تحقيقات وتقارير سياسية

سيناريوهات التحرك التركي في الملف السوري

ما فتئ الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، يردد -في الآونة الأخيرة- جملة “سنكمل طريقنا نحو منبج مهما بلغت التهديدات”، في خطبه الجماهيرية، أو لقاءاته الإعلامية، لكن على الرغم من تكرارها، إلا أن مجلس الأمن القومي التركي الذي اجتمع برئاسته، في 29 آذار/ مارس 2017، أعلن أن عملية “درع الفرات” التي نفذتها القوات التركية، بالتعاون مع بعض فصائل المعارضة السورية، انتهت “بنجاح”.

منذ إجراء روسيا والولايات المتحدة والنظام السوري، وميليشيا “وحدات حماية الشعب” الكردية، تنسيقًا ميدانيًا واضحًا في مدينة منبج السورية التي كانت مصنفة محطة أخيرة في عملية “درع الفرات” التركية، انسد الأفق أمام تركيا، وبات من الصعب عليها التحرك نحو الرقة، بهدف كبح جماح التقدم الكردي المتزايد.

انطلقت عملية “درع الفرات”، وفقًا لوزارة الدفاع التركية؛ من أجل إبعاد تنظيم الدولة الإسلامية عن الحدود التركية، والحيلولة دون تحقيق الميليشيا الكردية “الحزام الكردي” الفاصل بين الحدود التركية والسورية، وإنشاء “منطقة آمنة” توفر إمكانات لعودة السوريين إلى بلادهم. وبعيدًا عن نقاشات عدم تحقيقها للنجاحات المرجوة، نظرًا لبقاء الخطر الكردي فاعلًا، ما دام مسيطرًا على منبج، يُعزى قرار انتهاء العملية إلى الأسباب التالية:

ـ الضغط الداخلي القائم على الحكومة التركية التي ترمي إلى تحويل نظام الحكم من برلماني إلى رئاسي، عبر الاستفتاء الشعبي المزمع إجراؤه في 16 نيسان/ أبريل الجاري؛ إذ خشيت الحكومة من تأثير استمرار عملياتها العسكرية في سورية، من دون تحقيق النجاح المطلوب على الرأي العام التركي المؤيد للاستفتاء.

ـ غياب الدعم الأميركي الغربي الجاد للتحرك التركي.

ـ الهاجس الاستراتيجي الذاتي لتركيا، فقد باشرت في عمليتها العسكرية عبر كسب الموقفين الروسي والأميركي، وباتت تخشى من الاتجاه نحو التصعيد، خوفًا من خسارة هذين الموقفين، ومن ثم؛ خسارة ما استطاعت إحرازه خلال العملية، ولا سيما بعد تيقن أنقرة من أنها لن تستطيع تحقيق أي تقدم اعتمادًا على قدراتها العسكرية التي أثبتت ضعفها خلال العملية، إلا من خلال إيجاد تنسيق وطيد مع القوى الفاعلة.

ـ يُحتمل وجود بصيص أمل لدى القيادة التركية حول إمكانية نيل فرصة التعاون مع الولايات المتحدة في إنجاز تعاونٍ عسكري في محيط منطقة الرقة أو دير الزور. وعلى الأرجح أرادت تركيا لفت انتباه الولايات المتحدة إلى استعدادها لذلك التعاون عبر إعلانها انتهاء عملية “درع الفرات”.

تُشير وسائل الإعلام التركية إلى أن تركيا ستنتهج سياسات جذرية جديدة حيال الملف السوري، بعد أن تنتهي عملية الاستفتاء المزمع إجراؤها في 16 نيسان/ أبريل، لكن دون أن تفصح عن ملامح تلك السياسات مفصلًا.

بعد ظهور ملامح التنسيق الروسي- الأميركي في منبج، أضحت تركيا -حقًا- بحاجةٍ إلى سياسات جديدة، فما الخيارات الممكنة أمام تركيا لتنفيذها على الساحة السورية؟

ربما يصبح التوجه نحو تجاوز بعض الأزمات الموجودة بينها وبين روسيا على سلم أولوياتها في المرحلة المقبلة؛ فقد تسعى إلى رفع مستوى التنسيق السياسي والميداني، للاستفادة من السيطرة الروسية الميدانية على الجزء الثاني من مناطق سيطرة “حزب الاتحاد الديمقراطي” الكردي، وتتمثل في عفرين ومحيطها. على الرغم من تقييم تركيا الانتشار الروسي في عفرين على أنه تهديدٌ لأمنها، إلا أنه من الممكن أن تكون روسيا قد نشرت قواتها هناك لإحراز هذه الأهداف:

ـ موازنة الدعم الأميركي المستمر المقدم لـ “الاتحاد الديمقراطي”.

ـ إظهار رغبة جادة في لجم قوات “الاتحاد” التي تهدد تركيا، لإقناع الأخيرة بجديتها في إنجاز عملية السلام.

ـ إبقاء حالة الانفصال الجغرافي القائمة بين كانتونات السيطرة الكردية، للحفاظ على وحدة الأراضي السورية.

وفي الأرجح، قد تضع تركيا هذه النقاط في الحسبان، وتتجه صوب رفع مستوى التنسيق مع روسيا التي بدت سيطرتها واضحةً في منبج وعفرين، للحيلولة دون تأسيس الأكراد “الحزام الكردي”، كذلك قد تتجه إلى التنسيق لكسب الموقف الروسي الداعم في تحركها، أي تركيا، نحو الرقة ومحيطها مثلما جرى في عملية “درع الفرات”، ولكن قد تتوج تحركها مع روسيا باحتياطات سياسية، كرفع مستوى التعاون الحذر مع الولايات المتحدة وبريطانيا، وميدانية، كرفع الدعم لفصائل المعارضة المحاربة للنظام السوري؛ حتى تتمتع القدرة المؤثرة في توجيه هذا التحرك بقدر من الإيجابية النسبية لصالح طموحها.

يُتوقع إبقاء تركيا على التنسيق السياسي والميداني مع الولايات المتحدة، ولكن بحذرٍ شديد، خشية السقوط في مستنقع المراوغة الأميركية المستمرة منذ عام 2011. هنا توجد مصلحة بينية متبادلة بين الطرفين، فكلاهما يرغب في قطع الطريق على الميليشيات الشيعية التابعة لإيران التي قد تتجه في المستقبل نحو وصل الحدود السورية- العراقية. وتكاد الزيارات الأميركية المتتالية إلى أنقرة، كزيارة وزير الخارجية، ريكس تيلرسون، في 30 آذار/ مارس، ومن ثم؛ زيارة مستشار وزارة الخارجية، توماس شانون، في 3 نيسان/ ابريل، تعكس وجود رغبة أميركية في عدم تجاهل الطموح التركي في سورية.

ولعل تصريح القيادي في الجيش السوري الحر، العقيد هيثم العفيسي، بأن الجيش الحر يجري استعدادات للمشاركة في معركة تحرير الرقة، مضيفًا، في تصريحات لقناة الجزيرة، أن هذه الاستعدادات بدأت بعد تلقي إشارات من تركيا في هذا الخصوص، يوحي بوجود تنسيق تركي مع الولايات المتحدة. ويبدو أنه سيكون تنسيقًا أكثر نشاطًا من ذلك التنسيق الموجود مع روسيا.

وفي هذا الصدد، وبالارتكاز على الخبر الذي أورده موقع “ترك برس” الإخباري، وأشار فيه، نقلًا عن مصادر مطلعة، إلى فرض الولايات المتحدة على فصائل الجيش الحر المصنفة دوليًا “معتدلة”، والمدعومة عبر غرفة العمليات العسكرية المعروفة اختصارًا بـ “موم” الموجودة في تركيا، الاندماج في كيان واحد، لإعادة الدعم الأميركي العسكري واللوجستي والمالي لها، تمهيدًا لمواجهة الفصائل المتشددة، وإحراز تحركات أكثر حيوية، يُستخلص أن تركيا تسير على قدمٍ وساق لتنسيق موقفها مع الولايات المتحدة أكثر من أي طرف آخر. وإن لم يُوضَّح مضمون التحركات الموصوفة بالحيوية، إلا أنه يمكن توقع إحراز تركيا تحركًا موسعًا مع الولايات المتحدة في محيط الرقة ودير الزور.

إن تقديم الولايات المتحدة لهذا العرض في أحد الاجتماعات التي عُقدت “على أراضٍ تركية”، يجعل هذا السيناريو هو الأقرب إلى خيارات السياسة التركية في المستقبل، ويمكن توقع أن تركيا قد ترفع من وتيرة التنسيق مع الولايات المتحدة، للتمكن من نقل قوات المعارضة إلى دير الزور والرقة، لتشكل حاجزًا أمام التمدد الكردي. وما يؤكد ذلك هو تصريح وزير الدفاع التركي، فكري إيشيق، بأن العمليات العسكرية التركية في سورية لم تنتهِ بعد، وبالركون إلى هذا التصريح، يمكن وضع الرقة ودير الزور في جدول هذه العمليات؛ لأن الرقة أكثر ما تطالب به تركيا، لإيقاف التمدد الكردي، ودير الزور تحظى بوجود تنسيقات خليجية- أردنية- بريطانية تركية موسعةً؛ لتحريرها من قبضة “داعش” أو إدارتها بما يخدم مصالح الأطراف المذكورة؛ لذلك، قد يُرفع مستوى التنسيق مع الأردن ودول الخليج، خاصةً مع المملكة العربية السعودية التي تعدّ المنافس السياسي الأول لإيران في المنطقة، وقطر صاحبة المصلحة الأكبر في منع إيران من بناء نفوذ على الحدود العراقية السورية، حيث تحاول إيران تمهيد الأرضية لمد خط غازها الطبيعي “الخط الإسلامي أو الفارسي” من العراق إلى سورية، ومنها إلى الدول الأوروبية في المستقبل. ولا يقف الأمر على التهديد الجيو اقتصادي للأردن ودول الخليج، بل يقوم أساسًا على هدف الحد من النفوذ الإيراني في المنطقة، وفي حال وسعت تركيا نطاق علاقاتها مع دول الخليج على صعيدٍ اقتصادي وعسكري، قد تحظى بتنسيق ميداني وسياسي إيجابي يصب في صالحها ويشكل أداة ضغط على الولايات المتحدة، وهنا لا بد من التنسيق مع بريطانيا التي ترمي، بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي، إلى العودة إلى الساحة الدولية بنفوذ كبير.

وفي ضوء هذا السيناريو، يدعو الخبير الاستراتيجي غالب دالاي، وهو خبير تركي يعمل في “مركز الجزيرة للدراسات”، في مقال “خيارات تركيا في سورية”، (الجزيرة ترك، 28 آذار/ مارس 2017) حكومة بلاده إلى تصويب مخططاتها وبرامجها إلى ما بعد عملية تحرير الرقة، وليس إلى عملية تحريرها فحسب، موضحًا أن الولايات المتحدة تقدم الدعم لميليشيا “وحدات الحماية”؛ لتصبح لديها قوة ميدانية في سياق حرب الوكالة، والواضح أن القيادة الأميركية الجديدة لا تريد إسقاط نظام الأسد، بل تريد إعادة الاستقرار، فلا مصلحة لتركيا من إبقاء لهيب التوتر بينها وبين الولايات المتحدة مشتعلًا، بل عليها المضي قدمًا نحو تقديم خطط لإدارة الرقة، وليس تحريرها.

ويتوقع دالاي أن تتفهم تركيا هذه النقطة، وتتوجه إلى إعداد خطط خاصة بإدارة الرقة ميدانيًا، بحيث تقطع الطريق أمام ميليشيا “الوحدات” عبر الاصرار على المشاركة بواسطة قوات المعارضة المعتدلة في معركة تحرير دير الزور.

ووفقًا لدالاي، لا بد من مغازلة إسرائيل بمشروع مد خط الغاز؛ لكسب موقفها الضاغط على الولايات المتحدة لصالح القوى الفاعلة في ما يتعلق بموضوع الحد من النفوذ الإيراني في سورية، وما يعزز سيناريو دالاي حول مغازلة تركيا لإسرائيل، هو رفع تركيا لمستوى التشاور بين البلدين حول بناء خط ينقل الغاز الإسرائيلي إلى أوروبا، عبر قبرص التركية، إذ أوردت صحيفة “الصباح” التركية، أن الطرفين توصلا إلى اتفاق مبدئي يقضي بتوقيع الاتفاقية الخاصة بمد خط يبلغ طوله 500 كيلو متر؛ لنقل الغاز الإسرائيلي عبر تركيا إلى دول الاتحاد الأوروبي، في الصيف.

وفي إطار ذلك، يبدو أنه لا بد لتركيا من رفع مستوى تدريب وتسليح قوات المعارضة؛ لتغدو قوة مقنعة للولايات المتحدة، وقد تفسر العمليات العسكرية لبعض قوات المعارضة المعروف عنها تنسيقها الميداني والسياسي المباشر مع تركيا على مشارف حماة واللاذقية، يُظهر قطعًا رفع تركيا مستوى دعمها لها، بعد تراجع وتيرته في الأيام السابقة.

وفي إطار سياسة تحالف الضروريات، أي: السياسة البراغماتية، قد تنظر تركيا إلى إجراء تنسيقات ميدانية غير مباشرة وموقتة مع إيران؛ للمحافظة على المصلحة المشتركة المتمثلة في الحيلولة دون تأسيس الأكراد لكيان كردي مستقل، يحرك شهية أكراد تركيا وإيران لإحراز ذلك.

ختامًا، يكتنف الغموض المخططات التركية الخاصة بالشأن السوري، ولعل تخوف الحزب الحاكم ـ حزب العدالة والتنمية ـ من إحداث أي تحرك داخل سورية يؤدي إلى نتيجة سلبية في الاستفتاء الشعبي، هو ما يعيق توضيح خططه في الوقت الحالي، وستكون الأيام القليلة المقبلة كفيلةً بإزالة الضبابية عن هذا الغموض.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق