حضور المأساة والمرح في رواية رحلة إلى إسطنبول

في روايته الأولى “رحلة إلى إستنبول” الصادرة عن دار “بردية” في مصر، يحاول الكاتب السوري “مضر عدس” إضفاء ظلال المرح، والكوميديا على بنيته السردية، على الرغم من أن تيمتها الأساسية  تتحدث عن الهجرة المأساوية للشباب السوري، ويسعى جاهدًا على تصوير هذه المأساة بخفة ورشاقة؛ بقصد التخفيف من حدة الآلام والعذابات التي تمر بها الشخصيات، وليبتعد قدر الإمكان، عن المشهد الواقعي السوري المزدحم  بالموت والقتل والدم والجوع والتهجير… فالكاتب -هنا- يحيك عملًا روائيًا، لا عملًا توثيقيًا، يضع قارئه أمام شخصيات تبتدع المرح والضحك وخفة الظل؛ وهي في أوج لحظات التعاسة والمرارة، الناتجة عن الهجرة والغربة عن الوطن، وعن معاناة الحرمان والقلق والضياع في إسطنبول.

مع أول حضور للحيز المكاني، نحس فعليًا بوطأة وضيق المكان الذي يستقبل فيه أنس صديقيه: قاسم، وعبد؛ وهو عبارة عن ملحق في الطابق الخامس، في أحد المباني من الأحياء الفقيرة في إسطنبول؛ حيث تنعدم فيه كافة وسائل العيش، بل يبدو مكانًا غير صالح للسكن على الإطلاق، ومع ذلك يتخذه أنس سكنًا له، لضيق الحال، بعد أن اضطر إلى الرحيل عن وطنه سوريا؛ غداة تعرضه للاعتقال مرتين، على أثر مشاركته في المظاهرات، وفي أعمال الإغاثة، وهو المهندس والشاعر المفرط بحساسيته. وما يجبر قاسم وعبد على مشاركة أنس في سكن كهذا، يعود إلى الشهامة التي تمتاز بها شخصية عبد؛ إذ لا يريد أن يُظهر لصديقه أنس، أن مكانًا كهذا لا يصلح حتى للحيوانات، وبخاصة أن عبد وقاسم ضيفان عابران على أنس؛ يخططان للسفر إلى أوربا.

إن اختيار هذا المكان، بتفاصيله التي استُعرضت في سياق الحوارات الدائرة بين الشخصيات الثلاث؛ وفي سياق السرد، ينقل إلى القارئ حالةَ الضيق والمعاناة التي يعيشها اللاجئ السوري بعامة، فمكان الاستحمام، والمخاطر المترتبة –إذا ما نُظِر عبر النافذة- والكرسي الوحيد، والأرضية الجرداء المتسخة، وكوب الشاي اليتيم؛ يحيل المكان إلى رقعة من الجحيم، ومع ذلك تسعى شخصية عبد جاهدة للتعامل مع هذا المكان، على نحو تتحرر فيه من منظور الراوي الرئيس، وهو هنا “قاسم”، فالمكان بالنسبة إلى عبد يُعدّ قصرًا؛ إذا ما قورن بالأمكنة التي اضطر مع أهله إلى النزوح منها أو إليها، في الداخل السوري. فأن ينزح عبد مع أهله من بيتهم في السيدة زينب -نتيجة الأحداث الدموية- إلى عرطوز، واضطرارهم إلى النزوح منها، بعد المذبحة التي حدثت فيها على يد الكتائب، ولم يشأ الراوي أن يسميها بالاسم، علمًا أن الراوي هنا هو عبد، وليس قاسمًا الذي يضطر من جديد للنزوح مع أهله إلى بيت جن الواقعة على سفح جبل الشيخ، ومنها إلى دربل؛ بعد تعرضها لقصف من الطائرات. ومع وصول فرق الموت إلى دربل يلجؤون إلى لبنان، ثم من هناك تكون عودته إلى سورية، وبعدها الرحيل إلى تركيا بهدف الوصول إلى أوروبا.

