مقالات الرأي

من سيؤيد التقسيم في سورية؟

منذ بداية الثورة السورية 2011، نتابع كيف تردد الدول الكبرى والإقليمية، ومعها المنظمات الدولية، شعارَ الحفاظ على وحدة سورية أرضًا وشعبًا، إضافة إلى مقولة إن السوريين هم من يقرر مصير بلدهم وكذلك مصير الأسد من دون تدخل خارجي.

يصعب التعليق على هذه الشعارات، من جهة ممارسات تلك الدول الفاعلة في المشهد السوري، وبخاصة روسيا وأميركا وبعض الدول الإقليمية.

بالرغم من أن وحدة سورية تمثل مطلبًا يُجمع عليه غالبية السوريين، من معارضة وموالاة، لكن كل واحد يفهم الوحدة من وجهة نظره، أما الدول فتختلف في حقيقة الأمر بالتعامل مع موضوع وحدة سورية، التي تتناقض مع سعي تلك الدول للحصول على نفوذ أكبر وحضور فاعل في الجغرافيا السورية.

منذ سنتين، عبّرت عن وجهة نظري بأن روسيا ستكون أول دولة تؤيد تقسيم سورية، وذلك بعكس ما نسمعه من تصريحات دبلوماسية وإعلامية وسياسية في موسكو. وقد يستغرب البعض ذلك التحليل. وأعتقد أن الروس لو استطاعوا الحفاظ على وحدة سورية في ظل نظام الأسد أو ما يشبهه؛ لفعلوا، فهذا أفضل لمصالحهم، ولا سيما بعد أن تدخّلوا عسكريًا في أيلول/ سبتمبر 2015؛ وبسطوا سيطرتهم على المناطق السورية التي تخضع للنظام في المناطق الساحلية والوسطى، وأصبح لديهم حضور في مناطق في الشمال والشرق وحتى في الجنوب.

منذ أن تشكلت فصائل المعارضة المسلحة تحت راية الجيش السوري الحر، وحررت ثلثي البلاد عام 2012؛ تدخل (حزب الله) الطائفي لإنقاذ الأسد ومنع سقوط دمشق، وتدخلت إيران -بكل ثقلها الأمني والعسكري والاقتصادي- مراهنة على سورية، معتبرة أن دمشق هي العاصمة الرابعة التي تخضع لنظام ولي الفقيه المشؤوم. ونعرف أن روسيا دعمت النظام الأسدي، وتحالفت مع إيران للحفاظ عليه، وهنا بالضبط بدأت معالم التقسيم في الميدان وبخاصة إذا تذكرنا شعار “سورية المفيدة” الذي ورد على لسان قادة النظام السوري والروسي والإيراني. والمقصود بسورية المفيدة هو المناطق المهمة من وجهة نظر الأسد، والواقعة تحت سيطرته مع حلفائه، وهي المرشحة لأن تبقى تحت سيطرة النظام، وخصوصًا المنطقة الساحلية التي كانت تحت سيطرة الحرس الثوري الإيراني إلى أن تدخل الروس وأسسوا قاعدة حميميم، وبسطوا سيطرتهم على الساحل، وتوسعوا في حمص وحماة ومناطق أخرى؛ فأزاحوا الإيرانيين من أغلب تلك المناطق.

تعقدت الصورة، بعد ظهور (داعش) و(جبهة النصرة) اللذين اعتُبرا شمّاعة للتدخل الخارجي وقصف المدن وتدمير سورية. وساهمت (داعش) في ترسيخ صورة التقسيم، من خلال تأسيس دولة “الخلافة” المزعومة إلى جانب الإمارات الإسلامية التابعة لـ (جبهة النصرة)، ومع تحول قادة الفصائل إلى أمراء حرب، ومثلهم بقايا جيش النظام التي اتخذت شكل ميليشيات مثل ميليشيا العقيد سهيل النمر، وفصائل أخرى تعمل في حمص وتدمر ومناطق أخرى. وقد كتب خبراء عسكريون روس أكثر من مرة حول ضرورة إعادة إصلاح الجيش السوري، والأفضل تأسيس جيش جديد؛ إذ إن غياب الجيش السوري الرسمي عكس بشكل واضح زوال صورة الدولة الواحدة (بالرغم من أنها لم تكن موجودة في عهد الأسدين بالمعنى الكلاسيكي) ونشوء مناطق نفوذ، تهيمن عليها قوى داخلية وإقليمية ودولية.

كما نشأت (وحدات الحماية الشعبية) الكردية، بدعم واضح من النظام وإيران، لتؤدي مهمة خطيرة، وهي إجهاض المشاركة الكردية في الثورة والسيطرة على مناطق الجزيرة وغيرها، بدلًا من الجيش الحر، وهي بذلك كرست صورة التقسيم الميداني، وبخاصة أنهم حرضوا الأكراد على رفع سقف المطالب، من حقوق دستورية وثقافية إلى المطالبة بالفيدرالية وحتى الانفصال.

عند الحديث عن توزيع مناطق النفوذ أو التقسيم في سورية، يجب أن نتذكر ارتباط ذلك بمصالح وأجندات الدول والقوى المتورطة في سورية. إيران وأتباعها يصرحون بلا خجل بأنهم يريدون إبقاء دمشق تحت هيمنة نظام ولي الفقيه، ضمن فضاء “الهلال الشيعي” الذي يقترن عمليًا بطموح فارسي قديم، يهدف إلى الانتقام من العرب على فتحهم لبلاد فارس، وكذلك “الثأر لدم الحسين” من أهل الشام، معتبرين أنهم “أحفاد معاوية”. وهذا يأتي بعد أن سلّم الأميركيون العراقَ لإيران وأزلامها من ساسة عراقيين مرتزقة نهبوا نفط العراق وثرواته. والهدف الاستراتيجي لطهران هو الحفاظ على طريق عناصر “الهلال الشيعي”، ليمتد من إيران إلى العراق، مرورًا بسورية، وصولًا إلى لبنان؛ لكي تؤكد هيمنتها على المنطقة، وإمكانية اللعب بهذه الورقة مع (إسرائيل) وأميركا وغيرهم.

كما جاء التدخل العسكري الأجنبي في الأرض السورية، وإنشاء إدارات في مناطق معينة ذات صبغة قومية أو طائفية، دليلًا على بداية التقسيم في سورية. ويصب في هذا الإطار مصطلح “الفيدرالية” الذي أُقحم في المشهد السياسي السوري. فكيف تبنى “الفيدرالية”، أعَلى أساس طائفي أم ديني أم قومي أم إداري؟ في وقتٍ يؤيد فيه أغلب السوريين مبدأ اللامركزية، وزيادة صلاحيات المناطق واستقلاليتها في إدارة شؤونها المحلية، وبخاصة منطقة الجزيرة السورية التي حُرمت من الخدمات في عهد البعث بسبب التواجد الكردي، بالرغم من أن المنطقة غنية جدًا بالنفط والغاز والقمح والقطن. وأعتقد أن الوضع في محافظة الحسكة يحتاج إلى دراسة موضوعية تركز على كيفية تثبيت التعايش المدني والسلمي وإنصاف هذه المنطقة التي فرض عليها الفقر والتخلف في فترات الحكم الشوفينية. واليوم يرفض السوريون سياسة الأمر الواقع التي يريد فرضها حزب الاتحاد الديمقراطي (صالح مسلم) ومشتقاته المختلفة، منطلقًا من هيمنته العسكرية، وللأسف هناك من الأكراد من يؤيده متوهمين بمستقبل قومي منفصل عن الشأن السوري العام. وإن ما جرى في إقليم كردستان العراق، بتشجيع من قوى خارجية على إجراء استفتاء بالانفصال عن العراق، وتخلي قادة كرد عسكريين وسياسيين عن مدينة كركوك المتنازع عليها، وقد كانت تحت هيمنة البيشمركة، يُثبت بجلاء أن القيادة الكردية في كردستان العراق لا تختلف عن القيادات العربية في تمسكها بمصالحها وأجنداتها الخاصة، ولو على حساب طموحات شعبية عامة، وأن تقييم الأنظمة والحكام لا يمكن أن يكون من منطلق قومي أو ديني أو طائفي، بل المهم هو علاقة هذا النظام بمواطنيه.

الكل يساهم في تقسيم سورية عمليًا، وإن كانوا يرددون ضرورة وحدة سورية.

ولا ننسى طبيعة التدخل الأميركي الذي يترك أسئلة عديدة؛ فمن جهة تدعم أميركا “قوات سورية الديمقراطية” التي لا تمتّ في الواقع إلى الديمقراطية بصلة، وهي تساهم بنشاط في تكريس التقسيم، عبر كنتونات تحت شعار “الإدارة الذاتية” و”الفيدرالية”. وقد انتشرت القوات الأميركية في شرقي سورية بحجة محاربة (داعش)، إضافة إلى نشاطها عبر التحالف الدولي عديم الفاعلية الذي أزهق أرواح المئات من الأبرياء السوريين. وحتى الوجود العسكري التركي في سورية قد يُعدّ وجودًا أجنبيًا لأجندات تركية، مع الاعتراف بالدعم التركي الكبير للسوريين، ولا سيّما في المجال الإنساني.

يبدو أن سياسة الدول المهيمنة في المناطق السورية هي: إذا بقيت سورية موحدة تحت قيادة صديقة لتلك الدول أو تابعة لها؛ فهذا جيد، أمّا إن لم يحصل ذلك؛ فإن تلك الدول ستعترف بالتقسيم، متظاهرة بأنها مرغمة على الاعتراف بالأمر الواقع، إذ ليس في الحال أفضل مما كان.

ولكن لماذا يؤدي سلوك الدول المهيمنة في سورية إلى التقسيم؟

إذا نظرنا إلى الموقف الروسي؛ فإنه يعتمد على تحالفه مع النظام بقاعدته الشعبية المحدودة، واقتصار النفوذ الروسي على مناطق معينة. فكيف يمكن للروس أن يضمنوا مصالحهم الاقتصادية والسياسية والعسكرية مستقبلًا في سورية، بعد أن عمّدوا صداقاتهم مع النظام المسؤول عن قتل مليون سوري وتهجير 14 مليون سوري في الداخل والخارج، وعن التغيير الديموغرافي وتدمير البنية التحتية في سورية، وجرى كل ذلك في ظل تحالف روسي مع النظام الأسدي.

لن يستطيع الروس الحفاظَ على وجودهم وعلى مصالحهم في سورية الموحدة؛ لأن جزءًا كبيرًا من الشعب السوري الذي تعرض للإبادة الجماعية والحصار والتجويع والقصف الوحشي من الطيران الأسدي، بدعم روسي مكثف، لن ينسى ذلك، فذاكرة الشعوب ليست قصيرة. تستطيع روسيا البقاء في مناطق الموالاة فحسب، لذا فإن روسيا أول من يوافق على التقسيم حفاظًا على وجودها العسكري ومصالحها الاقتصادية والجيوسياسية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق