مآلات التحرك التركي داخل سورية بعد الباب

لا تُخفي الصحافة التركية أن الساسة والخبراء الأتراك قد عقدوا آمالًا كبيرة على الإدارة الأميركية الجديدة التي اكتست بثوب المهاجم للتمدد الإيراني في المنطقة. تورد الصحافة التركية أن السبب وراء التصعيد الإعلامي التركي ضد إيران هو لفت انتباه الولايات المتحدة للظفر بتعاون أميركي يسهم في إشراك القوات التركية أو قوات الجيش الحر المحالفة لها في عملية تحرير الرقة، أو الاستحواذ على نفع جزئي من سياسات التحالفات الإقليمية التي ألمحت إليها الإدارة الأميركية الجديدة، بدعوى نجاعتها في استئصال النفوذ الإيراني في المنطقة.

لكن على صعيد التطورات الجارية، صدمت الولايات المتحدة تركيا بإجراء تنسيق مع روسيا، وهو تنسيق يقضي بخضوع بعض المناطق الواقعة على حدود منبج لسيطرة قوات النظام السوري. ليست المرة الأولى التي تتعرض فيها تركيا لصدمة دبلوماسية وميدانية من الولايات المتحدة، ولكنها الأكثر إيلامًا على ما يبدو، إذ لم تكد تركيا تشعر بالفرحة نتيجة كسب الموقف الروسي لصالحها، ومن ثم الشعور بوجود فرصة لكسب الموقف الأميركي الخاص بالإدارة الجديدة، حتى صُدمت بتعاون أميركي- روسي ضدها وليس لصالحها.

في ضوء ذلك الطرح، يُستخلص أن قضية تحرك القوات التركية، أو القوات المحالفة لها نحو منبج قد حُسمت لصالح ميليشيا “وحدات حماية الشعب” الكردية، وضد تركيا، ويمكن أن تصبح السيناريوهات المتوقعة لمستقبل تحرك القوات التركية على النحو الآتي:

1ـ البقاء في حدود الباب

أطلقت تركيا عملية “درع الفرات” في 24 أغسطس/ آب 2016. وقد سارت هذه العملية، حتى الآن، وفقًا لثلاث مراحل:

ـ تحرير جرابلس ومحيطها.

ـ تحرير الراعي ومحيطها.

ـ تحرير الباب ومحيطها.

وبالركون إلى تصريحات المسؤولين الأتراك التي تعلو نبرتها تارة وتضعف تارةً أخرى، يمكن استخلاص أن تركيا كانت تهدف إلى تحقيق هدف العملية النهائي عبر السيطرة على منبج؛ لتأسيس المنطقة الآمنة بطريقة يحرم ميليشيا “وحدات الحماية” الكردية من ربط كانتوناتها ببعضها. وبما أن الولايات المتحدة وروسيا كشفتا عن موقفهما الرافض للتحرك التركي نحو منبج، تصبح تركيا مضطرةً للبقاء في محيط حدود الباب فحسب، وما يدعم هذا السيناريو العوامل الآتية:

ـ رغبة الدول الكبرى الفاعلة في الإبقاء على دور محدود لتركيا، فتحركها نحو الرقة يعني زيادة القضية السورية تعقيدًا، وقلب موازين القوى القائمة اليوم لصالح الدولتين الكبريين.

ـ خشية الولايات المتحدة الأميركية من احتمال الذهاب صوب تصعيد عسكري وسياسي معقد لا تحمد عقباه، إذا دخلت القوات التركية منبج، وبالأخص في ضوء اتضاح بعض معالم “تقاسم النفوذ” في سورية.

ـ الفعالية الكردية في محاربة “داعش”؛ تلك الفعالية التي تشكل عنصر إقناع مؤثر في قرارات الولايات الأميركية المتحدة حيال العملية.

ـ ربما هناك رغبة أميركية في تخفيف حدة اعتمادها على القواعد العسكرية التركية، من خلال البديل الذي باتت تشكله منطقة شرق وشمال شرقي سورية المسيطر عليها من ميليشيا “وحدات الحماية” الكردية.

ـ التحالف مع العنصر الأقوى لتحقيق المكسب الأكبر؛ الإدارة الأميركية الجديدة تودّ حل القضية السورية بسرعة تحفظ لها نفوذها، وتوفر عليها الجهد العسكري والسياسي، وتمكنها من تخفيف أو قضم جذور إيران في سورية. وبالنظر إلى القوى الفاعلة في سورية، يُلاحظ أن روسيا هي أكثر القوى فاعلية وتأثيرًا، ولتطويع هذه القوة لصالح ترسيخ نفوذها، واستغلالًا للتنافس السياسي والميداني الاستراتيجي البارز بين روسيا وإيران، على ما يبدو، رأت الولايات المتحدة في التعاون مع روسيا ضرورة أكثر واقعية من التعاون مع تركيا، التي أظهرت الضعف العسكري الجلّي في معركتها في الباب.

ـ الرغبة الروسية الشديدة في المحافظة على المستوى العالي من النفوذ الميداني والسياسي الذي اكتسبته بعد تدخلها العسكري المباشر في سورية، إذ قد تشكل السيطرة التركية على منبج وبعضًا من مناطق الرقة، عائقًا استراتيجيًا أمام الطموح الروسي الساعي إلى إحراز سيطرة شبه مطلقة في سورية.

ـ العائق القانوني الذي شكلته قوات النظام بتنسيق روسي- أميركي، وبصرف النظر عن تحركاتها المنافية للقوانين والمبادئ والأخلاق، فإن قوات النظام لا زالت تتمتع بـ “حق” السيادة على الأراضي السورية، وبطبيعة الحال فإن اصطدام تركيا مع هذه القوات سيحول التدخل التركي إلى عملية احتلال رسمية لسورية، وفقًا لمعايير القانون الدولي.

ـ الإرادة السياسية التركية المتوجسة؛ بعد تحقيق أهداف عمليتها العسكرية المتمثلة في دحر “داعش” عن حدودها، والحيلولة دون تشكيل ميليشيا “وحدات الحماية” الكردية “حزامًا كرديًا” يفصل حدودها الجغرافية عن الحدود مع سورية الأم، باتت تركيا تعيش قلق خسارة هذه المكتسبات. تعلم تركيا جيدًا أنها لم تستطع الحصول على هذه المكتسبات، إلا بعد كسب مواقف الدعم الروسي والأميركي. وقد أظهرت هاتان الدولتان، بوضوح، أنهما تمانعان تحركها صوب منبج، لذا؛ تحاول تركيا تجنب السقوط في خلاف معهما، والسعي للظهور بمظهر المنضبط بتقديراتهما، خشية خسارة تلك المكتسبات.

ـ الرغبة التركية في الحفاظ على مسار عملية الحل السياسي الوسط. سارت تركيا نحو عملية الحل السياسي عبر مؤتمر أستانا الذي جمعها وقوات المعارضة بروسيا وإيران، انطلاقًا من إيمانها باستحالة تحقيق مصالحها المطلقة في سورية، وكانت قائمة على إسقاط نظام الأسد، وتأسيس نظام يجعل من سورية ممرًا سياسيًا واقتصاديًا مميزًا لتركيا نحو دول الشرق الأوسط الأخرى. استحالة تحقق المصالح المطلقة يعني التحول القسري نحو النظر في إمكانيات تحقيق المصالح نسبيًا، أي بحسب الأولوية والأهمية. ويبدو أن الأولى لتركيا الآن حماية حدودها من “داعش”، وتبديد الحلم الكردي في إقامة كيان ذاتي على طول حدودها. وفي ضوء تحقيق ذلك الجزء الأهم من مصالحها في سورية، وفي ظل يقينها بأن لا طريق آخر لتحقيق هذه المصالح وترسيخها سوى الحل السياسي الوسط، تبقى تركيا متحسبة لعدم التصعيد، رغبةً في الإبقاء على مسار عملية الحل السياسي قائمة، بهدف تحقيق الجزء الممكن من المصالح المرجوة.

2ـ التحرك من “تل أبيض”

يمثل مقترح تحرك ميليشيا “بيشمركة روج آفا” الكردية السورية الماكثة في “أربيل”، والمحالفة لتركيا، أحد المقترحين اللذين طرحتهما تركيا على البيت الأبيض، وربما يحظى هذا الاقتراح بقبول أميركي لما يوفره من مميزات بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية:

ـ حل وسط لعدم خسارة تركيا بشكل كامل

بدا واضحًا أن الولايات المتحدة ترمي إلى تخفيف مستوى النفوذ الإيراني في المنطقة عبر التنسيق “الظاهر جزئيًا في منبج. ولكن على الصعيد الآخر، تمادي الولايات المتحدة في تجاهلها الرغبات التركية، قد يدفع بأنقرة نحو التصعيد من خلال قواتها، أو من خلال قوات الجيش الحر المحالفة لها، ومما لا شك فيه أن الولايات المتحدة تدرك، في أقل تقدير، احتمال ذلك التصعيد التركي. إلى جانب ذلك، تجاهل الولايات المتحدة لتركيا يدفعها إلى تحقيق تقارب أوسع مع روسيا والصين لموازنة قوتها ونفوذها السياسي، وكتحرك استباقي من الإدارة الأميركية الجديدة التي ترى في سياسة التحالفات مفتاحًا لاسترجاع عظمتها وهيبتها الدوليتين، قد تحظى تركيا بدعم لخطة “تل أبيض”.

ـ تقاسم الأدوار والأعباء

تريد الولايات المتحدة، بإدارتها الجديدة، القضاء على وجود “داعش” بسرعة وبتكاليف قليلة، وربما ترجح الولايات المتحدة التعاون مع تركيا وفقًا لمقترحها الثاني الذي يُبقي زمام القيادة في يدها، لحاجتها لتقاسم الأدوار والأعباء.

ـ عنصر موازنة استراتيجي

ويتحدد هذا العنصر في عاملين يوفران مميزات لصالح الولايات المتحدة في حال قبلت بالمقترح التركي الثاني:

ـ توفر مشاركة القوات العربية والكردية في تحرير الرقة للولايات المتحدة عنصر موازنة استراتيجي. فسيطرة ميليشيا “قوات سورية الديمقراطية”، بقيادة ميليشيا “وحدات الحماية” الكردية، على الرقة ذات المكون العربي، يعني إمكانية حدوث صدام شديد بين تلك القوات ومواطني المدينة، وللحيلولة دون ذلك، قد يشكل إشراك القوات العربية المحالفة لتركيا خيارًا مهمًا بالنسبة للولايات المتحدة.

ـ تحقيق فرصة لموازنة ميليشيا “قوات سورية الديمقراطية” التي قد تسعى في يومٍ من الأيام إلى الميل للدعم الروسي أو الإيراني لتشكيل ضغط على الولايات المتحدة، بهدف تمرير بعض السياسات.

وفي الحصيلة، بدأ السيناريو الأول بالظهور إلى السطح بعد استهداف القوات التركية التي حاولت التقدم إلى ما بعد الباب أكثر من مرة، أما السيناريو الثاني فمرهون بوضوح الموقف الأميركي من منطقة الشرق الأوسط عامةً، وقد ترى الولايات المتحدة فيه المميزات الإيجابية، ولكن، في تصوّري، إن قبلت به الولايات المتحدة فستقبل بما يكفل مصالحها ولا يؤثر فيها قيد أنملة.