نظرة سريعة على انتهاكات المتحاربين لحقوق الإنسان في سورية

واكب ثورة السوريين السلمية التي انطلقت في آذار/ مارس 2011 انشقاقاتٌ يومية ومتتالية، في صفوف القوات العسكرية والأجهزة الأمنية التابعة لنظام بشار الأسد. وكان السبب وراء تلك الانشقاقات الواسعة النطاق إصرار النظام على الاستخدام المفرط للقوة ضد الاحتجاجات السلمية التي تفجرت آنذاك في معظم أنحاء سورية، وارتكاب قواته وأفراد أجهزته الأمنية جرائم ضد الإنسانية، بحق المدنيين والأبرياء السوريين.

على ضوء اتساع دائرة الانشقاقات في صفوف العسكريين والسياسيين أيضًا؛ نشأت مجموعات مسلحة من بين المنشقين، أعلنت أنها ستأخذ على عاتقها حماية الاحتجاجات السلمية من اعتداءات النظام بقوة السلاح. وقد دشنت تلك المرحلة بداية انحسار الطابع السلمي للثورة السورية بالانحسار، وبدأت تتضح مؤشرات على تنامي القدرات التنظيمية والعسكرية للجماعات المسلحة التي انضوت تحت راية “الجيش السوري الحر”. وقد أخذ نطاق الاشتباكات بين قوات النظام والجماعات المسلحة بالاتساع، من حيث كثافة النيران وامتداد رقعة الاشتباكات إلى مناطق جديدة، إلى أن تحولت إلى قتال دائم يتميز بقدر أكبر من الوحشية وقوة الأسلحة المستخدمة من طرف قوات النظام على وجه الخصوص.

أدى تنامي العنف المسلح، بين قوات النظام و”الجيش السوري الحر” وسائر الجماعات المسلحة التي بدأت بالظهور آنذاك، إلى انتقال الحالة في سورية من احتجاجات سلمية إلى نزاع مسلح، إذ أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر في 16 تموز/ يوليو 2012 عن وجود نزاع مسلح غير دولي (داخلي) في سورية. وتلا ذلك إعلان لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بالجمهورية العربية السورية، أن العنف الممارس من قِبل قوات النظام ومنظمة “الجيش السوري الحر” وصل إلى حد النزاع المسلح غير الدولي؛ وبات يتعين تطبيق القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان (تقرير لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بالجمهورية العربية السورية، 16 آب/ أغسطس 2012).

مع تعاظم حدة العنف المسلح واتساع رقعة العمليات القتالية، بين قوات النظام والجماعات المسلحة التي تمكنت من إقصاء “الجيش السوري الحر”؛ لم يعد ارتكاب الجرائم الخطيرة يقتصر على القوات العسكرية والأجهزة الأمنية التابعة للنظام، بل باتت جماعات المعارضة المسلحة أيضًا، ومن ضمنها المصنفة بالإرهابية، تمارس مختلف أشكال العنف والقتل والاضطهاد بحق المدنيين وأفراد “الجيش السوري الحر” والعسكريين السوريين التابعين للنظام. وتؤكد الشهادات والتقارير الدولية على أن الجماعات المسلحة، بما فيها الجماعات “الجهادية” -الخارجية والداخلية- كـ “هيئة تحرير الشام” (جبهة النصرة سابقًا)، و”الدولة الإسلامية في العراق والشام” (داعش)، ومعظم الكتائب المسلحة كـ (جيش الإسلام) و(أحرار الشام)، و(جيش المهاجرين والأنصار)، و(صقور العز) وغيرها، تنتهك حقوق الإنسان على نحو خطير، وترتكب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب أسوة بالنظام (تقرير منظمة “هيومن رايتس ووتش: دمهم ما زال هنا”، عمليات الإعدام وإطلاق النار العشوائي واتخاذ الرهائن من قبل قوات المعارضة في ريف اللاذقية، 2013).

ما زال المدنيون السوريون يرزحون تحت وطأة عنف المتحاربين الوحشي، منذ ما يزيد عن ستة أعوام من النزاع المسلح. فقوات النظام والميليشيات الموالية لها تمعن في أعمال القتل العمد والتعذيب وإساءة معاملة السجناء والمحتجزين والاختفاء القسري والإعدام خارج نطاق القضاء، فضلًا عن الهجوم على المدنيين والأعيان المدنية، بما في ذلك استهداف المستشفيات والمدارس والبنية التحتية وشبكات المياه، واستخدام مختلف الأسلحة المحرمة دوليًا، كالقنابل العنقودية والأسلحة الحارقة وقنابل الكلور على الأحياء السكنية؛ ما يتسبب بخسائر فادحة بين المدنيين من جراء القتل والتهجير. وبدورها، تمارس الجماعات الإرهابية، كـ “نحرير الشام” (جبهة النصرة سابقًا)، سياسة الإعدام خارج نطاق القضاء بما في ذلك بحق النساء وتقوم بتجنيد الأطفال، وتشترك مع جماعات مسلحة أخرى في قصف الأحياء السكنية المأهولة بالمدفعية؛ ما يتسبب بقتل المدنيين وتحديدًا الأطفال. أما (داعش) فتمارس الإعدام والعقوبات الجسدية بحق المدنيين، بما فيهم الأطفال، بدعوى انتهاكهم لفكر الجماعة، وتقوم بتدمير الأماكن الأثرية على غرار ما حدث في مدينة تدمر الأثرية. وتستخدم الجماعات المسلحة الأخرى المدافع والأسلحة ذاتية التصنيع في قصف الأماكن السكنية، وتتسبب بقتل المدنيين، وتسعى لفرض “القانون”، بواسطة “المحاكم الشرعية” التي لا تتوافر فيها أدنى شروط المحاكمة العادلة، وترتكب أفعالًا منافية لحقوق الإنسان، كالاعتقال والاحتجاز التعسفيان والتعذيب وإساءة المعاملة والاختفاء القسري (قرار مجلس حقوق الإنسان، بشأن تدهور حالة حقوق الإنسان في الجمهورية العربية السورية، والوضع مؤخرًا في حلب، دورة استثنائية – 25/1، 21 تشرين الأول/ أكتوبر 2016).

وترتكب الجماعات المسلحة الكُردية والمتحالفة معها، كـ (وحدات حماية الشعب/ YPG) و(قوات سورية الديمقراطية/ SDF)، انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان؛ إذ تقوم بالتهجير القسري للسكان في المناطق التي تحت سيطرتها، بحجة تنظيف حقول الألغام التي زرعتها (داعش)، ولا تقدم خدمات الإغاثة الإنسانية للمهجرين في بعض الأحيان، وتقوم بالتجنيد القسري للفتيان والرجال. وتنفذ بعض القوى الدولية والإقليمية ضربات جوية على الأراضي السورية، وتنشر قوات على الأرض في سورية؛ ما يؤدي إلى تفاقم حدة الصراع وزيادة الأضرار بالمدنيين.

تنطوي ممارسات وأفعال المتحاربين في سورية على انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، وارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية على نطاق واسع؛ الأمر الذي يحتم على المجتمع الدولي توفير الحماية للسوريين بشكل فوري، ووضع حد لهذه الحرب التي دمرت الإنسان والبلد. ومن هذا المنطلق؛ يتعين على المجتمع الدولي تقديم كافة أشكال الدعم والعون للجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بالجمهورية العربية السورية، والآلية الدولية المحايدة والمستقلة، للمساعدة في التحقيق بشأن الأشخاص المسؤولين عن ارتكاب الجرائم الأشد خطورة (جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية)، وتقديم كافة المعلومات التي بحوزة الدول والمتعلقة بمرتكبي هذه الجرائم إلى هذه اللجان. ومن واجب المجتمع الدولي أيضًا، تمكين الشعب السوري من تحديد مستقبله وشكل نظام الحكم الذي يرتئيه، من خلال تقديم كافة أشكال المساعدة للشعب السوري، وتمكينه من إدارة حوار ذي صدقية لتحديد الآليات المناسبة لتحقيق أسس العدالة والمصالحة، وكشف الحقيقة في سبيل مساءلة مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وتحويل ملف سورية إلى محكمة الجنايات الدولية؛ من أجل محاسبة كل المجرمين وعدم تمكينهم من الإفلات من العقاب بصفته شرطًا لتحقيق العدالة والمصالحة.