الدولة: من الأساس إلى التأسيس

(1)

تقوم الدول في عالم اليوم مُلاصقة الواحدة منها للأخرى، وهي تشغل اليابسة بكاملها، وتمد سيادتها إلى أجزاء محددة (بالقانون الدولي) من البحار، والمحيطات، والبعض منها (القادر) يرفع أعلام (سيادته) على المناطق غير المأهولة، في مركزي التجمد الشمالي، والجنوبي، وينفُذ بتلك السيادة -إذا استطاع إلى ذلك سبيلًا- من الغلاف الجوي للكرة الأرضية، حيث يقيم قواعده العسكرية، و(العلمية) في الفضاء الخارجي للكرة الأرضية، كمعيار للتفوق، والمقدرة على أن يمارس سيادته في أن يحصي على الشعوب أنفاسها، ويصوّر سكناتها، وينقل لها ما يحب هو أن تراه، ويحجب عنها ما لا يجب أن تراه، ومنذ سنوات حمل رجال فضاء يحملون جنسية الولايات المتحدة الأميركية علم دولتهم لينصبوه على القمر، وفي الوقت ذاته حملت سفينة فضاء آلية علم دولة الاتحاد السوفيتي “في حينه” لتنصبه في الجهة المقابلة على القمر، تعبيرًا عن ميزان القوى في مرحلة زمنية معينة، فبعد إنجاز اقتسام الأرض، بدأ اقتسام الفضاء، وكواكبه، ومجراته، وما اقتسام القمر إلا بداية الصراع بين دول الهيمنة على الفضاء. فكيف وصلت دول (بذاتها) إلى تلك المرحلة، وعجزت أخرى عن مجرد إثبات الوجود الحقيقي (الموضوعي) على الأرض.

(2)

منذ القديم، وحتى الآن، راود بعض المفكرين، والفلاسفة، ورجال الفقه الإنساني، والقانوني، والسياسي، والاجتماعي، والاقتصادي تصوّرٌ بأن الثروات، والإمكانات المادية تكفي لتلبية حاجات الناس الذين يجب أن يجهدوا بتنمية عقولهم، وثقافاتهم، وإبداعاتهم، واكتشافاتهم العلمية للسيطرة على الطبيعة، واكتشاف المزيد من المجاهيل، وجعل الحياة الإنسانية أكثر رفاهية وسعادة؛ وبالتالي وجدت تلك القاعدة للتمييز بين الإنسان والكائنات الحية الأخرى بأن (الإنسان يأكل ليعيش، ولا يعيش ليأكل)، وعندما يفقد هذه الميزة؛ فإنه يفقد امتيازه عن الكائنات الأخرى. يترتب على هذا أن الهدف من إقامة النظام السياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي تنظمه الدولة في المجتمع هو (عدم استغلال الإنسان للإنسان داخل المجتمع)، وعدم استغلال مجتمع لمجتمع آخر في العلاقة بين المجتمعات، وبين أشخاصها الاعتبارية التي هي “الدول”؛ ما يعني بناء نظام دولي، ومؤسسة دولية محكومة (بقانون دولي) يرعى هذه المساواة، ويقمع -من تلقاء ذاته- أيَّ تجاوز من شخص من أشخاصه على آخر، أيًا كان هذا الشخص، بمعنى “حق عام دولي”، وهذا يؤدي إلى تنسيق الجهود الإنسانية لإشباع حاجات البشر أولًا، حتى إذا أصبح الخروج من المجال الجوي للكرة الأرضية ممكنًا، فليكن هذا الخروج ممثلًا لهذا البنيان الحضاري الإنساني المتوازن إلى الكون الفسيح (الموقف الأول).

في المقابل، ومنذ القديم أيضًا، وحتى الآن، راودت الأحلامُ بعض القادة، والحكام، والمرابين والتجار وما يحيط بهم من حشود من المفكرين والفلاسفة ورجال القانون والسياسة والاجتماع والاقتصاد. بأن لهم الحق -دون سواهم- بالثروات والإمكانات، حيثما استطاعوا امتلاكها؛ وبالتالي أعطوا أنفسهم الحق في استغلال الطبيعة، والبشر في مجتمعاتهم، وبناء النظام السياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي يوفر لهم ذلك، ثم دفعوا مجتمعاتهم، بعد رشوتها بنسبة من الغنائم، كـ (دروع) أمام مصالحهم، لاستغلال ثروات وشعوب المجتمعات الأخرى، وفرض النظم السياسية والاقتصادية والقانونية التي تتيح لهم ذلك الاستغلال، ثم الذهاب بذلك كله إلى هيئات ومؤسسات دولية، ليضفوا صفة الشمولية الدولية، أو كما يسمونها “الشرعية الدولية”، على سلوكهم، ثم يوظفوا نسبة من أرباحهم (الوطنية والدولية) لشراء العقول، والخبراء، والمبدعين للوصول إلى اكتشافات، وإمكانات يوظفونها لخدمة مصالحهم (الموقف الثاني).

هكذا افترق الموقف الثاني عن الموقف الأول، وبالرغم من أن الموقف الثاني حقق نجاحات في تحقيق أهدافه؛ إلا أن أصحاب الموقف الأول لم يستسلموا، وما زال الصراع دائرًا في كل مكان من هذا العالم. الحلم بالعدالة والمساواة والحقوق يستمد مشروعيته من غائيته، وينصب راية حلمه في مواقع متفرقة وقليلة، لكن الأفق مفتوح على موقف إنساني أكثر وعيًا. والموقف الثاني يستمد مشروعيته من قوته الصماء، وقدرته على البطش في كافة الاتجاهات، وضعف روادعه الأخلاقية والإنسانية، واتساع دائرة نفوذه، لكن الأفق أمامه لا يبدو صافيًا؛ ذلك أن الشعوب ضاقت ذرعًا باستخدامها كآلات صماء في أجهزة المستغلين.

(3)

حتى لا تذهب بنا الاستطرادات بعيدًا عن موضوع هذا الحديث، نبقى في إطار (الدولة)، باعتبارها أحد أهم ساحات الصراع بين (الموقفين) سخونة؛ ذلك أن ساحة الدولة تستدعي كافة الأطراف الفكرية، والعسكرية، والاقتصادية، والاجتماعية، والفلسفية، والقانونية، والعلمية، وبالتالي فإن الطرفين يستدعيان كافة أركانهم إليها.

وهكذا في بناء (تراتبي)، نجد أنفسنا أمام تكوين تاريخي مشترك لمجتمعٍ ما، يختص بأرض محددة، يكون هو الأساس الموضوعي والمستند القانوني لتأسيس دولة متطابقة معه، ثم تكون تلك الدولة مستندًا لمشروعية مؤسسات تتنوع حسب نوع النظام السياسي والاجتماعي والاقتصادي؛ وتكون بدورها مصدرًا لعدد لا يحصى من النظم القانونية، والتشريعية، والتنفيذية، والإدارية تشمل كل نواحي المجتمع، أفقيًا وعموديًا، ثم تكون تلك الدولة شخصية معنوية هي أحد أشخاص القانون الدولي تُمثل شعبها في المؤسسات الدولية، وتوقع نيابة عنه المعاهدات والاتفاقات، وتدخل به المنازعات والحروب، وتقبل ما يقدم له من حقوق، والتزامات في ذمة الغير، وتدفع ما عليه من استحقاقات، وتتحدث باسمه.

في هذا البناء الشامخ، يستند كل وضع قانوني إلى مصدره، وكل مصدر إلى مصدره، وهكذا. من هنا تظل قضية الشرعية قضية مهمّة، ذلك أن شرعية وضعٍ ما، لا تطال هذا الوضع وحسب، وإنما تنال من جميع الأوضاع التي ترتبت عليه إعمالًا للقاعدة الأساس: “ما بُني على باطل، فهو باطل”.

