ما الذي بقي من إعلان دمشق؟

نظرة واحدة إلى صفحة (إعلان دمشق)، في موقع (فيسبوك)، تجعلك تدرك أن الإعلان جمّد نفسه -إعلاميًا على الأقل- منذ أول آذار/ مارس 2011. أي قبل الثورة السورية بأيام؟ على الرغم من أنه كان حاضرًا في الحراك السياسي الذي بدأ مع الشهور الأولى للثورة، حيث شاركت أسماء كثيرة من الموقّعين على الإعلان في مؤتمري أنطاليا وإسطنبول، وكان لهذا انعكاسه لاحقًا على تأسيس المجلس الوطني، ثم على الائتلاف الوطني، حتى أصبح بعض قياديي الإعلان قياديين في المجلس والائتلاف.

هنا اتخذ الإعلان، داخل كلٍّ من المجلس الوطني والائتلاف، مواقفَ مناقضة لمواقفهم الأصلية، عند قيام الإعلان، فقد كان الإعلان عند تأسيسه 2005 ضد التدخل الأجنبي وضد العنف والتغيير بالقوة، لكنه بعد الثورة وبعد دخوله المجلس والائتلاف؛ أيّد التدخل الأجنبي، كما أيد إسقاط النظام بالقوة العسكرية، ودعا إلى تسليح المعارضة.

بخلاف اتهامات بعض شباب الثورة الأوائل لإعلان دمشق وقيادته، بأنها “سرقت الثورة” منهم، يرى البعض في إعلان دمشق تاريخًا مضى وانتهى، لكن قياديين في الإعلان يرون خلاف ذلك، فالإعلان -في رأيهم- ما زال موجودًا، بدليل أن قيادته ما زالت موجودة في دمشق، وتتعرض للضغط الأمني، وهناك قيادي معتقل (جبران كورية)، كما أن الإعلان يُقدّم “شهداء” حتى اليوم، ويرى آخرون أن إعلان دمشق ما زال ائتلافًا واسعًا وعريضًا، أساس قوته أنه في الداخل، وإن كانت نواته الصلبة انتهت مع بداية الثورة، على خلاف المعارضة الحالية من ائتلاف وسواه، ممن يوصفون بأنهم مفصولون عن الواقع.

من ناحية أخرى، تعترف قيادات في إعلان دمشق بأنه -أي الإعلان- يحتاج إلى صيغة جديدة تُلبّي تطلعات الشعب، ويرى البعض الآخر أنه يحتاج إلى تغيير الأشخاص أو تغيير طريقة تفكيرهم السياسي وطريقة عملهم. وعلى الرغم من دعوات عديدة لاستنهاض الإعلان بعد الثورة، غير أنه لا صدى ملموسًا لدعوات كهذي، حتى على المستوى الإعلامي.

يرى آخرون أنه في حال تمّ حل الائتلاف الوطني السوري؛ يمكن عندها لإعلان دمشق أن يعود إلى لعب دور سياسي ما، لكن من الداخل، خصوصًا أن للإعلان سمعة جيدة في الوسط السياسي المعارض، مقارنة بكل الأحزاب والحركات السياسية المعارضة قبل الثورة السورية، وربما كان دوره مُحبّذًا للقوى الوطنية والإسلامية المعتدلة، وللقوى الإقليمية والدولية التي تريد الخير لسورية، إن وُجدت.

ليست المعارك الشخصية التي دارت رحاها في الإعلان  سنة 2010، بين الأستاذ عبد الرزاق عيد، وحزب الشعب وقيادة الإعلان في الداخل، حول تمثيله لمكتب الإعلان في الخارج سوى تفصيل بسيط  بالنسبة إلى المعركة الحقيقية التي جرت داخل الإعلان، بعد أيام من اندلاع حرب تموز 2006. فعلى وقع “عناقيد الغضب”، تفجّر الإعلان بعد إعلان كل من حزب الشعب وحزب العمل موقفهما من الحرب، وبالطبع موقفهما من “حزب الله”، وكان الموقفان متناقضين؛ الأمر الذي أدى بحزب العمل لاحقًا إلى تجميد نشاطه في الإعلان.

وعلى الرغم من الاعتقالات التي جرت لشخصيات من الإعلان عام 2008 وما قبلها، فقد تراجع الإعلان عن موقفه المناهض للنظام، ابتداء من أواخر عام 2008K وأصدر بيانًا شهيرًا وغريبًا من نوعه جاء فيه أن إعلان دمشق “لم يكن في نهجه، وليس من أهدافه، تعزيز عزلة النظام ومحاصرته، بل نحو انفتاح النظام على الشعب السوري قبل أو بالتزامن مع انفتاحه المطلوب على العرب والعالم”. وهو أمر مخالف للتوجه الذي كان سائدًا في السنوات الأولى من الإعلان أي القطع مع النظام! على الرغم من سعيه للانتقال السلمي التدريجي إلى الديمقراطية.

