نستعجل الحكم! بل سنتكلم بالمنطق حول هذه القضية، والمنطق يرغمنا على السؤال عن مشروعية أي حاكم أو نظام ديكتاتوري؟ أي: أن نسأل أي” ديكتاتور عادل” مفترض عمن أعطاه الشرعية والحق ليحكم؟ فهل سيحكم بموجب حق إلهي؟ هذا كلام يرفضه العقلانيون والعلمانيون، ويتنازع فيه المتدينون من أتباع الأديان المختلفة، بل والمذاهب المختلفة في الدين نفسه ، بل -وحتى- الجماعات المختلفة في المذهب نفسه!

إذن؛ لا حق إلهيًا يمكن لهذا الأمر أن يتحقق بموجبه، وعلى هذا الحق أن يأتي من مصدر- أو مصادر- أخرى! فما هذه المصادر؟ ! هل يمكن للديكتاتور العادل المزعوم أن يقول لقد أعطيت الحق لنفسي بالحكم؟ هل هذا مقبول ؟ بإمكان أي كان أن يرد عليه بالقول: بصفتك مَن لتعطي نفسك هذا الحق .. ومن فوضك في ذلك، وهل يحق لك ذلك ؟- هذا من ناحية- ومن ناحية ثانية- يمكن ببساطة لغيره أن يعطي -بدوره – لنفسه هذا الحق، فتكون النتيجة نزاعًا وصراعًا بين من يزعمون بأنهم أصحاب حقوق بالاستبداد العادل!

– إذن؛ هل يمكن الاعتماد على “النخبة” لاختيار هذا المستبد العادل؟!

هذه فكرة قد تبدو معقولة للوهلة الأولى، ولكن المشكلة لم تحل بعد؟ فمن سيحدد تكوين وعضوية هذه النخبة؟ ومن الذي سيختارها؟! ومن الواضح أنه لا يمكن لأي مجموعة منظمة أن تدعي أنها النخبة المزعومة، لأنها لا تملك الحق في ذلك، ولأن مجموعات أخرى قد تدعي الإدعاء نفسه.. وستقود هذه الإدعاءات إلى نزاعات وصراعات، وحتى إن اتفقت في ما بينها، سيبقى عليها أن تجيب عمن قرر أنها نخب… وعمن وضع المعايير في ذلك!

بعد استثناء ما تقدم.. يبقى أمامنا خياران:

– إما أن يفرض هذا “المستبد العادل” المزعوم من قوة خارجية!

– وإما أن يختاره الشعب.. ثم يعطيه صلاحيات مطلقة في الحكم!

إن الخيار الأول يقتضي منا منطقيًا -على الرغم من خياليته- إنشاء هيئة عالمية معترف بها من الجميع.. ليكون قرارها بفرض “مستبد عادل” على شعب غير مؤهل على حكم نفسه بنفسه مقبولًا، ولكن لكي يكون قرار هذه الهيئة مقبولًا من هذا الشعب.. يجب أن تحظى هذه الهيئة باعتراف هذا الشعب نفسه بهذه الهيئة، وهذا سيوقعنا في تناقض لا مخرج منه.. فإذا كان هذا الشعب غير قادر على حكم نفسه بنفسه، فإن قراره بتفويض آخر ليحكمه أو ليختار له حاكمًا سيكون قرارًا باطلًا.. لأن الشعب العاجز عن حكم نفسه.. هو شعب قاصر، ولا قيمة لقراراته المتعلقة بالحكم! وهذا يعني أن قرار أي شعب قاصر (سياسيًا) بتفويض هيئة سياسية عالمية لتختار حكامًا لأمثاله هو قرار باطل، لكن بدون هذا القرار سيكون أي قرار تتخذه هذه الهيئة باطلًا لأنها لا تحظى باعتراف الجميع، وبوجود قرار باطل في تفويضها سيكون قرارها باطلًا لأنه مبني على باطل.

هنا قد يقول قائل أنه يمكن إنشاء مثل هذه الهيئة بدون مشاركة الشعوب القاصرة، وهذا سيقودنا إلى فكرة “نخبة دولية” يحق لها أن تقرر من هو الشعب القاصر والشعب غير القاصر، وسيعيدنا إلى إشكاليات “النخبة الداخلية” نفسها، وستتكرر الأسئلة نفسها عمن يحق له اختيار هذه النخبة!

هذا يعني أنه لم يبق أمامنا إلا خيار واحد، وهو أن يختار الشعب بنفسه “مستبده العادل”، ولماذا عليه أن يفعل ذلك؟ لأنه شعب غير قادر على حكم نفسه بنفسه؟! حسنًا إذا كان الأمر كذلك، هل يمكن لمثل هذا الشعب أن يختار بشكل صحيح مستبدًا عادلًا؟! والجواب لا.. إن عجز شعب ما عن حكم نفسه بنفسه.. يعني عجزه عن اختيار حكامه الذين سيحكم نفسه بنفسه من خلال تفويضه لهم بالحكم، فإن كان الشعب عاجزًا عن مثل هذا الاختيار، فهذا ينطبق كليًا على اختيار المستبد العادل! وإذا كان الشعب قادرًا على الاختيار، فما حاجته لمستبد عادل يعطيه صلاحيات مطلقة، ويتخلى له عن جميع سلطاته؟ أو ليس من الأفضل لهذا الشعب أن يختار -وهو القادر على الاختيار- حكامًا ديمقراطيين ويبقيهم تحت رقابته.. ويخضعهم لمساءلته؟!

ما تقدم يكفي لإسقاط مشروعية فكرة “المستبد العادل” منطقيًا، ويبين استحالة شرعية تأسيسها على مبدأ شرعي مقبول!

لكن لن نكتفي بما تقدم، بل سنتابع النقاش في إمكانية تطبيقها على أرض الواقع!

لنفرض الآن أن شعبًا اختار بملء إرادته حاكمًا ثم فوضه بالحكم تقويضًا كاملًا، فما الضمانات أن هذا الحاكم المطلق الصلاحية سيحقق العدل؟ وسيعمل لصالح شعبه؟

إنه قد يخطئ عن قصد أو غير قصد، فمن سيتصدى لأخطائه، ومن سيراقبه وسيحاسبه، وكيف سيجري ذلك، وهو الآمر الناهي من الألف إلى الياء؟ إن العلاقة بين الحاكم المستبد والمحكومين تسقط مفهوم الشعب من حسابها، ففي الاستبداد يصبح الشعب مجرد رعية، والحاكم هو الراعي، فما ضمان أن هذا الراعي سيكون صالحًا.. وما العمل إذا غدا هذا الراعي أخطر من الذئب على القطيع؟

قد يقول قائل أن الضمان بسن قوانين تحدد صلاحية هذا الحاكم قبل تفويضه الكامل بالحكم! هذا الكلام متناقض لأن التفويض الكامل بالحكم يعني إعطاء الحاكم سلطة لتجاوز وإلغاء وسن أي قانون يريد، أما الحاكم الخاضع لقوانين وملزم بتشريعات فليس حاكمًا مطلقًا، ولا ينطبق عليه مسمى “المستبد”! ومع ذلك؛ لنفترض أن هذا الحاكم -مثلًا- أُعطي صلاحيات تنفيذية كاملة، ضمن صلاحيات تشريعية محددة، دون أن يكون هناك من يراقبه ويحاسبه، فما الضمان أن هذا الحاكم سيحكم بما أعطي له من صلاحيات، وأنه لن يتجاوز ما يلزمه من قوانين؟ وماذا على الشعب أن يفعل عندما يتحول الحاكم الذي حُكـّم ليكون ”مستبدًا عادلًا”، إلى ديكتاتور فاسد ظالم؟ كيف سيلغي الشعب عقده مع هذا الحاكم.. ويستعيد منه ما أعطاه إياه من إمكانيات؟ هل سيلجأ الشعب إلى البرلمان مثلًا.. أم إلى القضاء.. أم إلى الاحتجاجات السلمية كالتظاهر والاعتصام والإضراب وما شابه؟ هذا جميعها لن تفعل شيئًا، فالحاكم المستبد -أو الحاكم المطلق- من حيث المبدأ لا يخضع لسلطة القضاء ولا لسلطة البرلمان، ولا لدستور أو قانون، وفي نظم الاستبداد لا وجود لانتخابات ولا لجميع أشكال الاحتجاج، وممارسة العمل السياسي ممنوعة كليًا، وإلا لن يكون نظام الحكم استبداديًا، فتقسيم السلطات إلى تنفيذية وتشريعية وقضائية، وتحديد صلاحيات كل منها، وإخضاع السلطة التنفيذية لرقابة السلطتين التشريعية والقضائية، وتمكين العمل السياسي والمعارضة والاحتجاج السلمي هذه جميعها -سواء كانت ضعيفة أو قوية- في أي دولة هي آليات ديمقراطية، ومن يطالب بنظام “مستبد” عادل فيه بعض أو كل ما تقدم يخلط بين الديكتاتورية والديمقراطية، ويطالب بنظام هجين، نظام لا يمكنه أن يتحقق على أرض الواقع، فحين تعطى السلطة التنفيذية صلاحيات كاملة، أو واسعة تكسر التوازن بينها وبين السلطتين الأخريين، ستتغول عليهما وعلى الشعب، وتهمش -إن لم تلغ- دورهما ودور الشعب معهما، لتتفرد وحدها بالهيمنة على الدولة وتسييرها حسبما تقتضي مصلحتها هي، وليس مصلحة شعبها!

