من هيئة أمم متحدة إلى هيئة تقسيم الأمم…!

حاولت الدول الأوروبية خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، واستكملت ذلك في القرن العشرين، أن تُقونن هيمنتها على العالم، فتحافظ على جوهر النظام الإمبراطوري حيث حدود الإمبراطورية هي الحد الذي يمكن أن تصل إليه سنابك خيل جيوشها، لكن عماد الإمبراطورية الجديدة “دول ذات سيادة إسمية” تم التشريع للهيمنة عليها بقوانين ذات صفة دولية، يقوم عليها نظام عالمي تتلاعب به قوى الهيمنة كما يحلو لها، وتدرجت تلك القوى الباغية في فرض هيمنتها الإمبراطورية على العالم من الحلف الأوروبي المُقدّس الذي كان يقتصر على الأوروبيين، إلى عصبة الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الأولى التي منحت دول الهيمنة صكوك الاستعمار، والانتداب، والوصاية على أمم الأرض لتقيم “الدول العدوانية التي تقسم أمم الأرض وفق مصالحها “بدول فعلية”، ثم كانت المرحلة الثالثة بالانتقال إلى “هيئة الأمم المتحدة” بعد الحرب العالمية الثانية، حيث “مجلس الأمن” حكومة تنفيذية تتضامن فيه دول الهيمنة وتدير صراعاتها خارج أراضيها بالصراع على ثروات أمم الأرض، وهكذا فإن دول (الهيمنة) تلك ما زالت حتى الآن تغلف هيمنتها على العالم بما تسميه “القانون الدولي”، وقرارات هيئة الأمم المتحدة، وحتى قرارات مجلس الأمن فإنها -وحسب رغبة الدول الكبرى- تُنفّذ، أو توضع على الرف، ويشير جيانغ فرانكو بوجي إلى ذلك، لكن بتحميل المسؤولية عنه على الدول عامة، وليس على دول الهيمنة فيقول: “إن الدول هي التي خلقت النظام الدولي، وصاغت القانون الدولي” فينسب الخلل الذي يعاني منه “القانون الدولي” إلى الدول (على الإطلاق)، ونحن نرى في هذا تعسفًا لا بد أن يتخلص منه الفقه القانوني الدولي، يقول بوجي: “لقد شكّل نظام الدول الحديثة من الوحدات المتناسقة، المجانبة واحدتها إلى الأخرى، والمستقلة، فالدول المستقلة ليست أجهزة في نظام الدول لأنه (النظام الدولي) لم يوجدها ، ولم يمنحها السلطة، فهي (الدول) لم تأخذ سلطاتها الحكومية من نظام الدول، بل إنها امتلكتها بموجب الحق المتكافئ القائم ذاتيًا. إن الدول لم تفترض وجود (النظام الدولي) مقدمًا، بل أنها هي التي خلقته، أما (النظام الدولي) الذي وجد في العلائق وسط تلك الوحدات فلم ينشأ عن الخضوع المشترك إلى السلطة المتعالية، بل من التقيّد بالقانون الطوعي والمتزامن مع أحكام معينة ذات قيادة مشتركة في كل مسعى تقوم به الدول في سبيل مصالحها”(1).

يفترض بوجي أن كل دولة في النظام الدولي تولد ذاتيًا، علمًا أن دولًا كثيرة في عالم اليوم اصُطنعت من جانب دول خارجية، فيقول بوجي: “إن كل دولة في النظام الدولي عبارة عن وحدة تولد ذاتيًا، وتمنح السلطة ذاتيًا، وتعمل على وجه التحديد، على ملاحقة مصالحها الخاصة بها”(2). لكن بوجي لم يُفسّر لنا كيف ولدت تلك “الدول الفعلية” في الوطن العربي بخاصة.

هكذا كان القانون الدولي، وقواعد العلاقات الدولية، محكومة بقوة الأطراف، وشهوة السيطرة عند البعض على البعض الآخر، فقد تقاسمت الإمبراطورية الرومانية، وفي ذروة عظمتها، العالم مع ثلاث قوى أخرى على جانب من القوة، والأهمية وهي: الهان، والكوشان، والبراثيان. وكان العالم المعروف في ذلك الوقت بأثره هو موضوع القسمة. وهكذا في مطلع العصر الحديث كرسّت “معاهدة السلام” المعقودة في وستفاليا عام 1648 “الحلف المقدس” بين ملوك أوروبا بحيث يبقى كل ملك في بلاده ، ويتساوى واحدهم مع الآخر، لكن اختلال موازين القوى قادت إلى الاتحاد الأوروبي، وفي الحالتين كانت أرجاء العالم الأخرى هي محل السيطرة، والاتفاق والاختلاف، وهكذا فإن فكرة المنظمة الدولية التي من المفترض أنها فوق الدول كأشخاص دوليين متساويين لم تُولد بعد، فحتى النظام الدولي الجديد يقوم على توازن القوى، ويعمل (القانون) فيما بين الدول، لا فوقها، وبالتالي فإنها عندما تتحداه فإنها تمتلك القوة لهذا التحدي، وعندما تخضع له تكون قد خضعت للقوة التي يُمثلها (وهي قوى الهيمنة)، وليس لقوة القانون.

يقول بوجي: “وقفت كل دولة في وجه الحدود المتعلقة بسيادتها متخذة شكل دول متنافسة تكافح في سبيل إرضاء مصالحها الذاتية المحدودة، أما الحق فكان يتم بواسطة القسر، بل على أرض المعركة عند الضرورة، وبوجود المزيد من التبرير التأملي، والتطور القانوني، بلغ مفهوم الدولة المستقلة في جوهره، الحقائق العملية كما أقر بذلك القانون الدولي في (مبدأ الفعالية)، وذلك يعني حدود سلطة الدولة التي هي بمثابة حدود لمقدرتها على أن تجعل من حقها الخاص بها صالحًا. فلم يكن مثلًا حق ادعاء الدولة السيادة على البلاد بذي نفع لأنه لم يحافظ على النظام بصورة فعالة، ولم يستطع ضبطه إزاء الدول الأخرى”(3).

ميزان القوة أيضًا هو الذي يحكم التنافس بين الدول الرأسمالية الأوروبية على ثروات العالم، وما المعاهدات بينها إلا تعبيرًا عن هذا الميزان: “فالتنافس وسط القطاعات الوطنية في البرجوازية الغربية على الموارد التي لا تخضع إلى أية دولة ما، أو التي تعتبر شبه خاضعة لدولة ما. والمناطق العالمية المهيمن عليها من دولة ما. أصبح بالفعل مصدرًا لأكثر التوترات حدة، وبالتالي لاختلال التوازن”(4).

بل إن بوجي يصل إلى قاعدة يُضفي عليها صفة الإطلاق فيقول: “ليس بمقدور أي دولة على أن تحيا ما لم تكن مستعدة لدعم الحقوق التي تدعي امتلاكها، مهما كانت، لهذه الحقوق”(5).

وهكذا ، فإن “حق تقرير المصير” بقي محكومًا بمقدرة قوى الهيمنة الدولية على سلبه من الشعوب، وبمقدرة الشعوب على الدفاع عنه، وإذا كانت الشعوب قد تمكنت أن تستصدر قرارات عديدة من الجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة لحماية حق تقرير المصير، خاصة في مرحلة تصاعد حركات تحرر ما أسموه العالم الثالث، فإن قوى الهيمنة الدولية لم تعدم الوسائل للالتفاف على أغلب تلك القرارات، فاستعاضت عن الجيوش بالهيمنة الاقتصادية، فإذا كان “مُقتضى السيادة أن سلطة الدولة سلطة عليا لا يسمو عليها شيء ولا تخضع لأحد، ولكن تسمو فوق الجميع وتفرض نفسها على الجميع”(6)، فإن دول الهيمنة وحدها هي التي تمتعت بتلك السيادة، وإذا كان “مقتضى السيادة أن سلطة الدولة سلطة أصلية لا تستمد أصلها من سلطة أخرى”(7)، فإن السلطة في العديد من دول العالم وضعت في موقع التبعية لسلطات دول أخرى بأساليب بالغة التنوع، وإذا كان “للسيادة وجهان، سيادة خارجية وسيادة داخلية، الأولى خاصة بالعلاقات الخارجية بين الدول، ومقتضاها عدم خضوع الدولة صاحبة السيادة الخارجية لأية دولة أجنبية، والمساواة بين جميع الدول أصحاب السيادة، ومن ثم، فالسيادة الخارجية مرادفة للاستقلال (دور سلبي محض)، وعدم المساس باستقلال الدول الأخرى، والداخلية إيجابية بمعنى أنها سلطة عليا على جميع الأفراد والهيئات الموجودة في إقليمها، وأن إرادتها تسمو على إرادتهم جميعاً”(8)، فأن العديد من دول العالم ذات السيادة، والتي تتمتع بالعضوية الكاملة في هيئة الأمم المتحدة مسلوبة السيادتين (الخارجية والداخلية) إما معًا، وإما بالتبعية، بمعنى أن سلب الأولى يؤدي إلى سلب الثانية ، والعكس صحيح. مما يعني أن تلك الدول (تفتقد حق تقرير المصير)، بل إنها تستخدم كتمويه أمام شعوبها (أو لتضليل) الرأي العام الداخلي، والدولي. (تمويه استعماري)!!

نخلص من ذلك كله إلى أن “حق تقرير المصير” هو حق أصيل لصاحبه المحدد موضوعيًا وتاريخيًا، كتكوين تاريخي، وفي الطور الذي وصل إليه هذا التكوين، وأن هذا “الحق في تقرير المصير يقتضي أن لا ينتقص التأسيس (للدول) من هذا التكوين، ولا يتعدى على سواه، وإنما يتطابق معه، وبالتالي فإن أي تأسيس ( للدول) من هيئة مؤسسين خارجية ثم تشكيلها تنفيذًا لمعاهدات بين الدول الخارجية، أو تنفيذًا لمعاهدات إذعان مفروضة على الشعب، أو على الأمة، أو على أجزاء أو جزء منها، أو حتى تنفيذًا لقرارات صادرة عن هيئات دولية هو عدوان على الحق والقرار والمصير، وأن كافة الأعمال والممارسات المادية والمعنوية لإزالة هذا العدوان تستند إلى شرعية صاحب حق تقرير المصير في تقرير مصيره، وإذا كانت هيئة الأمم المتحدة تُعاني من خلل يتمثل في هيمنة دول السيطرة، ومحاولتها إضافة هيئة الأمم المتحدة وقراراتها الدولية والقانون الدولي إلى أسلحتها في غزو الشعوب والأمم بطرق مختلفة، وسلب حقوقها في تقرير مصيرها، فإن هذا لا يعني الركون والاستسلام لهذا الوضع الشائه، ولا يعني أننا ندعو إلى نبذ (القانون الدولي) ، أو عصيان (القرارات الدولية)، أو التخلي عن فكرة المؤسسة الدولية التي تُنسّق، وتنظم -وفق قواعد قانونية دولية مستقرة- العلاقات بين دول العالم، وإنما ننبه إلى أخطار استخدام ذلك النظام الدولي ومؤسساته وقوانينه، وقراراته من قبل دول الهيمنة لإحكام هيمنتها على العالم، وننبّه إلى ضرورة أن يتنبه الفقه القانوني الدولي كي لا تبقى المؤسسات  الدولية مجرد خاتم بيد دول الهيمنة تدفع به عدوانها على الأمم والشعوب إلى الأمام، وتغلفهّ (بالشرعية الدولية).

فهيئة الأمم المتحدة التي يدلّ أسمها على أنها هيئة (للأمم) حشدت فيها دول الهيمنة عشرات (الدول) التي تُشكّل عدوانًا على أمم مكتملة التكوين، وعشرات (الدول) التي خلقتها المطامع الاستعمارية لا الحقائق التاريخية، وعشرات (الدول) التي تحولت إلى سجون لمواطنيها يتصارعون داخلها لأنها اصطنعت لتضم تناقضات هائلة على أكثر من صعيد. هذا في نطاق تكوين الدولة دون التطرق إلى حجم التدخل الهائل من دول الهيمنة في إيجاد نظم الاستبداد، وقهر وتدمير الأمم والشعوب في أغلب أرجاء الأرض. فهل تلك المؤسسة بعد ذلك كله شكلًا وموضوعًا هي (هيئة أمم متحدة)، أم هيئة دول صانعة ومُهيمنة، ودول تابعة ومُصنّعة وغارقة في أزماتها الداخلية، وممنوع عليها التقدم والتطور؟ دول تُقرّر مصيرها، ومصير الغير، ودول مسلوب منها حقها في تقرير مصيرها، وحقها في مساندة الغير على تحصيل حقه في تقرير مصيره، ومع اختلافات نسبية مسلوب منها معظم حقوقها الأخرى.

مع ذلك، فإن: “حق تقرير المصير يُمثل قاعدة أساسية من قواعد القانون الدولي ذات صفة آمرة، فلا يجوز الاتفاق على ما يخالفها، وتبطل أي معاهدة، وأي قاعدة أخرى تتعارض معها، ويجب أن تنفذ بما يكفل ضمان التنفيذ العادل لها، فيجب أن تكون محصلة هذا التطبيق الوصول إلى الإرادة الحقيقية للمحكومين والأسلوب الذي يرغبون أن يُحكموا به، وفي الحكومة التي تمثلهم”(9).