انتقادات توجّه للوثيقة:

طغى على وثيقة (إعلان دمشق) الشكل “السياسوي”، وقد تكون هذه إحدى السلبيات التي يقع فيها معظم “صائغي” البرامج أو البيانات التي تعلن عن تأسيس أحزاب في سورية، و”السياسوية” خطأ سياسي استسهله المعارضون السوريون حتى صار عادة، فقد غاب عن الإعلان أي ذكر أو حيّز للرؤية الاقتصادية  أو الاجتماعية أو الثقافية أو التربوية، كما غاب أي ذكر لعلمانية الدولة، وهو ما يراه كثيرٌ من العلمانيين تنازلًا أو تراجعًا في خطاب الإعلان السياسي والفكري، أما تقدّم الإسلام السياسي أو الفكر الفئوي -القومي أو المذهبي- فهو جلي بحيث إن وثيقة الإعلان تتبنى حق العمل السياسي لـ “كافة المكونات”، وهو الانتقاد الثالث الذي يُوجّه إلى وثيقة الإعلان، والحقيقة أن الطرح بحد ذاته مخيف؛ لأنه ينظر إلى السوريين من خلال مكوناتهم الصغرى التي يُفترض أن تكون خارج التفكير السياسي، وهي انتماءات تُعطّل -في حال تفعيلها سياسيًا- أيّ وحدة وطنية حقيقية، لأنها انتماءات غير منسجمة فيما بينها، بل تميل في كثير من تواريخها وأدبياتها إلى النبذ والتصارع والتضاد فيما بينها، سواء كانت هذه المكونات قومية أو دينية أو مذهبية أو إثنية.

أما الانتقادات التي تُوجّه إلى الإعلان نفسه، فتطال علاقته بالثورة، فأولها يتعلق بعدم تواجد الإعلان -كتيار سياسي- داخل الثورة، وإنما وجود أشخاص من الإعلان داخل الثورة، وثانيها أن قيادة الإعلان حصرت كل نشاطها في المعارضة، إضافة إلى انتقادات تطال الحالة التنظيمية، منها -مثلًا- تعدد المناصب داخل الإعلان، فهناك الأمانة العامة للإعلان في الداخل، والأمانة العامة للإعلان في الخارج، وهناك هيئة الرئاسة في الداخل، إضافة إلى أمين السر، كما لا ننسى المجلس الوطني لإعلان دمشق في الداخل، والمجلس الوطني للإعلان في الخارج؛ الأمر الذي أدى لاحقًا إلى التشويش والتداخل، ثم التنابذ بين ممثلي تلك المواقع.

بعض إيجابيات إعلان دمشق:

جاء (إعلان دمشق) في لحظة سياسية بالغة الخطورة استشعر الجميع فيها أن النظام السوري بات في مرمى الغضب الأميركي، لكن النظام الذي يملك حساسات قياس بالغة الدقة استشعر الخطر من (إعلان دمشق)، ليس من الإعلان بحد ذاته بل من دلالته التي تأكد بسببها أن هناك توجهًا أميركيًا، سيغيّر المعادلة التي يشكل النظام أحد أطرافها.

من جهة الإعلان، فقد كان سابقة في تاريخ سورية، فلأول مرة يتم اللقاء بين تيارات فكرية وسياسية كانت حتى وقت قريب تدين بعضها ويُخوّن بعضها بعضًا، هكذا تم طي صفحة الماضي، والتقى ممثلو أكثر من عشرين كيانًا سياسيًا سوريًا، من كافة الأطياف العلمانية والإسلامية، العربية والكردية، الماركسية والليبرالية، حول طاولة واحدة؛ الأمر الذي كان بمثابة أعجوبة، فليس سهلًا أن يلتقي (الإخوان المسلمون) مع حزب العمل الشيوعي، ويلتقي الناصريون مع الأكراد؛ ومن ثم اتفق الجميع على ورقة تفاهم وبرنامج سياسي، محوره الأساس التغيير الديمقراطي السلمي والقطع مع النظام.

ما الذي بقي من الإعلان؟

بعد أكثر من عشر سنوات على انطلاقته؛ لم يبق من (إعلان دمشق) سوى السابقة التاريخية والأمثولة التي ضربها للسوريين، في إمكانية اجتماعهم في الأوقات الصعبة أو الواعدة بإمكانية التغيير السلمي.

فهل يستطيع السوريون اليوم تكرار سابقة (إعلان دمشق)؟ فتلتقي مثلًا هيئة التنسيق مع الإخوان المسلمين؟ وحزب العمل مع حزب الجمهورية، والأكراد مع السلفيين؟ وهل يستطيع المعارضون لقاء الرماديين؟ لقاء على أسس عملية واقعية، وليس عاطفية شكلية، كما بدا عليها الإعلان في وثيقته وممارساته.

هذا ما يأمله قطاع، يكبر يومًا بعد يوم، من الشعب السوري الذي أنهكته الحرب والخراب الشامل، وأدرك أن لا حلَّ يمكن أن يُسقط نظامهم الفاشي سوى تقارب المختلفين سياسيًا وفكريًا وعقائديًا، وهذا أمرٌ لن يتصدى له سوى مجموعة من المفكرين الشجعان والناشطين الوطنيين يقفزون فوق الخطابات الفارغة، ويتجاوزون المشاعر البدائية، يقفزون فوق السياسي؛ للوصول إلى الوطني.