“هيئة الأمم المتحدة” تشرّع الدول العدوانية على الأمم

(1)

عندما بدأت أوروبا تتجاوز أزماتها الداخلية مع الطواغيت والدوقيات والأباطرة والأمراء والملوك بدأت أزماتها الاقتصادية بالتفاقم، فاتجهت الأنظمة الرأسمالية الأوروبية إلى الحل عن طريق الهجرة والاستعمار لنهب ثروات الشعوب، وضربت عرض الحائط بكل الأفكار الليبرالية عن الحرية والمساواة والعدالة، وكان عليها أن تبدع نظامًا “دوليًا” جديدًا، حيث إن النظام الإمبراطوري القديم لم يعد صالحًا في العصر الحديث، فتم ابتداع “الحلف المسيحي المقدس”، وكان يقتصر على الأوروبيين، للتنسيق بين الجيوش الأوروبية الغازية، ووضع حد للنزاعات بين الأوروبيين؛ لكن بعد التوسع الاستعماري كان لا بد من البحث عن إطار أوسع، فتم ابتداع إدارة دولية جديدة تحت عنوان “عصبة الأمم”، لإدارة العلاقات بين الأوروبيين على أراضيهم، وعلى أراضي شعوب، وأمم الأرض في الوقت ذاته، ثم بعد تأجج حركات التحرر من الاستعمار، بدأت الاحتكارات الأوروبية تضع الأسس (المناسبة لها) لسحب جيوشها، ودفع شركاتها الاحتكارية، ومشاريعها السياسية، والتنظيمية إلى أقصى حد، وفي كل الاتجاهات من هذا العالم.

المهم أن الدول الرأسمالية الأوروبية التي غزت العالم، ثم وضعت ذلك الغزو تحت عنوان (الاستعمار) نسبته إلى القانون الدولي، ثم شكلت “عصبة الأمم”، لضمان وضع مستقر لصالحها على حساب أمم وشعوب الأرض، ولأسباب تتعلق بالتنافس فيما بينها، والظلم الذي لحق بدولة ألمانيا في مؤتمر فرساي، وعهد عصبة الأمم، اندفع “أودلف هتلر” إلى هدم (المعبد الدولي) على رؤوس الجميع؛ وهكذا كانت الحرب الأوروبية الثانية التي أظهرت قصور عصبة الأمم، وبينما كانت جيوش المنتصرين في الحرب الأوروبية الثانية تحتل برلين كان القادة السياسيون للمنتصرين يستثمرون ذلك الانتصار، بتوقيع معاهدات (وصفقات)، وبناء مؤسسات تدير مصالحهم في العالم، فكانت ولادة (الهيئة العامة للأمم المتحدة)، حيث احتكر المنتصرون (مجلس الأمن) باعتباره المؤسسة الوحيدة في الهيئة التي تصدر قرارات لها قوة الإلزام نسبيًا، أو يمكن أن تمنحها القوى العظمى المنتصرة (قوة الإلزام)، إذا كان ذلك في مصلحتها، أو تهملها لتفقدها قيمتها التنفيذية، إذا استدعت مصلحتها ذلك. ومع أن معايير القبول في هيئة الأمم المتحدة، كما هي واردة في المادة (4) من ميثاقها، تنصّ على أن “عضوية هيئة الأمم المتحدة مفتوحة لجميع الدول الأخرى المحبة للسلام، والتي تقبل الالتزامات الواردة في هذا الميثاق، وتكون في رأي المنظمة قادرة وعازمة على الوفاء بتلك الالتزامات”، فقد أثير التساؤل- كما يقول الأستاذ عبد الهادي عباس- “حول إمكانية اعتبار الدول الصغرى هي حقيقة (دول)، بالمعنى المستقل في القانون الدولي، وثانيًا حول الوفاء بالتزامات العضوية في الأمم المتحدة، إن كانت قادرة عليه، وثالثًا حول مشاركتها، إن كانت تعود عليها وعلى المنظمة بفائدة كافية، تبرّر منحها عضوية كاملة”(1).

وقد أكملت هيئة الأمم المتحدة ما بدأته عصبة الأمم، فقد نصت المادة (75) من قانون هيئة الأمم المتحدة: “تنشئ الأمم المتحدة تحت إشرافها نظامًا للوصاية، وذلك لإدارة الأقاليم التي تخضع لهذا النظام بمقتضى اتفاقات فردية لاحقة وللإشراف عليها، ويطلق على هذه الأقاليم اسم الأقاليم المشمولة بالوصاية”، كذلك فإن المادة (73) من ميثاق هيئة الأمم المتحدة اعتبرت العبء الملقى على أعضاء الأمم (كرسالة مقدسة) بالنسبة إلى الدول التي تضطلع في الحال، أو في المستقبل بتبعات عن إدارة الأقاليم التي لم تنل شعوبها قسطًا كاملًا من الحكم الذاتي، وتمسكها بالمبدأ القاضي بأن مصالح أهل هذه الأقاليم لها المقام الأول، ويقيمون أمانة مقدسة في أعناقهم الالتزام بالعمل على تنمية رفاهية أهل هذه الأقاليم إلى أقصى حد مستطاع، في نطاق السلم والأمن الدولي الذي رسمه هذا الميثاق”(2).

(2)

لكن لم يكن لتلك النصوص أثرٌ يذكر في التطبيق العملي، فبعد الحرب العالمية الثانية عُقد مؤتمر (يالطا)، وتم اقتسام النفوذ بين المنتصرين، وإن كانت الحرب الباردة فيما بعد قد استلزمت أساليب جديدة، بعد أن أدت اتفاقيات تقسيم مناطق النفوذ في الماضي إلى نتائج مأسوية، كانت الحرب الأوروبية الثانية مجرد واحدة من تلك النتائج، لكن على أي حال اقتسموا ألمانيا، وقسمّوا كوريا، وفيتنام، وأسسوا دولة (إسرائيل)، وتقاسموا إفريقيا وآسيا، وقسمّوا الأمة العربية إلى “دول”، منحوها العضوية في الأمم المتحدة، وتدخلت قواتهم في مناطق مختلفة من العالم، بحجة الطلب من الحكومات الشرعية التي أقاموها، وهذا “فولبرايت” يقول إنه حتى الآن لم يعثر على طلب “سايغون” بالتدخل الأميركي، وهذه دولة الولايات المتحدة الأميركية تتزعم الرأسمالية التي أصبحت ذات جذور، وامتدادات دولية، فتمزق وصية جورج واشنطن التي تركها للأميركيين عام 1796 وناشدهم: “لا تتدخلوا في الشؤون الأوروبية، وحاذروا أن تنساقوا إلى الاشتراك في المنازعات بين دول أوروبا، حاولوا الاستفادة من حروب الغير لتوسعّوا نطاق تجارتكم”(3)، حتى تصريح مونرو الذي وقفت منه أميركا موقف المدافع عن أميركا اللاتينية في مواجهة الاستعمار الأوروبي، حولته الحكومات الأميركية فيما بعد لتقوم هي بالمهمة، وتفرض من نفسها قيّمة على أمريكا اللاتينية بعد ذلك. وقد صدق “شتروب” في مجموعة محاضرات “لاهاي”، عندما قال: “إن سياسة حكومة واشنطن تسعى إلى مقاومة التدخل غير الأميركي، بواسطة التدخل الأميركي”(4).

أقامت الدول العظمى (المنتصرة) الأحلافَ في كل مكان، وفرضت التبعية في كافة الاتجاهات، وأبدعت من وسائل السيطرة والهيمنة ما فاق بكثير من حيث النتيجة قدرات الجيوش الغازية التقليدية، واتسعت الهوة بين الشمال والجنوب، حيث أصبحت الأجهزة، والدول، والمؤسسات القائمة على هذا الجنوب مجرد أجهزة ماصة للإمكانات، والثروات لضخها في بطون الرأسماليين؛ مما أدى إلى تفاقم الأزمات الدولية باتجاهين الأول اتساع الهوة بين الشمال والجنوب، والثاني بين الشمال الاشتراكي والشمال الرأسمالي، فبعد أن كان الحلفاء الذين خرجوا من الحرب العالمية الثانية منتصرين في مواقع متقاربة، بل إن معدلات النمو في أوروبا الشرقية، والاتحاد السوفييتي كانت أسرع منها في الغرب الرأسمالي، فإن إمكانات (الشمال الرأسمالي) في ضخ ثروات شعوب، وأمم الأرض (التي تفضلوا عليها برقم المرتبة الثالثة) جعلت الغرب الرأسمالي يخلّ بمبدأ التوازن، ويفاقم الأزمات داخل (الشمال الاشتراكي)، ويدفعه للانهيار، وإدارة أزماته بطريقة تجعله يلهث وراء (اقتصاد السوق)؛ وبالتالي يفقد مكانته حتى (كعالم ثان)، ويتسابق على طلب ود الشركات الرأسمالية للاستثمار في أراضيه، ذلك الاستثمار الذى كان يسميه، حتى وقت قريب، (استغلال).

كي لا نُتهم (بالانتقائية)، وأننا نبحث عن السلبيات، نقول : إن (هيئة الأمم المتحدة) لعبت دورًا إيجابيًا، أو على الأصح أن تلك الهيئة كانت تعكس مواقع أشخاصها (قوة، أو ضعفًا)، وهكذا عندما تطورت حركات التحرر في الخمسينيات والستينيات، وبرزت حركة عدم الانحياز، والحياد الإيجابي، ومنظمة الدول الأفرو-آسيوية، ومنظمة الوحدة الأفريقية، فإن الجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة تحولت إلى منبر للخطابة في التحرر والمبادئ الإنسانية، والدعوة للعدالة وتقدم البشرية، لقد حدث ذلك بعد حادثة بالغة الدلالة في قيمتها القانونية، والسياسية فقد ألغى عبد الناصر عام 1956 الاتفاقية التي عقدها الأوروبيون فيما بين بعضهم البعض لإدارة قناة السويس من طرف واحد، وعندما أنذروه لم يستسلم، وعندما دفعوا أساطيلهم، واستنفروا قواعدهم في المنطقة، بما في ذلك (دولة إسرائيل) لم يهرب، ويرتجف، كما توقعت دوائر الرصد التابعة لهم، وعندما حددوا أن 12 ساعة كافية لهزيمته، ولم يُهزم كما خططوا.. انتصبت هامات العديد من القادة الفرسان في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، وبدأت صيحات التحرر والاستقلال تترجم إلى قرارات تصدر عن الجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة، فهذا القرار رقم 1514 الصادر في 14 كانون أول 1960 الصادر عن الجمعية العامة يتبنى تصريحًا بإجازة استقلال البلدان، والشعوب المستعمرة، وقد “أدين التدخل الاستعماري البعيد عن أن يكون عامل تقدم، وأنه يشكل إنكارًا للحقوق الأساسية للإنسان، لأن لكل الشعوب حقًا لا يمكن التصرف فيه بالحرية الكاملة، لذلك فإنه يجب زوال الاستعمار بسرعة، من دون قيد أو شرط، وبكل أشكاله، وفي كل مظاهره”(5).

(3)

في 12 تشرين الأول 1970، وصف تصريح جديد للجمعية العامة للأمم المتحدة “الإبقاء على الاستعمار” بأنه (جريمة)، وأكد على حق الشعوب التابعة في اللجوء إلى كل الوسائل الضرورية في صراعها من أجل التحرر، وقد لازم الاعتراف بحق التحرر الوطني الاعتراف بشرعية الوسائل الهادفة إلى التحقيق الفعال لتقرير المصير، فكل شعب حر في اختيار وسائله في الكفاح. (6)

وهذا مندوب الهند ينسف الأساس (القانوني) الذي وضعوه للاستعمار، فيقول في الجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة: “إذا كان بعضهم قد أثار هنا اعتبارات حقوقية ضعيفة مستخلصة من حق دولي لرجال قانون أوروبيين قدامى، فإننا نجيب إن أولئك الذين كتبوا هذا الحق، كانوا قبل كل شيء قد نشؤوا وتربوا في مناخ استعماري”(7).

وهذا القرار رقم 213، تاريخ 21/12/1966 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة يقول: “ليس لأي دولة الحق بالتدخل مباشرة، أو بصورة غير مباشرة، ولأي سبب كان، في الشؤون الداخلية، أو الخارجية لأي دولة”(8). وفي السياق نفسه أيضًا اعتبر أن الأعمال التالية مخالفة لميثاق الأمم المتحدة:

1) استعمال القوة لحرمان الشعوب من (هويتها القومية).

2) استعمال إجراءات اقتصادية، أو سياسية، أو من أي طبيعة أخرى لإكراه دولة ما.

3) التخريب، أو عمل لتغيير نظام دولة أخرى.

4) التدخل في الصراعات الداخلية لدولة ما”(9).

ولمعرفة مدى أثر ذلك لا بد من الإشارة إلى أن كافة الأعمال المشينة المشار إليها في تلك القرارات، هي أعمال نفذتها دول الهيمنة الاستعمارية ضد الشعوب والدول التي قاومت التبعية.

وهكذا أيضًا تؤكد الجمعية العامة على احترام الشخصية القومية للشعوب، والدعوة إلى تحررها الثقافي، واعتبار الاستقلال الاقتصادي شرطًا ضروريًا لحرية إقامة نظام اجتماعي؛ وبالتالي فإنه بمجرد استعادة شعب متحرر حرية التصرف بأرضه يمكنه استغلال ثرواته كما يشاء دون هيمنة…، وهكذا اعتبرت الصهيونية شكلًا من أشكال العنصرية. وسوى ذلك من الأمثلة…!

صحيح أنها كانت مرحلة توهج إنساني وتحرري، لكنها سرعان ما خبت بسبب ظروف ذاتية، وموضوعية لا مجال لبحثها الآن، وصحيح أن القرارات الصادرة عن الجمعية العامة غير مُلزمة، وأنها كانت مجرد منبر للخطابة، لكنها عبرّت في تلك المرحلة (الناصرية – النهروية – السوكارنية – التيتوية – الجيفارية) عن الضمير الإنساني، وعن منظور النظام القانوني الدولي العادل الذي تحلم به الشعوب، ولهذا فإن دول الهيمنة، عندما تمكنت من احتواء تلك المرحلة، عادت هيئة الأمم المتحدة لتصبح مجرد مجلس أمن تديره الدول الكبرى التي كان بالإمكان اختصارها إلى اثنتين، أو إلى واحدة تدير “دول كومبارس”، لتحقيق مصالح الاحتكارات الدولية.

(4)

 لقد أدى الاستعمار إلى خلق مشكلات لا حصر لها في جميع أرجاء الأرض، ووضع الشعوب، والأمم في مواقع الاستعباد، والتخلف، ووضع يده على الثروات، والإمكانات المادية، وحتى البشرية في بعض الأحيان، واصطنع لتلك الشعوب مشكلات تجزئة، وفقر، ونزاعات إقليمية، وإثنية، واستخدم تقدمه التقني لتحقيق مصالحه، وقهر الشعوب، فقد كان الاستعمار، ولا يزال، بالنسبة إلى الأمم المقهورة سلبًا لإمكاناتها المادية والبشرية “يُسخرّها قسرًا لبناء الحياة الحرة في الدول الغاصبة، ويُبقي للمقهورين مشكلات ظروفهم قائمة من دون حل، أي يعوق تطورهم إلى الحرية، فارضًا عليهم التخلف ومع التخلف العبودية…”(10).

يقول د. عصمت سيف الدولة: “لقد بدأ الاستعمار سطوًا قوميًا تنهب به أمة إمكانات أمة أخرى، ثم أصبح استغلالًا عالميًا يمتصّ به الرأسماليون دماء الأمم جميعًا، بدأ سلبًا للمقدرّات الاقتصادية، ثم أصبح سلبًا للحياة الإنسانية، وبهذا انعزل الاستعمار قوة معادية في جبهة واحدة تواجه كل الشعوب من بني الانسان بما فيها الشعوب التي ينتمي إليها الرأسماليون المستعمرون أنفسهم، ومع أن الاستعمار ينحسر عن أطراف الأرض، فإن الاستعمار، ولو كان خفيًا، ما يزال مشكلة عالمية يقف المستعمرون فيها جبهة، ويقف الضحايا جبهة أخرى”(11) .

وما يعنينا من هذا الحديث أن الاستعمار قد أسّس معظم الدول التي تحتشد الآن في هيئة الأمم المتحدة، وهو وراء تلك الدماء التي ما زالت نازفة في أماكن كثيرة من أرجاء الكرة الأرضية. إن كان ذلك بسبب نزاعات الحدود (التي اصطنعها)، أو بسبب تأسيس (الدول دون القومية) كاعتداء على الأمم والشعوب، أو نتيجة لفرض الهيمنة الشاملة عليها بهدف شل قدراتها السياسية، والاقتصادية، والحضارية.

(5)

ولعل الأمور مرهونة الآن بالطريقة التي سوف تتطور بها الأمور، بعد أن أدت سياسة “غورباتشوف” (إعادة البناء) في الدول الاشتراكية إلى إحساس بأن دولة الولايات المتحدة الأميركية أصبحت الدولة العظمى الوحيدة في العالم، وبالتالي قبضت على القرار (الدولي)، في هيئة الأمم وفي غيرها، وإلى إحساس، لدى الشعوب المقهورة، بأن الهامش الذي كان يتيحه التنافس بين الكتلتين العظميين قد تقلص، وبالتالي فإن الشعوب أصبحت أمام خيارين إما الاعتماد الكامل على الذات في تحقيق مشروعها التحرري من التبعية والاستعباد، وإما الاستسلام، وقد عبرّ الأستاذ هشام جعيط عن هذه المرحلة الجديدة التي يندمج فيها العالمين الأول والثاني، تحت قيادة الولايات المتحدة الأميركية في مواجهة العالم الثالث، وما يليه… في قوله: “إننا الآن سنشهد ليس فقط هيمنة الإمبريالية بل أكثر من هذا بروز رقعة حضارية بيضاء أوروبية المنبع (تمتد من لوس أنجلوس إلى فلاديغوستوكن) في جو سلمي داخلي، عمادها الاقتصاد، ومنظومة قيم، إنها تريد فرض هيمنتها على كل عوالم الجنوب وتفرضها فعلًا عن طريق التكنولوجيا المتقدمة والمديونية والإعلام، وإذا لزم ذلك بقوة الأساطيل والجيوش، ومن يدري قد يكون ذلك يومًا بالسلاح النووي، فالنظام العالمي ليس فقط نظام الأمم المتحدة بل هو نظام البلدان المصنعة وزعيمتها الولايات المتحدة الأميركية المفروض على العالم والذي انضم إليه الاتحاد السوفيتي ومن طبيعة القوة أن تتصدى لكل توسع لقوة أخرى أو لبزوغ قوة جديدة تعتبرها مهددة لمصالحها وهيمنتها.. فالنظام الإمبريالي لا يكتفى بالدفاع (المشروع) عن الذات، بل يريد فرض هيمنة على الإنسانية بكل الطرق، وبدون مبرر أخلاقي، وهذا ما يميز السيطرة الغربية عامة عن إمبراطوريات الماضي..”(12).

هذا هو الطور الذي وصل إليه (الاستعمار)، ولا نقول المرحلة الأخيرة من الاستعمار، لأن ذلك متوقف على قدرة الأمم والشعوب على التحرر، وبناء مجتمع إنساني متوازن يحتكم إلى (قانون دولي) له سمات (القانون)، ومقومات (الدولي).

لكن، ومهما طوّر (الاستعمار) من أساليبه، ومهما تغيرت (مسمياته)، فهو ما زال يستند إلى الأسس ذاتها التي بُني عليها، ذلك أن المعرفة العلمية بالاستعمار تكشف عن حقيقة القوى الكامنة وراء الحروب العدوانية، وبواعثها، وأغراضها، إنهم الرأسماليون، كما يقول د. عصمت سيف الدولة، ويضيف: “الرأسماليون الذين يستغلون، أول ما يستغلون، الشعوب من أممهم ذاتها، ثم يستعملونها وقودًا للحروب التوسعية بقصد اغتصاب ما لدى الشعوب الأخرى من ثروات، وقوى لاستهلاكها، أو لتصنيعها ثم إعادتها إلى الشعوب المقهورة ذاتها لاستهلاكها في مقابل الأثمان التي يفرضها الغاصبون. كل هذا بقصد تحقيق مزيد من الربح للرأسماليين. لا جشعًا منهم كما يُقال عادة، ولكن لإن تلك هي طبيعة النظم الاستغلالية، حيث لا يستطيع أحد إلا أن يكون سارقًا، أو مسروقًا بحكم قانون المنافسة المخرّب… وإذا كان الرأسماليون لا يجدون ما يسترون به جرائمهم، ويدفعون به الشبهة عن مطامعهم، إلا أكثر الروابط الإنسانية بعدًا عن العدوان “القومية”، وهم لا يتورعون عن استغلالها متى كانت أكثر ملاءمة لإخفاء الأسباب الحقيقية للعدوان، بل إنهم قد يجدون حدثًا ما، وإذا لم يجدوه اختلقوه لإيهام (شعوبهم) بأن ثمة اعتداء على أمتهم ليدفعوا الناس إلى مجازر الحروب العدوانية التي لا علاقة لها بالقومية”(13).

وإذا كان هذا ما يدعيه المجرمون لإخفاء معالم جرائمهم، فإنه من غير المقبول أن يُردد الضحايا ادعاءات جلاديهم، وهذا يقودنا إلى الانتقال للحديث عن “حق تقرير المصير”.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هوامش، ومراجع:

(1) عبد الهادي عباس- السيادة- مصدر سابق- صفحة (42).

(2) المصدر السابق صفحة (101).

(3) و (4) المصدر السابق صفحة (120).

(5) و (6) و (7) المصدر السابق صفحة (102).

(8) و (9) المصدر السابق صفحة (104)

(10) د. عصمت سيف الدولة- نظرية الثورة العربية- الكتاب الثاني- صفحة (77).

(11) المصدر السابق صفحة (88).

(12) هشام جعيط- اليوم السابع- 20 آب 1990.

(13) د. عصمت سيف الدولة- نظرية الثورة العربية- الكتاب الثالث- صفحة (150).