هذي هي حال معظم شخصيات الرواية، ولكل منها حكاية، تتحدث عن سبب وجودها في إسطنبول، وكلها حكايات تتحدث عن المذابح، والملاحقات الأمنية، والفرار للنجاة من الخدمة العسكرية، ويظهر جليًا أنها شخصيات تائهة وضائعة، تبحث لنفسها عما يعوضها، ولو بحد أدنى، عن فقدان الأهل والوطن، غير أن مسحة المرح الطاغية على بنية السرد الروائي؛ حتى في أحلك اللحظات، وأشدها مأساوية؛ تجعل الحدث الروائي مفتوحًا على احتمالات عديدة؛ مغايرة للطابع المأساوي، وكأن المؤلف سعى، من خلال تلك المسحة الفكاهية، إلى أن يبقي الأبواب مشرعة على الحياة والأمل، على الرغم من المآسي جميعها التي يعيشها السوريون، ويبدو هذا واضحًا وجليًا في معظم مفاصل البناء السردي؛ إذ لم يستغرق المؤلف -لا من قريب ولا من بعيد- بوصف أو سرد أحداث فجائعية، أو دموية؛ حتى عندما تطرق الى المذبحة التي حدثت في عرطوز! لقد مر عليها مرورًا عابرًا، وانطلق إلى مكان جغرافي ثان، ومعاناة ثانية، لا يكاد عرضهما يقل خفة ومرحًا عن فحوى مضامين الرواية. وكذلك الحال عندما تحدث عبد عن غرق بعض الأهل والأقارب في البحر، وعندما تحدث أنس عن تجربة اعتقاله، أو عندما تحدثت ليلى عن  تجربة زوجها محمد في المعتقل، وعن انتظارها له… كل هذا يبرهن على أننا أمام عمل روائي، يصنع من الموت والقتل والتعذيب والهجرة، حياة وأملًا، ويبقي مصائر الشخصيات في منتصف الطريق، تاركًا إياها تختار طريقها، وتترقب عودة قريبة إلى سوريا؛ بعد زوال الدكتاتورية عنها، فـ “عبد” فلسطيني الأصل، بات يتشاءم من قصة مفاتيح الأبواب التي حملها الفلسطينيون معهم؛ غداة رحيلهم عن بيوتهم. وكي لا يطول انتظاره للعودة إلى سورية، يقنع صديقه قاسم بالتخلي عن مفتاح بيته في دمشق، ويخبره بنبرة فلسفية، تهكمية، إنهم حينما يعودون إلى سوريا، لن يجدوا لهم بيوتًا ليفتحوا أبوابها؛ لأن عصابات النظام سرقوا كل البيوت، وحولوها إلى كومة حجارة، وعلى العائدين تقع مسؤولية إعادة بنائها.

من الواضح أن الليونة، والصبغة المرحة التي طغت على أحداث الرواية، على الرغم من مأساويتها، لم تقتصر على البنية السردية والحوارية وحسب؛ بل امتدت أيضًا لتشمل الجانب التقني فيها، حيث أبدى الراوي ليونة شبه مطلقة مع شخصياته، وتركها تروي روايتها الخاصة، وتعلق على الحدث الروائي على نحو جعلها تستبعد الراوي لتروي عنه؛ حتى يكاد يستشعر القارئ وكأن ثمة أكثر من مؤلف لهذه الرواية، مما اضطر المؤلف، إلى التذكير في إحدى الفقرات، أو الملاحظات التي كان يضعها بين قوسين، بأن الراوي الأساس قاسم، ما هو إلا مضر عدس.

ومما يجدر ذكره، أن المؤلف لم يتطرق طوال فصول روايته إلى ذكر اسم الأسد، ولم يسمِّ أي طرف من أطراف شبيحته، وربما يعود ذلك إلى يقينه بأن مجرد الزج باسمه في متن عمل روائي كهذا، سيفقده كثيرًا من خفته ورشاقته، ويطيح ببنيته السردية.