تحقيقات وتقارير سياسية

عناصر القوة… موسكو العاصمة السياسية لسورية

شُغلت موسكو في 9 آذار/ مارس باستقبال رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو. ولم يكد يغادرها حتى حل رئيس الجمهورية التركية، رجب طيب أردوغان، ضيفًا عليها في اليوم التالي. وعندما يزور روسيا قائدا دولتين مجاورتين لسورية، في فترة متقاربة؛ لمناقشة القضايا المتعلقة بها، تُصبح موسكو، وبكل أسف، العاصمة السياسية لسورية. وفي ضوء ذلك، يصبح السؤال الأهم: كيف تحولت موسكو إلى قبلة للبلدان الفاعلة في القضية السورية؟

باستثناء الولايات المتحدة التي لم يبرز تنسيقها مع روسيا في سورية سوى ميدانيًا، يمكن رصد الأسباب التي حولت موسكو إلى عاصمة سياسية لسورية من خلال المساحة الواسعة التي بات الدب الروسي يسيطر عليها سياسيًا وعسكريًا في سورية. والتنسيق الميداني بين الولايات المتحدة وروسيا الذي ظهرت ملامحه في منبج، وهو ما دفع إسرائيل لاستغلال فرصة تحويله إلى تعاون استراتيجي يُنهي الأزمة السورية بالكامل وفقًا لما يلائم مصالحها.

حفزت هذه العوامل، الدول ذات الشأن بالقضية السورية، وعلى رأسها تركيا و”إسرائيل”، وربما الأردن بعد فترة من الزمن، لزيارة موسكو، والتنسيق معها على أشكال التحرك العسكري والحل السياسي بما يضمن الحد الأدنى من مصالحها في سورية.

على الأرجح، تمحورت مطالب الجانب الإسرائيلي حول كبح تقدم ميليشيا “حزب الله” صوب هضبة الجولان، التي تقبع تحت احتلاله، والحؤول دون امتلاك إيران فرصة لإقامة ميناء بحري على السواحل السورية، قد يتحول في المستقبل إلى قاعدة عسكرية على البحر المتوسط.

لعل توافق زيارة نتنياهو لروسيا مع زيارة وزير دفاعه، أفيدور ليبرمان، إلى واشنطن، يحمل في طياته احتمال سعي “إسرائيل” لبلورة محور ثلاثي يضم “إسرائيل” وروسيا والولايات المتحدة، بغرض تحديد مسار الحل السياسي في سورية طبقًا لمصالح “إسرائيل”.

في جميع الأحوال يبدو من الصعب الوصول إلى حل سياسي للمسألة السورية دون ضوء أخضر من “إسرائيل”، وانشاء المحور المذكور يزيد من قدرتها على توجيه بوصلة الحل وفقًا للاتجاه الذي تريد.

إذا أخذنا في الحسبان النفوذ السياسي الإسرائيلي العارم في توجيه عملية اتخاذ القرار الأميركي، وتأملنا في المسعى الروسي الرامي إلى تثبيت دعائم نفوذه في سورية على حساب إيران وميليشياتها؛ حينئذ يمكن الحديث عن مصالح “بينية متبادلة” تجمع روسيا و”إسرائيل”، فالدولة العبرية تريد الحد من الوجود الإيراني في سورية قدر الإمكان، وترغب “إسرائيل” في تسريع عملية الحل في سورية لإيقاف حال القلق التي تقض مضجعها منذ اندلاع الثورة السورية، تخوفًا من تحول مسار الثورة المعتدلة إلى ثورة يهيمن عليها المتطرفون، وكذلك هو الهدف الروسي.

في هذا الصدد، لا يمكن الادعاء بأن روسيا قد تتماشي مع المطالب الإسرائيلية حيال الوجود الإيراني تماشيًا تامًا، فإيران حليفة سياسية وعسكرية لروسيا، مهما بلغت حدة الخلافات بينهما.

تمر تركيا اليوم في أكثر مراحلها التاريخية السياسية حرجًا، فإحدى الدول المجاورة لها، تملك معها حدودًا بطول 911 كيلو متر، تتعرض للتقسيم السياسي، وفرصتها في تصويب هذا التقسيم نحو أهدافها ضئيلة.

إن الحديث عن احتمال إنشاء إيران ميناء بحريًا قريبًا جدًا من المياه الإقليمية التركية، والقول بأن إيران وقعت اتفاقيات اقتصادية استثمارية مع حكومة الأسد، تتمثل في تأسيس مشغل ثالث للهاتف النقال، واستثمار الفوسفات لمدة 99 عامًا، والاستحواذ على أراض واسعة لأغراض زراعية وصناعية، يقض مضاجع تركيا وبشدة، ولا سيما أن هذه الاتفاقات، على ما يرى بعض الخبراء اتفاقات ترمي إلى توسيع النفوذ العسكري والأمني، وليس الاقتصادي لإيران في سورية فحسب.

بذلت تركيا جهدًا حثيثًا؛ لكسب القدر الأكبر من النفوذ السياسي والاقتصادي والاجتماعي في سورية، مقارنةً بالنفوذ الإيراني، ولكن رياح السيطرة تجري اليوم في سورية بما لا تشتهي مصلحتها القومية، لذا؛ استلزم الأمر منها إجراء زيارةٍ إلى موسكو تخفف شدة الرياح العاصفة بآمالها.

في المقابل، لم تخاطب الولايات المتحدة الآمال التركية، في ما يخص التحرك العسكري المباشر أو غير المباشر، المشترك صوب الرقة، وبدلًا من التعاون مع تركيا، وقع الخيار على التحرك العسكري مع ميليشيا ما يسمى “وحدات حماية الشعب” الكردية، الأمر الذي هزّ أركان أنقرة، ودفعها للانطلاق السريع نحو روسيا، التي شعرت بالامتعاض من جراء تخفيف تركيا وتيرة التحرك السياسي والعسكري المشترك معها، أملًا في لفت انتباه الجانب الأميركي.

ولئن اكتسى الغموض الزيارة الإسرائيلية لموسكو، فإن الزيارة التركية انتهت بنتيجة إيجابية، وربما استطاعت أنقرة مغازلة روسيا عبر تأكيد رغبتها الشديدة في رفع مستوى التعاون العسكري، من خلال النظر في عملية نشر منظومة دفاع متكاملة على أراضيها بديلًا لمنظومة الدفاع الخاصة “بالناتو”، إلى جانب تشديدها على مواصلة التعاون المشترك في ما يتعلق ببناء المفاعل النووي.

الزيارة الثالثة التي ترسخ فرضية تحول موسكو إلى العاصمة السياسية الأساسية لسورية، سيتم إجراؤها من إيران، إذ من المرتقب توجه رئيسها، حسن روحاني، إلى موسكو في 27 آذار/ مارس الجاري.

في الحصيلة، إن توالي الزيارات على موسكو، مع استدعاء روسيا السفير الإسرائيلي لديها بعد استهداف الجيش الإسرائيلي لبعض المواقع العسكرية التابعة للنظام السوري وحلفائه في سورية، إضافة إلى الحديث المؤكد عن انضمام مبعوث الرئيس الروسي إلى منطقة الشرق الأوسط، ميخائيل بوغدانوف، إلى القمة العربية المزمع عقدها في الأردن في 29 آذار/ مارس الجاري، وغيره، كلها عبارة عن عوامل تثبت تحول العاصمة السياسية لسورية من دمشق إلى موسكو، وتطعن في ادعاء النظام السوري بامتلاكه السيادة السياسية.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق