العلَمان وما انشق عنهما

في مظاهرة حماة الشهيرة سنة 2011، في مشهد آسر لا يمكن نسيانه، امتد علم سوري طويل، اخترق صفوف المتظاهرين (الـ 700 ألف) الذين احتشدوا وسط المدينة للمطالبة بالحرية والعدالة والكرامة، تكرر مشهد المتظاهرين المعادين للنظام، وهم يحملون العلم السوري، طوال الشهور الأولى للثورة، لكن فجأة أو بالتدريج يغيب العلم الوطني؛ ليظهر بدلًا منه علَمٌ سوري آخر يعود إلى ما اصطلح على تسميته بالجمهورية السورية الأولى، التي عاصرت فترة من عهد الاحتلال الفرنسي وما بعده حتى انقلاب 1963، السؤال الملح الذي لم نسأله إلا في وقت متأخر من الثورة هو: لماذا اختار المتظاهرون السوريون علمًا قديمًا لسورية غير العلم الوطني، وهو الأمر الذي تفرّدوا به دون ثوار مصر واليمن وتونس؟ وهل كان هذا الاختيار أحد أسباب الانشقاق العمودي للشعب السوري؟ ولماذا قطع الثوار السوريون آخر صلة لهم بجمهور الرماديين والموالين معًا، باعتبارهم جميعًا سوريين يشتركون في هذا الرمز أي العلم الوطني؟

شارك البعض قصدًا في قطع أي صلة متبقية بين الثورة وبقية السوريين، هؤلاء ينقسمون إلى قسمين: الأول له خلفيات إسلامية أو طائفية، تعتقد أن الموالين هم طائفيون علويون. والثاني له خلفيات انفصالية ترغب بدولة أو إقليم للأكراد السوريين، طرف ثالث، وهم الثوار الوطنيون الذين يعتقدون أن علم سورية ليس وطنيًا أو سوريًا كفاية، فهو علم سورية ما بعد انقلاب حافظ الأسد الذي اعتمده بداية من سنة 1980، أي أنه بمعنى آخر، هو علم الديكتاتورية، وهذا التقدير -ولو كان صحيحًا من زاوية أن العلم الوطني قد شهد كل مرحلة الديكتاتورية- هو في الإجمال تقدير جزئي وعجول؛ لسببين: الأول هو أنه يغيب عن هذا التقدير أن الديكتاتورية منفصلة أصلًا عن الدولة وعن الوطن، وبالتالي فهي غير معنية بأي رمز من رموزهما، فهي، أي الديكتاتورية، ليست سوى سلطة عسكرية استولت على الدولة، بل حاولت الاستيلاء على الأسماء العريقة للأماكن والمؤسسات، فبدلتها، لتربطها بأسماء تعبر عن هذه السلطة، حتى إنها أرفقت اسم البلاد نفسها باسم العائلة الحاكمة، فأصبح اسم سورية مربوطًا أو ملحقًا باسم الأسرة، وهذا كان يقتضي من المعارضين والثوار أن يبدلوا اسم سورية ذاتها إلى اسم آخر، قياسًا على موقفهم من العلم الوطني. وهو -في اعتقادنا- أمر أو قياس ليس صحيحًا في الحالتين، والسبب الثاني أن العلم الوطني ظهر أولًا زمن الوحدة السورية – المصرية 1958 حتى 1961.

تقسيم السوريين

المشكلة الأولى الناشئة من وجود علمَين للسوريين هي تقسيم السوريين إلى قسمين، لكل منهما علَمه، وكل منهما يحتقر العلم الآخر ويعدّه علمًا غير وطني ودخيل، بالنسبة إلى الثوار، حصل انفصال بين رمز الثورة وبين رمز الوطن، وهذا -كما قلنا سابقًا- لم يحدث في أي ثورة عربية أخرى، باستثناء الثورة الليبية في مرحلة تحولها إلى صراع أهلي قبلي داخلي، هذا الانفصال لم يبق ظاهريًا أو رمزيًا، بل تحول إلى شرخ بين الثورة وسورية، فجمهور الثورة رسخ في يقينه أن سورية هي سورية الثورة فقط، وأن سورية الأخرى هي سورية المعادية، أو في أفضل الأحوال سورية المحتلة.

ربما كان العنف غير المبرر الذي مارسه النظام يبرر كثيرًا من المقولات المتطرفة للثورة، لكن ما يفاجئ هو أن الثوار الذين ظلوا على الأرض، وتعرضوا لعنف رهيب، أظهروا دومًا عقلانية واقعية، كما ظهروا أشخاصًا هادئين، مقارنة بالثوار الذين تحولوا إلى تبني توجه إسلامي، وكذلك مقارنة بالثوار الذين غادروا سورية إلى تركيا أو أوروبا، وكانوا يطلقون معظم التصريحات والمواقف العنيفة التي تحولت شيئًا فشيئًا إلى إعلان العسكرة وتبني خطابها، ومن ثم إلى الطائفية العارية، وتحضرنا هنا مقارنة، بين مواقف يوسف الجادر (أبو فرات) من جهة، ومواقف بعض أعضاء الائتلاف.

أما على الصعيد الإعلامي، فنجد الفرق شاسعًا بين توجهات صحيفة محلية مثل (عنب بلدي) تصدر في الداخل وفي مدينة محاصرة، وبين ما كان ينشره كل من موقعي (أورينت) و(زمان الوصل)، على سبيل المثال لا الحصر، اللذين تتم إدارتهما خارج سورية، وعلى هذا الأساس؛ نعتقد أن قرار استبدال العَلم الوطني بعَلم قديم هو قرارٌ لم يصدر من الداخل.

إن انقسام الشعب السوري إلى قسمين، مع أو ضد، إلى جانب قسم حيادي رمادي، لم يستمر طويلًا، فسرعان ما وجدنا انقسامًا داخل صف جمهور الثورة، كان الأول من التيار الكردي الذي رفع علمه منذ أول الثورة، إلى جانب علم الثورة، وبعد ما يقرب السنتين اكتفى برفع العلم الكردي دون علم الثورة غالبًا، كذلك في الفترة نفسها، بدأت تظهر الأعلام الإسلامية، ابتداء بعلم (جبهة النصرة).

هكذا أصبح جناح الثورة منشقًا إلى ثلاثة أقسام، سرعان ما انقسمت وتوالدت هذه الأقسام الثلاثة مع تتالي الأحداث ومستجدات الظروف إلى أن دخلنا سنة 2014، فلم نعد نر علم الثورة إلا قليلًا، حيث هيمنت الأعلام السوداء والصفراء.

على جانب الموالاة، ظهرت بدورها أعلام جديدة مسحت من الواجهة العلم الوطني، فظهر أولًا علم (حزب الله)، ومن ثم أعلام ميليشيات قادمة من الشرق والغرب والشمال، وفي سنة 2015، بدأ يظهر العلم الروسي إلى جانب العلم الوطني متلازمًا مع ظهور صورتي بشار الأسد وبوتين جنبًا إلى جنب.

أعلام وهويات

في حالة اختفاء العلمَين السوريين وظهور أعلام أخرى؛ نلاحظ مسألتين: الأولى تتعلق بحدوث شرخ في الهوية لزم عنه تبدل في الولاء، فلم تعد الهوية السورية -بالنسبة لجمهور الثورة- تشمل السوريين جميعًا، إنما أصبحت الهوية الجديدة للثوار المعارضين للنظام، هي هوية الثورة بالمعنى الوجداني العميق.

أما سورية الأخرى، فقد حدث تحول مهم في هويتها، تحول من هوية وطن إلى هوية جيش (الملاحظ هنا وهو جدير بالدراسة أن الالتفاف حول شخص الرئيس قد تراجع عند جمهور الموالين، سواء كانوا موالين سوريين أو موالين من الطائفة).

نظرة كل من الفريقين إلى الآخر

ينظر الثوار إلى جمهور الموالاة على أنهم أتباع النظام أو الجيش أو الشبيحة، وسوريتهم هويتها الأسد وشبيحته “سورية الأسد”، كما ينظر فريق الموالاة إلى فريق المعارضة والثورة على أنهم “خونة” يدعمون المؤامرة على سورية، أما سوريتهم فهويتها المؤامرة والإرهاب “سورية الخليجية أو الإسلامية”، وهذا يعني أن الولاء الوطني في سورية أصيب بانشقاق عمودي، فهناك سوريتان، لهما علمان، وما يلزم عنهما من هويتين وولاءين وتفاصيل أخرى.

تبدل الولاءات

المسألة الثانية، وهي تنطبق على كلا هذين الشقين، ومفادها أن الولاء الفعلي العملي لم يبق كما كان في بداية الانشقاق، مع اتخاذ كل من العلمين هويته الجديدة في السنة الأولى للثورة، فقد أصبحت الولاءات -بالأخص بالنسبة إلى القوى العسكرية على الأرض- تتبع الفصائل وأعلامها المتكاثرة، كما تتبع الجهات الفاعلة داخلية وخارجية، هكذا تشرذم كلا ولائي الثورة والمولاة، فلم يعودا ولاءين واضحين بسيطين داخلهما، وشابهما ولاءات جزئية، ففي صف الثورة، هناك مجلس وائتلاف وإخوان ويسار، ومن ثم سلفية بتعدداتها، وهناك جيش إسلام وجبهة نصرة، وهناك ولاء قطري أو سعودي أو ولاء تركي، وفي جانب النظام هناك جيش ودفاع وطني وقوات النمر وصقور الصحراء و(حزب الله)، كما هناك ولاء إيراني أو ولاء روسي.

الحال أننا نشهد، مع السنة الخامسة للثورة، غيابًا كبيرًا للثورة في صفوفها، كما غيابًا كبيرًا للأسد في صفوف الموالين، وعند الطرفين نشهد غيابًا كبيرًا لسورية التي نعرفها، غير أن الفريقين المتبقيين على حالهما كما كانا أول الثورة، فريق علم الثورة وفريق العلم الوطني، صارا أضعف الأفرقاء على الأرض، الأرض التي احتلتها أعلام أخرى لقوى لا هي تمثل الثورة، ولا هي تمثل النظام، مثل (داعش) والـ (بي واي دي) اللذين يبدو أنهما، خلال السنوات الثلاث الماضية، الرابحان في هذا الصراع المرير، بحيث أصبح لكل منهما دولته/ الحلم، في حين تلاشت قوى المعارضة والنظام حتى داخل المناطق التي يقيمان فيها، وحلت محلهما قوى أخرى بأعلام ورايات نقيضة للعلمين السوريين، علم الثورة والعلم الوطني.