(4)

يترتب على ذلك أن شرعية المؤسسات والقوانين ليست في مستوى واحد من الأهمية؛ ذلك أن أهميتها تستمد من موقعها في ذلك البناء التراتبي، فعندما نتثبّت من عدم شرعية قانون، أو إجراءٍ ما، نبحث في الآثار التي ترتبت عليه، والتي يشملها إعادة النظر، ففي بعض الأحيان، يكون إعمال الشرعية يسيرًا إذا اكتُشف الخلل قبل أن تسند إليه إجراءات وأوضاع أخرى؛ ذلك أننا نكون في الطابق الأخير الذي وصل إليه البناء، أو فرع منه في فترة زمنية محددة، وفي أحيان أخرى يكون الخلل جسيمًا عندما يكون في أساس البناء، أو في منطقة قريبة منه، وفي هذه الحالة قد لا تنفع عملية الترميم، وقد يضطر المجتمع -بالرغم من العناء والخسائر- إلى أن يهدم ذلك البناء، ويبدأ بتأسيس، وتنفيذ البناء المتطابق مع الشرعية من جديد، وهذا ما يُسمى في التاريخ البشري “الثورات الكبرى”.

(5)

وهكذا نحن -في ما يخص الدولة- أمام مرحلتين مهمتين:

المرحلة الأولى أسميناها (الأساس)، بمعنى أنها تكوين تاريخي مشترك يحدّ المجتمع، بحيث يتحول (البشر والأرض) في طور تاريخي مشترك إلى (الشعب والوطن)؛ فيكون هذا هو الأساس الذي لا يملك إراديًا أيُّ فرد من المجتمع، أو أي جماعة منه، أو أي قوة خارجية، أن يعبث به انتقاصًا من، أو إضافة إلى. وأي خلل هنا في وضع حجر الأساس (للدولة)، بحيث يتطابق مع ذلك الأساس الذي تكوّن تاريخيًا، يعني أننا أمام (دولة باطلة)، مهما ارتفع صرح بنيانها القانوني، والسياسي، والاجتماعي، والاقتصادي، والثقافي، والدولي.

المرحلة الثانية أسميناها (التأسيس)، بمعنى إيجاد مؤسسات الدولة، وتحديد نظامها السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وتحديد السلطات وحدودها، والعلاقة فيما بينها، وهذه كلها أعمال إرادية، بمعنى أن القوى الفاعلة في المجتمع تملك تحديد هذا النظام، وتغيّره لتلبية الحاجات الاجتماعية، وهذا يعني أننا هنا في مواجهة وضع إرادي، يرتضيه المجتمع، أو يعمل على تغييره، ويتحكم بذلك تطور القوى الفاعلة في كل مجتمع على حدة، وأي خلل هنا يتعلق بمشروعية هذا القانون، أو مشروعية هذا النظام، أو مشروعية أي سلطة من سلطاته، يمكن إصلاحه، أو تغيير شكل النظام برمته.

ذلك أننا هنا بمواجهة مؤسسات تم تشكيلها إراديًا، وبمواجهة قوانين وضعية يملك الشعب، أو من يمثله، تغييرها وتبديلها؛ لتلبية حاجات المجتمع، فكما امتلك الحق والإرادة في وضعها أول مرة، يمتلك الحق بتغييرها، وتعديلها حسب الحاجة.

وهكذا؛ فإن أركان الدولة (الوطن، الشعب، السلطة) تخضع لمرحلتي الأساس، والتأسيس.

فالوطن والشعب تكوين تاريخي، يُشكلّ المستند (الأساس) الذي يستوجب أن تتطابق معه عملية (تأسيس) الدولة، وتشمله السيادة، والعكس غير صحيح.