قضايا المجتمع

إن فسد القانون بأي شيء نحتكم

في سورية لا وجود للقانون، تغيب السلطة الحاكمة عندما يتعلق الأمر بواجباتها، وتحضر بقوة لإرغام الناس على أداء واجباتهم نحوها؛ لذلك تكثر في محافظة السويداء اليوم، على مدار ساحتها، أعمالُ الخطف والقتل والتشليح، فتكثر معها المصائب والويلات، هذا يتسلح ببارودة روسية أو صيد، وذاك بمسدس وثالث بموس “كباس”، ورابع بدكة من الحشيش كأضعف الإيمان، مثل هؤلاء هم من باتوا يتحكمون اليوم بمصاير البشر، وما على “الأوادم” سوى التزام بيوتهم.

يقول السيد المسيح: “إن فسد الملح فبأي شيء يُملّح!”، وهكذا إن فسد القانون، فبأي شيء نحتكم؟ فكما أن الملح روح الحياة، إن فسد فسدت، كذلك هو حال القانون، بالنسبة إلى الدول والمجتمعات، إن بطل مفعوله بطلت، وتحولت تلك الدول والمجتمعات إلى عصابات من قطاع الطرق.

مع غياب القانون وتواري السلطة، بات الكل يسعى مرغمًا لاستيفاء حقه بالذات، يتصرف وفق شريعة الغاب، تصرفات أعادت الشعب السوري بالذاكرة إلى الخلف نحو قرنين من الزمان، لكن من أسّسّ لمثل هذه الخروقات الفاضحة، ومن أجاز تلك التصرفات؟ سنحاول التذكير.

لم تكن المرة الأولى -وبالطبع لن تكون الأخيرة- يومَ ذهب أربعة مزارعين، منذ أيام، لإحضار ما جنوه من تعب وكدح طوال السنة، فتصدّت لهم ثلة من العصابات المارقة، فخطفتهم باتجاه منطقة اللجاة غربًا، المعروفة بصخورها وطبيعتها الوعرة، وعند ورود النبأ إلى أهالي القرية؛ قاموا بطلب النجدة من مطار خلخلة العسكري المجاور بغية المساعدة، في توفير طائرة مروحية، قد تتمكن من إلقاء القبض على الخاطفين، أو إعاقتهم عن متابعة طريقهم.

لم يستجب أحد، كان على مسؤولي المطار -إن لم يكن بحكم الشراكة في الوطن فبحكم الجيرة- أن يوعزوا إلى طائرة بالتحليق قليلًا كمؤشر تضامن، أو أن يذهبوا بأنفسهم إلى تلك القرية أو أن يرسلوا أحدهم، تعبيرًا عن بعض التضامن والشعور بالمسؤولية، لكنهم لم يفعلوا. تُذكِّرني تلك الحادثة بقصة ذلك الكندي من أصل سوري، عندما تم اختطافه في بغداد أيام الغزو الأميركي العربي للعراق، لم يمر على اختطافه يومان، حتى حضر وزير خارجية كندا بنفسه إلى بغداد لمفاوضة الخاطفين، ولم يغادرها، على الرغم من ظروف الحرب آنذاك، إلا بعد أن تم تحرير مواطنه واصطحابه معه سالمًا إلى كندا.

غضَبُ أهالي القرية وردة فعلهم، مع ورود أنباء تفيد بأن الخاطفين يطالبون بفدية تعجيزية، قدرها مئة مليون ليرة سورية؛ دعاهم إلى نصب حاجز على طريق دمشق/ السويداء، مثلهم مثل بقية من يقومون بنصب الحواجز، ممّن تغاضت السلطة عن بعضهم، وشجعت بعضهم الآخر، بغية تذكير السلطة بواجباتها. بعد مضي بعض الوقت ومع مرور سيارة تابعة للحرس الجمهوري، انتهت بفاجعة أخرى بمقتل خمسة مواطنين، من القرية نفسها وجرح آخرين.

يقول كارل ماركس: “التاريخ يعيد نفسه في المرة الأولى كمأساة، وفي الثانية كمهزلة”. أليس هذا هو حال سورية. في تموز من عام 2000، بينما كانت البلاد تتزين بعبارات الإصلاح والتطوير والتحديث، انفجرت أحداث البدو الدامية في السويداء، نتيجة مقتل أحد أبنائها على أيدي بعض البدو المارقين. ردة الفعل كانت كبيرة، فالأهالي الذين اعتمدوا بأمنهم على الدولة لتحميهم، هبوا لتذكيرها بواجباتها ومسؤولياتها، مُنَددين بسياسة بعض الجهات الأمنية المتمثلة في غض الطرف، عما يقوم به بعض البدو من حملات تسليح، مطالبين بتقديم الجناة للمحاكمة، ممن أطلقوا النار على المواطنين العزل، فتسبّبوا بمقتل 21 شخصًا من أبنائهم، على رأس هؤلاء الجناة كان يتربّع أحد أعيان البدو (س. س)، باعتباره أساس الفتنة. جريمة كبيرة بهذا الحجم ذهب ضحيتها مواطنون أبرياء، كان لها أثر كبير بين أبناء المجتمع نفسه، وبينه وبين السلطة، ماذا كانت النتائج؟ لقد اعتبرت السلطة ما جرى مجرد عصيان مدني، وتمرد يستهدف هيبتها، وبدلًا من تقديم الجناة للقضاء لنيل جزائهم، ودراسة الأسباب والموجبات التي أدت لتلك المأساة المروِّعة، بهدف الوقوف عليها ومعالجتها؛ بدلًا من ذلك تمّ إحداث فرعٍ للمخابرات الجوية في السويداء، وتمت إضافة ذلك إلى ما كنا نرميه من أخطاء ونفايات تحت سجّادنا، دونما تفكير، حسب قول “فاروق الشرع”، عند افتتاح مؤتمر (صحارى) للحوار الوطني، في العاشر من تموز/ يوليو 2011 مع بدء النكبة.