هذا ما قاله د. جعفر عبد السلام في عام 1987، فكيف يُمكن أن نُنفذّ ذلك؟ وما هي الإمكانات الدولية؟ وأين هي مديرية التنفيذ الدولية؟ ولنحتكم إلى الواقع لا على مستوى العالم، ولكن على مستوى محدود: (الوطن العربي)، ماذا نرى؟. نرى دول الهيمنة الاستعمارية نفذت المعاهدات الموقعة فيما بينها منتهكة حق الأمة العربية في تقرير مصيرها، فأسست أكثر من عشرين دولة على أرض العرب، أعطتها بطاقات عضوية في هيئة الأمم المتحدة، فيما بين أعوام (1945-1970) واعتبرتها دولّا ذات سيادة بهدف تغييّب سيادة الأمة العربية على أرضها. وفي عام 1948 قررت الأمم المتحدة (تقرير مصير) جماعة (من الذين خانوا شعوبهم) واستوردتهم الدول الأوروبية الرأسمالية، والمنظمة الصهيونية إلى فلسطين وأقامت منهم دولة (إسرائيل) لأن المصالح المشتركة للدول، وللمنظمة تقتضي ذلك.

فكيف نُطبق حق تقرير المصير، خاصة، وأن الفقه في القانون الدولي يُجمع على أن (حق الشعوب في تقرير مصيرها) من القواعد الآمرة، وأن المعاهدات، والقواعد المتعارضة معها (باطلة)؟.

قد يُقال إن “الجمعية العامة للأمم المتحدة أصدرت فيما بين 11/ 11/ 1948 و17/ 11/ 1966 ثمانية عشر قرارًا بعودة الشعب العربي إلى فلسطين”(10)، ونحن لن نردّ على ذلك إلا بالإشارة إلى أن العرب المُشار إليهم في القرارات المذكورة لم يعودوا إلى فلسطين حتى الآن (2017)، وإن كان القيادي (الصهيوني) آبا آيبان رد على تلك القرارات في حينها، فقال: “حتى لو صوتت الأمم المتحدة بنسبة 121 إلى واحد فلن نقبل قراراتها”، (كان عدد الدول الأعضاء في الأمم المتحدة عند تصريح “آبا آيبان” 121 دولة + دولة إسرائيل).

وهكذا نجد أننا متوافقين مع د. عصمت سيف الدولة حين قال: “نحن نعرف الآن أن الأمة تكوين تاريخي، وأنها ما دامت أمة، فهي تقدم بهذا وحده دليلًا غير قابل للنقض على وحدة المصير القومي، سواء عرف الناس هذا، أم لم يعرفوه. فمن هنا يكون لكل أمة حق في التحرر مصدره وجودها الاجتماعي ذاته، وليس إرادة جيل من أبنائها، ولكل أمة حق في أن تقيم دولتها القومية مصدر وجودها الاجتماعي ذاته، وليس قرارات الأمم المتحدة، أو قواعد القانون الدولي. والمعنى الوحيد لحق تقرير المصير هو الحق التاريخي الاجتماعي لكل أمة في أن تتحرر، وتتوحد بدون شروط، بدون استفتاء، بدون اتفاق، بدون معاهدة، بدون قرار من هيئة الأمم المتحدة، وكل ما يرد على هذا الحق من قيود يضعها القانون الداخلي، أو القانون الدولي هي قيود غير مشروعة، بل أن هيئة الأمم المتحدة ذاتها ستظل منظمة غير مشروعة إلى أن تكون منظمة (أمم) متحدة، وليست مؤسسة (دول) صنعتهّا، وتديرها القوى الباغية على ما تريد”(11).

هكذا أردنا، بأكبر قدر من الوضوح، التأكيد على أن استخدام هذا المبدأ (حق تقرير المصير)، دون نسبته إلى صاحب الحق: (حق الأمم في تقرير مصيرها)، يفتح الباب واسعًا للتضليل، واستلاب الحق من صاحبه (الأصيل) بهدف العدوان عليه بالغزو العسكري، أو بالغزو الاقتصادي، أو بالغزو الثقافي، أو الغزو بالشركات متعددة الجنسيات، أو (العدوان بالدول) بمعنى استلاب سيادة الأمة بتأسيس دول عديدة على وطنها، وشعبها.

________________

هوامش، ومراجع:

(1) جيانغ فرانكو بوجي، تطور الدولة الحديثة، مصدر سابق، صفحة 129.

(2) و(3) و(4) و(5) المصدر السابق، صفحة 130 وما بعد.

(6) د. ثروت بدوي، النظم السياسية، مصدر سابق، صفحة 36.

(7) و(8) المصدر السابق، صفحة 37 وما بعد.

(9) المحامون، مصدر سابق، د. جعفر عبد السلام، صفحة 691.

(10) التقدم على الطريق المسدود، د. عصمت سيف الدولة، مصدر سابق، صفحة 84.

(11) نظرية الثورة العربية، د. عصمت سيف الدولة، الكتاب السابع صفحة 123.