إن فكرة “المستبد العادل” تطلب من الشعب أن يضع رقبته تحت رحمة حاكم مطلق الصلاحيات بلا أي ضمانة، فهل يكفي التعويل على كرم أخلاق هذا الحاكم؟! إن كرم الأخلاق.. لا يركن إليه وحده في التعاملات اليومية البسيطة بين عموم المواطنين، الذين ينظمون علاقاتهم بضمانات قانونية أو اجتماعية، حتى في حال ثقتهم بأخلاق بعضهم، فهل ستكون الأخلاق هي الضامن الوحيد لحسن سلوك الحاكم المستبد؟ ما الضمان بأن هذه الشخص لن يتغير عند حصوله على جميع تلك الصلاحيات؟ وهل يمكننا من الأساس الثقة الكاملة في أخلاق أي شخص مهما بدا أنه شخص صالح وهو بشري.. وليس إلهًا؟! هذه الضمانة ضمانة في منتهى الهشاشة، فما العمل عندما يحكم الحاكم المستبد حكمًا لا أخلاقيًا؟ وينتشر الظلم والفساد ؟! وليس هناك من رادع له! هنا لن يكون أما الشعب إلا أن يثور على هذا الحاكم المستبد الفاسد، والثورة دائمًا باهظة التكاليف، فإن انتصرت الثورة.. هل ستطرح من جديد فكرة “المستبد العادل” أم ستلقى في سلة المهملات؟ وإن خسرت الثورة.. فلن يستمر الاستبداد طويلًا، بل ستجدد الثورة -أو الثورات- حتى إسقاط المستبد والاستبداد في النهاية، وعندها لن يكون أمام الشعب إلا الخيار الديمقراطي!

– ما احتمال نجاح نظام “المستبد العادل” على أرض الواقع؟!

هذه الفكرة بحد ذاتها شديدة الالتباس، فإن عنت “حكم الفرد المطلق” فهي فكرة غير واقعية قطعًا، لأن أي حاكم مهما كان قوي الشخصية، وواسع الحيلة، وخبيرًا في شؤون الحكم، لا يستطيع الحكم بدون حاشية وأعوان، وهؤلاء لن يكونوا مجرد أدوات تنفيذية -أو خدم مأمورين- عند هذا الحاكم، بل هم في المحصلة شركاؤه بدرجة أو بأخرى في كعكة الحكم، مهما كان نصيبه كبيرًا منها! وهذا يعني أن الحكم دائمًا عبارة عن منظومة أو نظام، و إذا كانت ضمانة صلاح هذا النظام هي –فحسب- شهادة حسن أخلاق رأس هرمه، فهذه لن تكون كافية بحال من الأحوال، فمن سيضمن حسن أخلاق بقية أعضاء هذا النظام على بقية مستوياته.. وعلى كافة امتداداته؟!

هنا من الممكن طرح فكرة إنشاء أجهزة رقابة داخلية في هذا النظام، وهذه فكرة معقولة نظريًا، لكن احتمال فشلها أكبر بكثير من نجاحها! فعندما تنشأ “كتلة حاكمة” متفردة بالحكم ستزداد الإغراءات والإغواءات كثيرًا، ويعلو معها مستوى حضور الفساد في هذه الكتلة، حتى تصبح نسبة الفساد هي الغالبة، بحيث لا يعود بمقدور أجهزة الرقابة مكافحتها، إما بسبب فساد هذه الأجهزة نفسها، أو بسبب تحولها إلى الفئة الأضعف في المنظومة، وإن لم تصبح نسبة الفساد غالبة، فقد تبلغ من الحجم مبلغًا يصبح معه القضاء عليها مهددًا لبقاء “الكتلة الحاكمة” نفسها، وهنا ستفضل الكتلة التغاضي عن أعضائها الفاسدين، بدلًا من القضاء عليهم وعلى نفسها معهم، وهنا تتحول هذه الكتلة إلى عصابة، يعي كل عضو من أعضائها مصلحته المشتركة مع بقية أعضائها، ويدركون جميعًا أن هذه المنظومة تستمد قوتها من المحافظة على أعضائها وعلى قوة هؤلاء الأعضاء، وهكذا لن تعود أخلاق رأس الهرم أكثر من رشة من المساحيق التجميلية على وجه عصابته الحاكمة القبيح، ولن يتعدى دور أجهزة رقابته إلا إضافة بعض الروتوشات إلى هذه الرشة عديمة النفع، ولن تتعدى مكافحة الفساد حد التضحية ببعض الأذناب عديمي القيمة والتأثير على سلامة العصابة الحاكمة المستبدة الفاسدة، التي لن يزيدها فسادها إلا قمعًا؛ لأنها كلما ازدادت فسادًا زاد خوفها من قيام الناس عليها، وكلما زاد قمعها زاد فسادها لأن كثيرين فيها سيعتقدون أنهم بإفراطهم في القمع يحمون أنفسهم من ردة فعل المحكومين على فسادهم واستبدادهم، وهكذا تدخل الدولة في متلازمة تعاضد وتنامي الفساد والاستبداد، التي ستؤدي في النهاية إلى ثورة الشعب على المستبدين الفاسدين، على الرغم من الأثمان الباهظة لهذه الثورة، فإن انتصرت لن يكون أمامها إلا الخيار الديمقراطي، وستلقى فكرة “المستبد العادل” في سلة المهملات، وإن خسرت.. فعاجلًا أم آجلًا ستتكرر المحاولات الثورية؛ حتى يسقط الاستبداد والفساد!

– ما جذور فكرة المستبد العادل؟!

طُرحت هذه الفكرة كثيرًا في تاريخنا العربي والإسلامي، وأكبر دليل على فشلها هذه الحالة الكارثية التي وصلنا إليها من التمزق والانحطاط، وهي محصلة سيرورتنا التاريخية الطويلة بجميع ما فيها من صالح وطالح، ويؤكد لنا تحليل أي مرحلة من مراحلها العديدة الفشل التام في تحقيق “نظام مستبد عادل” حقيقي، أو “منظومة استبداد عادل” فعلية، على الرغم من وجود عدد من الحكام الصالحين في هذا التاريخ.

وقد طـُرحت عند شعوب أخرى أفكارًا مشابهة، منها مثلًا “ديكتاتورية البروليتاريا” الماركسية، التي شهدت انتشارًا واسعًا في العالم مع انتشار الأفكار الشيوعية، لكن تطبيقها على الأرض كان وخيم العواقب، فبعد انتصار الثورات الاشتراكية أقصت الديكتاتورية البروليتاريا جانبًا وهمشتها وصادرت قرارها، وخلقت طبقة سياسية انتهازية فاسدة، أفسدت في المحصلة النظام والمجتمع الاشتراكي وأدت في النهاية إلى انهيارهما، لتستولي -بنتيجة ذلك- على جميع ما أنجزه الشعب خلال عقود التجربة الاشتراكية، وتتحول إلى طبقة رأسمالية أكثر جشعًا وأشد فظاظة من تلك التي قضت عليها الثورة الاشتراكية سابقًا، ومن مثيلاتها في الدول الغربية، كما هو الحال في بلدان الاتحاد السوفياتي السابق وأوروبا الشرقية!

تلك “المنظومة” أو ذلك “النظام” (أي: نظام الاستبداد العادل).. لم يتحقق؛ لأنه غير ممكن التحقيق، وقد استحال علينا تحقيقه والتفرد فيه عن سوانا، فكنا في النتيجة مثل سوانا، لذا؛ علينا أن نكف عن طرح الحلول غير الواقعية، وأن نستفيد من تجارب غيرنا.. ونتعلم من دروسهم لنصل إلى الحل الواقعي الصحيح!

مقالات ذات صلة

إغلاق