الدين للفرد والدولة للجميع

عند طرح مقولة “الدولة العلمانية”، كثيرًا ما تختلط بعض الأمور الجوهرية في مفهوم هذه الدولة، فتُختزل إلى حال الفصل بين الدين والسياسة فحسب، ويصبح الخلط أكثر عند الكلام عن الديموقراطية التي لا يرى فيها بعضهم أكثر من صندوق انتخابات، تمرر عبره مشيئة “الأغلبية”، وهنا لا بد من التركيز على هذا المصطلح، وتمييزه عن مصطلح “الأكثرية”، لما في ذلك من معنى كبير.

الدولة العلمانية هي من الناحية المفهومية فكرة تقوم على استقلال الدولة، بوصفها بنية عليا للاجتماع البشري عن كل ما دونها من بنى أخرى، مثل الطائفة، والعشيرة، أو النقابة أو الحزب.. وغيرها من هذه البنى الفئوية، والعلاقة بينها وبين مواطنها مباشرة، وليس فيه أي وسيط فئوي، وهي من حيث الهوية مستقلة بهويتها الوطنية الصرف؛ حتى عن الأمة ذات الهوية القومية، ومستقلة عن أشكال الانتماء العرقي والديني أو السياسي أو الحرفي، وما شابه، فالانتماء إليها يبنى على أساس إنساني ووطني محض!

أما الديمقراطية، فحالة ثقافية تبنى عليها الممارسة السياسية، وتقوم أساسًا على فكرة الاعتراف بالآخر، بوصفه صورة أخرى من صور الوجود الإنساني، متساوية مع الصورة التي نحن عليها، وهذا يقتضي قبول الآخر من حيث المبدأ ـنظيرًا مساويًا على مستوى الذات المجردة، مهما اختلف على مستوى الظاهرة المشخصة، وهذا المبدأ مستقل عن الكيف والكم في الموقف من الآخر، المساوي بحد ذاته آخرَ!

وهنا نتطرق ببعض التفصيل إلى هذه الأفكار.

– الدولة العلمانية بنية اجتماعية عليا:

لا تُلغي الدولة العلمانية البنى الفئوية القائمة في فضاء بشري ما، ولا تتدخل فيها، كذلك لا تُؤسس نفسها على أي تقاطع معها، ولا تسمح لتلك الفئات -بتاتًا- بالتدخل في شؤونها بصفتها فئات وجماعات، بل تسعى جوهريًا إلى تجاوزها جميعًا، وتأسيس نفسها على أسسها الخاصة المختلفة عن جميع الأسس الفئوية الأخرى، وتقيم علاقتها مع الفرد الداخل في عداد مواطنيها على هذه الأسس فحسب، بمعزل عن علاقة هذا الفرد مع أي فئة أو فئات موجودة في الفضاء البشري المشترك نفسه، وبهذا لا تنتج الدولة العلمانية نفسها بنيةً اجتماعيةً فئوية، وإنما بنية عليا تتجاوز كل فئوية، وتتعامل مع الإنسان -من حيث المبدأ- بوصفه إنسانًا، وتقيم علاقتها معه على أسس الحق الإنساني الضامن لحقوق كلٍ من الفردِ والكلِ من المواطنين، وتجسد ذلك عبر مؤسسات تُبنى على معيار الكفاية.

– الهوية الإنسانية هي الهوية التي تقوم عليها الدولة الإنسانية

مدنية الدولة واستقلالها عن جميع أشكال الدين شرط لازم للدولة العلمانية، ولكنه -قطعًا- ليس كافيًا، فهناك دول يمكن أن تحقق شرط المدنية والمؤسساتية الحديثين، ولكنها تضعنا أمام إشكالية كبرى في ما يتعلق بعلمانيتها، ومثال على ذلك، يمكننا ذكر “الدولة القومية” على غرار تركيا الطورانية، و”الدولة الإيديولوجية” على غرار الاتحاد السوفياتي، فتركيا الطورانية دولة فئوية بالمفهوم القومي، ولا تعترف بقومية الأكراد -مثلًا- الذين لا تقبلهم أكرادًا، وإنما تحولهم إلى “أتراك جبل”، أما الاتحاد السوفياتي، فعلى الرغم من أمميته، فإنه كان دولة فئوية بالمعنى الإيديولوجي، وقد كانت فيه الإيديولوجيات والمعتقدات، غير الشيوعية، إما جد محاصرة أو ممنوعة، وهنا يجب الحذر من إساءة فهم التنوع، وهو مبدأ أساسي في الدولة العلمانية، بما هي -حكمًا- دولة ديموقراطية، فهذا التنوع يقوم على فكرة حياد موقف الدولة من جميع التنوعات الموجودة في فضائها. أما التنوع القائم على المحاصصة، فيلغي الدولة، بوصفها بنيةً مستقلة، ويحولها إلى شركة فئات.

الدولة العلمانية الحقيقية هي دولة وطنية تمامًا، ولكنها ليست -البتة- دولة قومية، والوطن فيها يُفهم اتحادًا إنسانيًا، مؤسسًا على القيم والحقوق الإنسانية المحض، والوطنية في هذا المفهوم الاجتماعي الإنساني هي هُوية الدولة العلمانية.

– الدولة العلمانية تقوم على الانتماء الإنساني الصرف

كل فئة أخرى ينتمي إليها الإنسان.. تُعبّر عن انتماء جزئي، وهو فيها أساس قيام عملية الانتماء، فالدم هو أساس الانتماء العرقي، والإيمان أساس الانتماء الديني، والحرفة أساس الانتماء النقابي، والإيديولوجيا أساس الانتماء السياسي، وهكذا دواليك. أما الدولة العلمانية، فالإنسانية فيها أساس الانتماء الإنساني إليها، وهذه حالة من الارتقاء إلى الكلية الإنسانية، المعيـّنة بالإنسان بوصفه إنسانًا، فوق كل التعيينات الجزئية الدنيا القائمة على حال من أحوال الإنسان أو صفة من صفاته، وبناء على هذا الانتماء الإنساني الصرف، تشتق الدولة حقوقًا إنسانية شاملة، وتُقرّها متساوية لجميع مواطنيها، منظورًا إلى كل منهم على أنه إنسان متساوي الإنسانية مع سواه.

– الفرد والدولة في النظام العلماني

العلاقة -هنا- مباشرة، فالفرد ينتمي إلى الدولة بصفته مواطنًا فحسب، وليس بصفته ابن هذه القبيلة أو الطائفة، أو العضو في هذه النقابة أو ذاك الحزب، وما يشبه ذلك، فالانتماء للدولة انتماء مستقل كليًا عن أي انتماء آخر، ويتحقق بصورة فردية محض، ومثلما أن الانتماء العرقي لا معنى له بالنسبة إلى العضوية الحرفية، فالحرفة لا دور لها في بـُنـُوّة القبيلة، فكذلك هي الحال بالنسبة إلى العلاقة بين كل فئة وبين الدولة، والانتماء الفئوي شيء خاص بالفئة نفسها، وليس له معنى بالنسبة إلى الدولة العلمانية، ومن ثَم؛ لا معنى هنا للكلام عن أي أكثرية أو أقلية آتية من مصدر فئوي من خارج بنية الدولة، فهذا مخالف جذريًا لأساس قيام الدولة الحقيقية، ومن يسعى إلى إقحام الوقائع الفئوية، أيًا كانت، في بنية الدولة، فهو لا يسعى إلى بناء دولة، وإنما إلى بناء نظام، أو كيان، شبه سياسي هش، يقوم على مبدأ المحاصصة أو المغالبة، أو ما شابه، وهذا الكيان كيان غير مستقر دائمًا، مهدد بالتوترات والنزاعات الداخلية التي تمنعه من التطور، وكثيرًا ما تفتته أو تدمره. أما الدولة الحقيقية فكيان مستقر قادر على الاستمرار والتطور! ولا يمكن إلا تكون دولة شعب حقيقي، مدنية تتجاوز جميع الأشكال الفئوية.

– بين العلمانية والديموقراطية

هل يمكن للدولة العلمانية أن تكون دولة ديكتاتورية؟

الجواب ببساطة: كلا!

فالدولة العلمانية عقد بين جميع مواطنيها، يضمن للجميع حقوقًا متساوية على الصعد كافة، ومن ثَم؛ لا يحق لأحد -بالمفهوم الفردي أو الجماعوي للأحدية- أن يستأثر بأي شيء يخل بمبدأ المساواة، وهذا ينطبق بالطبع على الحكم!

في النظام العلماني يصبح مواطنو الدولة -كافة- شعبًا، وهم يحكمون أنفسهم بهذه الصفة، والشعب المكون من مواطنين متساوين يحكم نفسه بعملية اختيار يشترك فيها جميع المواطنين بالتساوي؛ لاختيار من يملك كفاية الحكم من بينهم، ويفوضونه بالحكم مدةً محددة، وبموجب قوانين محددة، ويحتفظون لأنفسهم بحق رقابته، وإلغاء تفويضه إن اقتضى الأمر، وهذه هي الديمقراطية التي تعني “حكم الشعب”!

ومما تقدم نرى التطابق بين كل من الديمقراطية والعلمانية.

أما مفهوم الشعب، فليس مفهومًا كتليًا، أو تجميعيًا لمجموعة الفئات التي ينتمي -أو لا ينتمي– إليها أبناؤه! فالشعب علمانيًا وديموقراطيًا هو بنية اجتماعية لا فئوية عليا، مستقلة بذاتها وعن غيرها من البنى الموجودة في المشترَك البشري نفسه، والانتماء إلى الشعب يتحقق أيضًا بصفة فردية، ولا يمر عبر أي فئة أخرى، فالشعب مستقل عن بقية الفئات كاستقلال الطائفة عن الحرفة، والانتماء إليه انتماء خاص به كالانتماء الخاص بكل منهما!

– أغلبية أم أكثرية؟

إن مفهوم الأكثرية في النظام العلماني الديمقراطي هو مفهوم سياسي بحت، وهو مفهوم موقفي وعلائقي، ولا يرتبط بأي هوية أو فئة بتاتًا، وكل من الأكثرية والأقلية في هذا النظام تجمعات ظرفية متغيرة، وكثيرًا ما تتحول هذه إلى تلك، وبالعكس، بحسب التطورات والتغيرات التي تحدث في المحيط الاجتماعي، وترتبط بالعوامل المؤثرة فيه كافة.

لذا؛ يمكن الحكم على أي مسعًى لتمرير أي سياسة، تقوم على أساس أكثريات فئوية، بأنها عمل غير ديمقراطي محض، ليس بسبب خرقها البالغ للمبادئ العلمانية المتطابقة مع الديموقراطية فحسب، أو لأنها تخارج مع مفهوم “الشعب الواحد” الجوهري، علمانيًا وديمقراطيًا، وإنما لأنها -كذلك- لا تمتلك بحد ذاتها أي شرعية إنسانية، وكل ما تملكه هو التفوق العددي الذي يؤدي إلى حال من الغلبة في عملية تغالب فحسب!

هذا التفوق العددي لا يستحق تسمية “أكثرية”، فالأكثرية مفهوم وضعي لا يستبطن فكرة الصراع والغلبة، أما ما يرتبط بالمغالبة والغلبة فيجب تسميته بـ “أغلبية”، والأغلبية -في هذه الصورة- لا تستند إلا إلى قانون القوة، ومن ثمّ؛ على شريعة الغاب التي تضع الضعيف تحت رحمة القوي، وبقدر ما يزداد خطر القوي على الضعيف، وتهديده بالإلغاء الكلي أو الجزئي، فلن يكون أمام الضعيف إلا البحث عن مصادر أخرى للقوة؛ ليحمي بها نفسه من القوي، وهنا لا يحق لذلك القوي أن يتكلم عن أي مشروعية بخصوص تلك القوى، مهما كانت، فحين تغدو القوة هي الحكم، تسقط جميع المشروعيات!

إن مبدأ “الأغلبية” هو فعليًا “إعلان حرب”، وكل اتفاق يبنى عليه، أو يدخل فيه، هو في أحسن الأحوال حالة هدنة، مصيرها السقوط مهما طالت مدة استمرارها.

واليوم في سورية، وبعد أن دفعنا أبهظ الأثمان، في صراع استُغلت فيه الهويات الفئوية أبشع استغلال، ولعبت فيه، وفي الوصول إليه، السياسات الفئوية أسوأ الأدوار، علينا أن نبحث عن العلاج الحقيقي لداء تخلفنا الكارثي، وهذا طبعًا لن يتحقق بتخطي الولاءات والعصبيات الفئوية فحسب، على الرغم مما لها من ثقل بارز فيه، إلا أن شيئًا إيجابيًا راسخًا لن يتحقق إذا لم نتجاوز حدود الفئة، وندخل في محيط الوطن، وسنبقى في الأزمة، وسنعيد إنتاج الصراع عاجلًا أم آجلًا!

كل من لديه أيديولوجيا وقومية ودين، من حقه الاحتفاظ بها والدفاع عنها، لكنه مطالب باحترام حق الاختلاف فيها، وحق غيره في امتلاك غيرها، وكل فئوي مُلزم الزامًا تامًا بألا يسعى -على أساس هويته الفئوية- إلى إلغاء أو انتقاص أو تغيير هويات الآخرين! فهذه أمور لن يقبلها أحد، وهي لا تخضع للتفاوض والانتخاب، ولا تشرعن بشريعة الأغلبية، ونتيجتها الحتمية هي الصراع والدمار.

وبما أن الدين هو الأكثر حساسية في هذا الشأن، ففي دولة علمانية ديموقراطية، تضمن للفرد أوسع دائرة من الحقوق، بما فيها حق التدين والاعتقاد، وحده العدواني والخبيث والإمّعة من الأشخاص لا يقبل العيش على مبدأ “الدين للفرد والدولة للجميع”!