من الذي استّخف بالقانون، وساهم بإسقاطه؟ لن نُذكِّر بالمادة رقم (8) من الدستور السوري السابق سيئة الصيت، التي أعطت الحق للحزب والمتحكمين بخناقه بمصادرة الدولة وما عليها؛ مما أدى إلى الإخلال بمبدأ المساواة والمواطنة، الذي أقرته جميع الدساتير السورية المتعاقبة، كما لن نُذكِّر بكل ما كان يتراكم ويتكوّم تحت ذلك السجّاد.

سنُذكِّر فقط بنص الفقرة الخامسة من المادة (8) من الدستور الحالي 2012، والذي جاء مخضبًا بدماء السوريين وآلامهم، والذي نال أكثرية 89 في المئة من الأصوات، وفقًا لبيانات وزارة الداخلية نفسها، تلك الفقرة التي تنص على أنه “لا يجوز تسخير الوظيفة العامة أو المال العام لمصلحة سياسية أو حزبية أو انتخابية”، لندرك تمامًا كم هي قيمة النصوص الدستورية، وكم هي قيمة القوانين، ومن الذي كان ولا يزال يطيح دومًا برقابها.

كما لن نُذكِّر بما تراكم تحت ذلك السجاد على مدار قرابة نصف قرن، وإنما سنُذكِّر بالرسائل الكثيرة والمتعددة التي تبلغتها السلطة الحاكمة بأهمية المحافظة على القانون وعدم التفريط به، والتي أخذت تُنذر بأن مجرد سقوطه ستسقط معه الدولة، قبل أن تصل البلاد إلى هذه الخاتمة التراجيدية المحزنة.

رسائل داخلية موجعة بعد أن عُلِّق القانون من رجليه، كان أولها عام 1982 تمثلّت بأحداث الإخوان المسلمين، فأحداث دمشق 1984 بين الأسدين الشقيقين، ثم أحداث البدو في السويداء 2000 فأحداث كرة القدم في القامشلي 2004 فاحتجاجات حي الحريقة 17 شباط، فبراير 2011 ثم بعدها بأيام، بدء الاحتجاجات في درعا مطالبة بالإصلاح، من ثم إسقاط النظام.

رسائل ذهبية كثيرة تبلغتها السلطة، كي تقوم بإصلاح نفسها بنفسها، بدءًا من مؤتمر اتحاد الكتاب العرب 1987، والذي تحدث فيه كل من الراحل ممدوح عدوان وميشيل كيلو وآخرون عن أهمية الإصلاح ومكافحة الفساد والمُفسدين، فضلًا عمن تحدثوا عن ذلك لاحقًا، كرياض الترك وهيثم المالح وآخرون كثر، والذين كان السجن والملاحقة بانتظارهم، وليس انتهاء بنائبي مجلس الشعب رياض سيف ومأمون الحمصي اللذين دفعا ثمن مواقفهما ملاحقةً ومصادرةَ أملاك. لم يسلم ابن النظام “فاروق الشرع” نفسه من التغييب والإقصاء، عندما تقدم بمبادرته التي من شأنها تجنيب البلاد من مصيرها المجهول.

أيضًا المنتديات الثقافية والسياسية التي انتشرت مع وعود الإصلاح والتطوير، والتي شكلّت ملتقىً ثقافيًا وسياسيًا لجميع أطياف الشعب السوري، بما فيهم البعثيون أنفسهم، كمنتدى جمال الأتاسي، وغيره من منتديات، ساهمت بدورها بشكل فعال في تحذير السلطة من مغبة السقوط، إلا أنه لم يطل بها الزمن حتى تقرر ختمها بالشمع الأحمر، باعتبارها “استعمار جديد، كل من يرتادها جاسوس وخائن”، على حد قول “عدنان عمران” وزير إعلام تلك الفترة، وبالتالي “لن نسمح بتحويل سورية إلى جزائر أو يوغسلافيا أخرى”، على حد قول عبد الحليم خدام.

فضلًا عن الرسائل الخارجية المتمثلة بسقوط بغداد 2003، فمقتل رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري، والذي أدى للانسحاب السوري من لبنان 2005 إلى أن وصلت رسائل مسلسل ثورات الربيع العربي المتلاحقة، في أواخر عام 2010.

لكن على الرغم من كل تلك الرسائل، إلا أن السلطة لم تُحسن قراءتها، بسبب غياب دولة القانون ووجود مؤسسات الأمر الواقع، على حد قول البروفسور عارف دليلة، الذي لم يسلم أيضًا بدوره من الملاحقة والاعتقال لمطالباته المتكررة بالإصلاح من جهة، وبسبب وجود ذلك السجّاد من جهة أخرى؛ ليكون عود الثقاب جاهزًا بعد ذلك، لإشعال ما تراكم تحته، ومن ثم اشتعال الأوطان.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق