قضايا المجتمع

حرية الرأي والتعبير في الدساتير والفقه الأوروبي

أسوة بما هو منصوص عليه في الاتفاقيات والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان، بشأن حق اعتناق الآراء والتعبير عنها بحرية، تنصّ الدساتير والتشريعات الداخلية لسائر الدول على حرية اعتناق الآراء والتعبير عنها. وتأسيسًا على ذلك؛ تحظر هذه الدساتير والتشريعات المساس بحرية الرأي أو تقييدها، إلا في حالات خاصة ولأوقات محددة.

يشدد المجلس الدستوري الفرنسي بأهمية الحق في التعبير عن الآراء التي يسميها عادة “حرية المعلومات”، مؤكدًا على أن حرية التعبير عن الرأي تعدّ بمنزلة “حرية أساسية ذات قيمة، وتعدّ ممارسة هذا الحق أحد الضمانات الأساسية لصيانة حقوق الأفراد والسيادة الوطنية” (قرار المجلس الدستوري الفرنسي الصادر في 19 – 20 تشرين الأول/ أكتوبر 1984). إلا أن قرار المجلس الدستوري الفرنسي الصادر في 27 تموز/ يوليو 1982، اعتبر أن الحق في التعبير عن الرأي ليس مطلقًا، ولا ذا طبيعة شمولية، حيث إن تحقيقه مرتبط بالإيفاء بمجموعة من المتطلبات (القرار الصادر عن المجلس الدستوري، في تاريخ 18 أيلول/ سبتمبر 1986).

وبموجب المادة 16 من دستور الاتحاد السويسري الساري منذ أول كانون الثاني/ يناير 2000؛ فإن حرية التعبير عن الرأي، وتلقي المعلومات ونشرها، مكفولة لكل شخص. من هنا يمكننا القول إن هذه الحرية أي حرية التعبير -كغيرها من الحقوق والحريات- لم تأتِ على وجه الإطلاق، وإنما جاءت كغيرها من الحقوق والحريات محلًا لمجموعة من الضوابط والقيود الرامية، لضبط ممارسة هذه الحرية، والحيلولة دون استغلالها على وجه مغاير للغاية التي أقرت من أجلها. وتكفل المادة الخامسة من دستور ألمانيا الاتحادية حريةَ الرأي والمعلومات والصحافة، حيث تنص على حق كل فرد في التعبير الحر عن رأيه وترويجه شفهيًا أو كتابة أو تصويرًا، وضمان حرية الصحافة وحرية إعداد التقارير، وتقديمها عبر الفيلم والإذاعة. ولا يجوز فرض الرقابة أو القيود على حرية التعبير إلا وفق لوائح وأحكام قانونية، تهدف إلى حماية الجيل الشاب، وحقوق الآخرين المدنية وسمعتهم وشرفهم الشخصي.

تنسجم القيود المفروضة في الدول الأوروبية على التعبير عن الرأي، مع أحكام العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لعام 1966 (المادة 19) التي تجيز تقييد حرية التعبير عن الرأي، في بعض الحالات التي تستدعيها الضرورة وبالاستناد إلى نصوص قانونية لاحترام حقوق الآخرين أو سمعتهم، أو لحماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة. ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن هذه الضوابط والقيود قد وضعت أساسًا لمنع الأفراد من التعدي على حقوق وحريات الآخرين أو المساس عند ممارستهم لحرية التعبير عن رأيهم.

وحرية التعبير عن الرأي مكفولة في الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، سنة 1950 (المادة العاشرة) التي تنص على أن لكل إنسان الحق في حرية التعبير، وأن هذا الحق يشمل حرية اعتناق الآراء، وتلقي المعلومات والأفكار وتداولها من دون تدخل من السلطة العامة، وبصرف النظر عن الحدود الدولية، وذلك دون إخلال بحق الدولة في تطلب الترخيص بنشاط مؤسسات الإذاعة والتلفزيون والسينما. وتشير الاتفاقية الأوروبية بوضوح إلى أن حرية التعبير تتضمن واجبات ومسؤوليات، ولذا يجوز تقييدها بموجب القانون، حسب ما تقتضي الضرورة في مجتمع ديمقراطي، لصالح الأمن القومي وسلامة الأراضي وأمن الجماهير وحفظ النظام ومنع الجريمة وحماية الصحة والآداب واحترام حقوق الآخرين ومنع إفشاء الأسرار، أو لغرض تدعيم السلطة وضمان حياد القضاء.

من المؤكد أن حرية الرأي والتعبير تندرج ضمن الشروط التي تفسح المجال أمام الممارسة الديمقراطية، وبالتالي توفر الإمكانية للتعبير عن الأفكار والآراء، بما في ذلك الآراء والمواقف السياسية، على اختلافها وتنوعها، وهذا ما يستشف من نص المادة العاشرة للاتفاقية الأوروبية. وفي هذا السياق، أبرزت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان مدى أهمية حرية التعبير، كأحد مميزات المجتمع الديمقراطي، بإعلانها أنّ على المحكمة أنْ تذكر بأن الحق في التعبير عن القناعات المجسد في المادة العاشرة من الاتفاقية الأوروبية، يعدّ من أهم الركائز الأساسية للمجتمع الديمقراطي، وأحدَ الشروط الضرورية لضمان تطوره، والتعبير الذاتي عن كل إنسان. ومع الأخذ بالحسبان نص الفقرة الثانية من المادة العاشرة للاتفاقية التي لا تنطبق على المعلومات أو الأفكار التي تحوز على رضى الدولة وتعدّ محايدة، فحسب، بل على تلك التي تثير حفيظة الدولة والفئات الاجتماعية المختلفة. هذه هي متطلبات الليبرالية: الصبر واتساع مدى التفكير، التي من دونها تنتفي أسس ومقومات المجتمع الديمقراطي.

تبرز أهمية قرار المحكمة الأوروبية في القضية المذكورة أعلاه، بانعكاساته الإيجابية على الصحافة التي تؤدي -بكافة أشكالها المكتوبة والمسموعة والمرئية- دورًا أساسيًا في تمكين المواطنين من ممارسة حقهم الأساسي في التعبير الرأي؛ فالدور الأساس للصحافة ينحصر في نقل وتبليغ المعلومات والأفكار ذات العلاقة بالمسائل السياسية والقضايا الأخرى التي تنطوي على أهمية اجتماعية. والصحافة مطالبة بإذاعة المعلومات والأفكار، ومن حقها القيام بذلك، لأن من حق المجتمع بجميع شرائحه معرفتها وتلقيها. إضافة إلى ذلك، تكمن حرية الصحافة في أنها توفر الفرصة لكافة الشرائح الاجتماعية في معرفة الأفكار والنظريات التي ينادي بها القادة السياسيون، لكي يكون باستطاعتهم تحديد موقف منها. وبناءً على ذلك؛ فإن حرية الحوار ذي الطابع السياسي هي أهم الركائز التي يقوم عليها المجتمع الديمقراطي.

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق