السوريون وما قدموه لنيل حريتهم

كانت الثورة بالنسبة للسوريين الأداةَ التي حلموا برسم دروب أيامهم القادمة بها، إلى أن وصلت بهم الحال، إلى أنهم ما عادوا يعون وجودهم وكيانهم الإنساني إلا من خلالها، ولأجلها قدموا أثمن وأعظم التضحيات، جاعلين أرواحهم وأعمارهم وأرزاقهم رهينةً لنيل الحرية، ولم يستطع الرصاصُ، ولا الاعتقال، ولا الحصار أن يحولَ دون نزولهم إلى الساحات والشوارع للتظاهر، وعلى الرغم من تعرضهم لأقسى أنواع التعذيب والترهيب في معتقلات النظام، كان كثيرون منهم، فور خروجهم من المعتقل، يسرعون إلى الانضمام إلى حشود المتظاهرين من جديد، فالأب الذي يفقد ولده أمام عينيه برصاص “الشبيحة” ورجال الأمن في ساحات التظاهر، يشيعه بتظاهرة جديدة، كذلك حال الأخ والصديق والجار والأم والأخت والزوجة والزوج.

معظم الذين هتفوا للحرية كانوا عمليًا يدفعون ثمنَها من دمهم ومصائرهم، ولم تكن هذه نزوة عابرة حدثت مرة واحدة، أو مرّات محدودة، بل هي إرادة وعزيمة، استمرت سنوات من عمر الثورة، واستمر معها بذل الغالي والنفيس، في سبيل انتصار الثورة على الظلم والطغيان.

حمل الثائر السوري، والثائرة السورية، على عاتقيهما مهمات، يصعب على الجبال حملها، لشدة أهوالها ومخاطرها، متحدين الرصاصَ والاعتقال والقصف، مغامرين بأرواحهم ومستقبلهم في سبيل إيصال علبة دواء، أو حفنة غذاء لمنطقة محاصرة، أو إسعاف جريح، أو تصوير مشاهد حية من قلب الجحيم، تظهر وحشية وجرائم النظام، ولم تقف الأخطار التي واجهوها وتحدوها عند الاعتقال والرصاص فحسب، بل تحدوا، في سبيل نيل حريتهم، الطائرات وراجمات الصواريخ والبراميل والمدافع والدبابات، حيث كانت الأحياء تصلى نيرانًا، لمجرد خروج تظاهرة من بين أزقتها، فيسقط عشرات المتظاهرين، وأحيانًا المئات، ومع ذلك، يعاود أبناء تلك الأحياء والمكلومون والثكالى، تظاهرهم من جديد للمطالبة بالحرية وبسقوط النظام.

فمع كل هذا العنف وهذه الهمجية، وهذا العتاد العسكري والأسلحة الفتاكة التي وجهت إلى صدورهم، لم يستسلموا، ولم يركعوا، ولم يحيدوا عن ثورتهم، أو يتخلوا عن مطالبتهم بالحرية، فقدوا أرزاقهم وبيوتهم وآباءهم وأمهاتهم وإخوتهم وأخواتهم، وكل ما هو غال وعزيز، ولكنهم لم يفقدوا عزيمةَ وإرادة سعيهم للحرية.

مع تراكم القصف والقتل والعنف، ومن منطلق شعار (الأسد أو نحرق البلد)؛ حوّل نظام الأسد سوريةَ إلى أرض محروقة فعليًا، فراحت القنابل والبراميل والصواريخ تحصد أرواح الشباب السوري من جانب، والمعتقلات تغيبهم عن الشوارع وعن الحياة من جانب ثانية، والتهجير يقتلعهم من بيوتهم وأوطانهم من جانب ثالث، إضافة إلى حصارات التجويع التي أهلكت الحجر والشجر والبشر.

هذا المشهد السوري الدامي لم يمتد ليوم أو شهر أو سنة، إنما امتد لسنوات ست من عمر الثورة، علمًا بأن الذين ملؤوا ساحات وشوارع سورية بتظاهرتهم، لم يحملوا أسلحة، ولم يخوضوا معارك متبادلة مع عصابات الأسد، إنما جميع أنشطتهم كانت سِلميّة، بالمعنى الحرفي للكلمة، وقد اقتصرت على أعمال مدنية وإنسانية وفنية، تقرّها جميع الأعراف والقوانين الدولية، ومع ذلك أشعل النظام السوري بهم النارَ، وكواهم بكل ما لديه من أدوات حقد وتخريب ودمار، وجلبَ، لمساعدته على قتلهم، كلّ أوغاد الأرض. وإذا ما علمنا أن عدد الضحايا السوريين يفوق كثيرًا ما يشاع في وسائل الإعلام، وفي تقارير المنظمات الدولية، تبين لنا مقدار حجم الجرائم التي أقدم عليها النظام بحق الثورة والثوار، إذ يفوق عددُ من قتلهم بالبراميل والرصاص والصواريخ والأسلحة الكيماوية المليونَ سوري، واعتقل مئات الآلاف، مات أكثرهم تحت التعذيب، ورمّل ويتم مثلهم، وأرغم الملايين على النزوح والتهجير، تحت وقع براميله وقنابله..

معظم هؤلاء، صمدوا وصبروا، وقاوموا العنف والموت سنوات طويلة، وليس لهم علاقة لا من قريب ولا من بعيد، بساحات المعارك، فهم لم يحملوا السلاح، ولم يقودوا فصائل مسلحة، ولم يقيموا جمعيات إغاثية، ولا حتى تنظيمات أو سياسية، إنما جلّهم أفراد عاديّون، آمنوا بثورة الحرية إلى أقصى الحدود، وقدموا أرواحهم وأعمارهم في سبيلها، وعلى الرغم من أنهم كانوا يتطلعون إلى الدول العالم، لترفع عنهم الموت والدمار اليومي، غير أنهم لم ينتظروا منها خلاصهم، ولم يتخذوا العجز منزلًا لهم، بل استمروا في تقديم التضحيات تلو التضحيات، والشهداء تلو الشهداء، والمعذبين تلو المعذبين.

إن الخيانات، والغدر، وعدم النزاهة، وكل الأمراض الحقيرة، خرجت من المنافقين، والحاقدين، وليس من الثوار، إذ إن معظم الثوار يقبعون الآن في المعتقلات، أو في القبور، أو في السجن السوري الكبير، وهم لم يتاجروا، ولم يشتروا، ولم يبيعوا، إنما من فعل ذلك، هم أفراد وجماعات لا ينتمون إلى الثورة إلا بالمزاعم الزائفة، ومنهم من تم توظيفهم من قبل النظام السوري، ومن دول يُفترض أنها شقيقة وصديقة وحرّة، ليشوهوا صورة الثوار، ويحكِموا طعناتهم في قلب الثورة. فما قدمه الثوار من تضحيات عربونًا لانتصار ثورتهم، كان يكفي لنصرة عشرات الثورات، وما تعرضوا له من غدر وطعن، وما واجهوه من تعذيب وتجويع، ومن عتاد عسكري، كان أيضًا يكفي، لإبادة عشرات الثورات، ومحوها، ومحو إرادة ثوارها عن الوجود.