مقالات الرأي

أجيال سورية قطع غيار بشرية لمنظومات فكرية متصارعة

فرض الهيمنة على الفضاء التعليمي، وعملية تطويع الفرد على مستوى الوعي، لا يقتصر على وجود آلية تعليمية عقيمة، تعتمد التلقين وصفةً؛ لإلغاء الشخصية والنقاش التفاعلي، وتعطيل الحسّ النقدي، إنما على تجيير التعليم وتسييسه، وفقًا للجهة المالكة التي تتعامل مع الطلبة بعدّهم بضاعة مستقبلية تخدم غاياتها، وتكون جزءًا من مشروعها.

العملية التعليمية في سورية التي أصابها الانهيار من جراء الصراع، وما خلّفه من دمار للمدارس، وبقاء 40 بالمئة من الأطفال خارج التعليم، وتفكّك الأسرة، والعوَز، ونقص المعلمين، واكتظاظ الصفوف بالطلاب؛ ليصل إلى نحو 60 طالبًا داخل الصف الواحد، باتت تُشكّل خرائط جديدة لأجيال متصارعة، فالانقسام على الصعيد التعليمي والمناهج، بحسب مناطق السيطرة الموزعة بين أربع قوى (النظام والمعارضة والقوى الجهادية والأكراد)، يسعى كل منها إلى تمكين نفوذه ونشر ثقافته لتأكيد أحقيته في هذا الصراع؛ عبر تغيير مناهج التعليم والمدارس طبقًا لأفكاره ورؤيته للمستقبل في مناطق سيطرته، وتمديد نظامه من خلال تربية جيل جديد لـ “دويلته المستقلة”، لتكون سورية وسط أجيال مختلفة ومتخالفة، بحسب تلقينها، وبما تربّت عليه من أفكار ومن أهداف، وجميعها يعِد بحصاد مرّ من اللا تعايش والاختلاف لأجيال قادمة.

الجمهورية العربية السورية: سعى النظام السوري وحزب البعث عام 1974 لتأسيس منظومة متكاملة من السيطرة الفكرية على عقول الأجيال، وتعليبها ضمن المنطلقات الفكرية لحزب البعث العربي الاشتراكي ورؤيته للمجتمع والدولة، ويتشرّبها الأطفال منذ دخولهم المدرسة في سن السادسة، والتزامهم بـ “طلائع البعث”، ثم انتقالهم في الثانية عشرة إلى “شبيبة البعث”، انتهاء بـ “الاتحاد الوطني للطلبة” في المرحلة الجامعية، فهذه المنظمات التربوية شكّلت جزءًا من هيكلية التعليم، ولها أثرها في تعبئة الأجيال، بدءًا من ترديد الشعار “وحدة حرية اشتراكية”، إلى أهدافنا “أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة”، انتقالًا إلى ترديد الأغاني الحزبية، وصولًا إلى مادة “التربية الوطنية” التي وحّدت الأجيال في بوتقة الانتماء إلى مرجعية سياسية، تتوافق مع مقررات حزب البعث، وعلى الرغم من توقف بعض المظاهر، كترديد الشعار وتوقف منظمة الطلائع والشبيبة في بدء الحراك السوري، إلا أنها عادت لتظهر من جديد في مناطق النظام منذ 2014، على الأقل في الأرياف، على الرغم من عزل حزب البعث عن قيادة الدولة والمجتمع في الدستور الجديد لسورية.

دولتي الخلافة والنصرة: أنشأت “داعش” بقيادة “أبو بكر البغدادي” في مناطق سيطرتها نظامًا تعليميًا عماده العلوم الشرعية الدينية والقرآن والحديث، إضافة إلى كتاب “الخلاصة الألفية” لابن مالك الذي كتبه في القرن الثالث عشر، وألغت المواد المحرّضة على الفسق (التربية الفنية والموسيقية والرياضة والتربية الوطنية والتاريخ والفلسفة)، وغيّرت منهج اللغة العربية، وحذفت الصور من الكتب، وفرضت الحجاب على الفتيات الصغيرات، ونسّبت الصبية إلى “أشبال الخلافة الإسلامية”؛ إذ يتعلمون فنون القتال والتفجير وتمثيل العمليات الانتحارية، ويرتدون العصابة السوداء، ويرددون شعارها قبل الحصص الدراسية خلف أحد عناصر التنظيم “.. فليسقط المستكبر العنيد.. غداً نحكم شرع ربنا ويسقط الطاغوت الكفور… تكبير.. الله أكبر”. وفي مناطق جبهة النصرة (فتح الشام لاحقًا)، والقائد “أبو محمد الفاتح الجولاني” لا تختلف المناهج كثيرًا عن “داعش”، يتعلم الأطفال الجهاد والنهج الصحيح للإسلام وأصول الفقه والحديث ويتعرفون إلى تاريخ الجهاد وأبطاله، ويرددون شعار الجهاد خلف أحد الطلاب “سبيلنا الجهاد.. سبيلنا سبيلنا.. الجهاد”.

