إرهاب

إرهاب صارخ منزّه عن الإرهاب

من الواضح أن هناك جرائمَ محددة تُدرج في قائمة الإرهاب لدى التحالف الدولي، وجرائمَ أخرى تسمو فوق الإرهاب، لتبدو منزّهة عنه، وكذا الحال في ما يخص الجهات التي تمارس الإرهاب؛ فعلى سبيل المثال لا الحصر، لا تُعدّ المحارق التي يغذي نارَها النظامُ السوري بأجساد بشرية في سجن صيدنايا، أعمالًا إرهابية، ولا جرائم التعذيب والإبادات الجماعية التي تطال المعتقلين، وقد سُرّب عنها آلاف الصور، ولا المذابح التي حدثت في الحولة والبيضا وجسر الشغور وجديدة عرطوز، ولا التهجير الممنهج الذي طال الزبداني وداريا والقصير ومعظم الأحياء الحمصية، ولا حصار الجوع، فكل هذه الجرائم الوحشية، وغيرها الكثير، لا تعدّ أعمالًا إرهابية، ولا يُشار إليها في لوائح التحالفات الدولية التي تزعم تصديها للإرهاب.

من هنا يمكن القول مبدئيًا: إن إنكار مثل هذا الإرهاب، هو إرهاب بحد ذاته، وبات سياسةً مدروسة ومتقنة، تعتمدها الدول، وعلى أعلى المستويات، لتمرير مشروعاتها الإرهابية، وربما أكثر ما يتبلور هذا النوع من الإنكار، في النهج الذي تسلكه وتعتمده السياسة الروسية؛ فهيحتى اللحظة تُنكر جميع الجرائم التي ارتُكبت على يد النظام السوري، ولا تعترف بأي منها، وسبق أن أنكرت استخدامَ النظام السلاحَ الكيمياوي، على الرغم من أنها فاوضت الولايات المتحدة على تسليم جزء من هذا السلاح، كذلك أنكرت التعذيب الممنهج في السجون، والإبادات الجماعية التي يتعرض لها المعتقلون، رغم كل الوثائق والصور التي تؤكد ذلك، ومؤخرًا أنكرت وجود المحارق المقامة في سجن صيدنايا، وقد رصدتها الأقمار الصناعية، وأجهزة المخابرات الدولية، إذًا هي تواظب على إنكار جميع جرائم النظام السوري والمنظمات الإرهابية التابعة له؛ مما يفصح عن روح السياسة الإرهابية التي تعتمدها روسيا تجاه سورية.

هذه السياسة الروسية تستمد وجودها أساسًا من وجود الإرهاب، فهي لم تباشر مشروع احتلالها لسورية، إلا بعد أن ساهمت في تفشي الإرهاب على الأرض السورية، عبر استخدامها المتكرر للفيتو في مجلس الأمن لصالح النظام السوري، ومن ثم اتخذت الإرهاب حجةً لتمرير مشروع احتلالها لسورية، بذريعة أن جيوشها ومعدّاتها العسكرية وطائراتها لم تتواجد في هذه الرقعة الجغرافية إلا لمحاربة الإرهاب، واستمرت تتمسك بهذه الحجة الواهية على الرغم من فظاعة الإرهاب الذي تمارسه بحق السوريين، وقد تطرق السفير الروسي زاسيبكين، مؤخرًا، للحديث عن الإرهاب في محاضرة ألقاها في مركز (باحث) في بيروت، بيّن فيها استراتيجية روسيا حول بناء السلام والحرب على الإرهاب، حيث أشار إلى أن تحالف أميركا وبريطانيا، مع روسيا في الحرب العالمية الثانية، لم يكن نابعًا من تأييد الاتحاد السوفيتي حينئذ، لسياسة كلا الدولتين، وإنما كان دافع الوقوف معهما في محور واحد، هو التصدي للنازيّة، وها هي روسيا في الوقت الراهن تمدّ يدها للدول المشاركة في مكافحة الإرهاب، وإن كانت على خلاف مع سياستهم في قضايا متعددة، كون هذا يدخل أيضًا ضمن مصلحة الجميع.

يهدف استحضار النازية، في سياق كلام السفير الروسي، بالدرجة الأولى إلى التشبيه، أو المساواة بين خطر المنظمات الإرهابية المنتشرة في سورية، وبين المخاطر التي كانت النازية تهدد بها دول العالم، ومن البديهي، حينما يستعيد السفير الروسي تاريخ النازية في سياق كلامه، أن تقفز إلى الأذهان مباشرة الجرائمُ والمحارق التي أقامتها النازية بحق معارضيها، ولكن بالمقابل، أليس من البديهي، ومن الطبيعي أيضًا، أن تقفز ،على نحو أسرع وأكثر إلحاحًا، نظرًا لآنية الحدث، المحارقُ التي كُشف عنها مؤخرًا في سجن صيدنايا في الفترة الزمنية التي شهدت حديث السفير الروسي؟ وبالطبع كُشف، قبل ذلك، عن مخزون هائل من صور ووثائق سُرّبت من السجون والمعتقلات السورية، أشارت جميعها، على نحو  قاطع، إلى ما يتعرض له المعتقلون من قتل وتعذيب وإبادة جماعية، غير أن مثل هذه الجرائم لا تُصنّف من قبل السياسة الروسية في لائحة الأعمال الإرهابية، ولا تتقاطع أبدًا مع جرائم النازية التي يَفترض مجرد التطرق إليها أن يستدعي أخلاقيًا وقانونيًا على الأقل، التطرقَ لمحرقة صيدنايا التي سكتَ عنها السفير الروسي تمامًا، وليس هذا أمرًا مستغربًا، بل هو طبيعي جدًا، ويتوافق إلى أبعد الحدود مع روح السياسة الإرهابية التي تعتمدها روسيا، في إدارتها للملف السوري.

إن إنكار مثل هذه المحارق وغيرها من الجرائم، والدفاع المستميت عن مرتكبيها، بالإضافة إلى احتلال الأراضي السورية، فإن كل هذا يساوي في خطره ما كانت تشكله النازية من خطر على دول العالم، بل ربما يتعداه بمراحل.

مهما حاول السفير الروسي أن يلمع، أو ينفي، الاحتلالَ الروسي لسورية، فإنه لن يستطيع أن يُغيّب حقيقة أن روسيا -التي تتفاخر بمحاربتها النازية قديمًا- تمارسُ اليوم سياسةً نازيةً في أعلى مستوياتها، فحينما تدك صواريخها البيوت والأحياء والمشافي والمدارس، ويحترق فيها الأطفال والنساء، وحينما تُهجّر وتشتت الأسر والعائلات، وتقتلع الناس من بيوتهم وأحيائهم، وحينما تستميت دفاعًا عمن يرتكب المذابح بحق المدنيين، ويقيم المحارق لشيّ أجساد وأرواح المعتقلين، ويتفنن في تعذيبهم حدّ الموت، فإنها بذلك تكون قد تجاوزت النازية في إجرامها وإرهابها، ولكن مثل هذا النوع من الإرهاب -تحديدًا- بات إرهابًا مسكوتًا عنه عالميًا، وهو الإرهاب المطلوب والممارس دوليًا، بحجة مكافحة الإرهاب.