“روج أفا”: أسّست هيئة التربية والتعليم التابعة لـ “الإدارة الذاتية” لحزب الاتحاد الديمقراطي منهاجها التعليمي في حلقتين، واعتمدت فيهما تعليم “اللغة الكردية وآدابها” و”تاريخ كردستان” والمنطقة والعالم، وجغرافيا العالم والرياضيات والعلوم، إضافة إلى الفن والفلكلور والثقافة والأديان (اليزيدية والمسيحية والإسلامية)، وأقرّ مؤتمر التربية في حزيران/ يونيو 2015 جملة قرارات، تمحورت حول أن أساس التدريس سيعتمد أسس فلسفة وفكر “القائد عبد الله أوجلان” الذي يُمثّل جميع المكونات، فاعتلت صورته صدور المدارس، وارتفع العلم ذو النجمة الحمراء الذي يتخذه الحزب شعارًا له فوقها.

المخيمات والمناطق الخارجة عن سيطرة النظام: في المخيمات، حيث الأوضاع القاسية تسير المدارس برعاية منظمة (اليونيسف)، وتطوّع المدرسين، وتوفّر المساعدات، ويبلغ عدد اللاجئين السوريين، بحسب مفوضية شؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، 2.18 مليونًا، موزعين -معظمهم- في لبنان وتركيا والأردن، ويدرسون المنهاج السوري المُعدّل، فقد وزّعت وزارة التعليم في الحكومة السورية الموقتة التابعة للائتلاف، مع بعض الهيئات العلمية المعارضة، بدعم من بعض الدول، على المدارس الخارجة عن سيطرة النظام في ريف اللاذقية، ومحافظتي حلب وإدلب وريف حماة، والمخيمات، ملايين الكتب المعدّلة عن المنهاج السوري، بعد إزالة خطابات وصور الرئيس، كما حذفت بعض دروس التاريخ التي يراها المعارضون مزوّرة، وأُلغيت مادة التربية الوطنية؛ كونها تُمجّد الأسد، ومادة الفلسفة، وأضيفت علامة مادة التربية الإسلامية إلى الامتحانات النهائية، وتتّبع في هذه المدارس الطريقة ذاتها من حيث التعبئة وترديد الشعار واتباع الأهداف المختلفة والمتنافرة، بحسب المعارضة، فهي (حرية حرية حرية) و(صامد يا شعب صامد كلنا ثوار)، فتعديل المناهج لم يضع خطة استراتيجية واضحة، أو نظامًا تعليميًا بعيدًا عن التدخلات السياسية، فالطلبة يواجهون الجهل والتطرف والمستقبل المغلق؛ نتيجة عدم الاعتراف إلا بشهادة المدارس الرسمية في معظم الدول.

المدارس والمناهج التعليمية تبنى على أساس فكرة واحدة، هي إعداد الأجيال لمستقبل الدول، لهذا أضحت محطّ اهتمام استراتيجي لجميع الأطراف المتنازعة التي قسّمت سورية إلى سلطات وفصائل متنوعة، تسعى جاهدة لإعداد خرائط كيانات لها هويتها الدينية ورؤيتها المحددة، وعمادها أجيال تجري تنشئتها وفق أهدافها وغاياتها، فالتعليم الأساسي في سورية حوّله المتصارعون إلى إنتاج أجيال لا تتجاوز في إعدادها قطع غيار بشرية لإدارة منظوماتهم الفكرية.

 

المراجع:

1- مناهج التعليم في سورية تخضع لأجندة القوى المتصارعة – المجلس الأطلسي.

2- تقسيم سورية مناهج التدريس نموذجًا، تحقيق مهاب زيدان ومهند هادي – وطن للأنباء بدعم وإشراف شبكة أريج (إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية).

3- نطالب بعدم تكرار تجربة حزب البعث في أدلجة التعليم -بيان المجلس الكردي حول فرض المناهج التعليمية في المدارس في مناطق “الإدارة الذاتية”– الخبر.

4- صراع سوري جديد: المناهج –الكاتب جبين بهاتي, محمد الربيعي– الفنار للإعلام.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق