حيّر حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي السوريين، أقلقهم وأرّقهم، فمنذ انطلاق الثورة، لبس هذا الحزب أثوابًا عديدة، وتلوّن بألوان كثيرة، وبنى تحالفات آنية هشّة، وأخرى قوية مصلحية، وتعامل كثعلب ماكر مُتقلب، يقول أقوالًا ويفعل نقيضها، لكنّه مع كل هذا، لم يستطع أن يفرض نفسه على أحد كبيضة قبان راسخة للمستقبل.
في يوم واحد، بل وفي ساعة واحدة، قُتل نحو ألف وخمسمائة من السوريين، أطفالًا وشيبًا وشبابًا، بعد أن استنشقوا موادَّ كيمياوية سامّة، وهم نيام، ألقاها النظام السوري فوق رؤوسهم بهدف إبادتهم جماعيًا، عقوبة لهم؛ لأنهم لا يريدونه،
تضعف الدولة، عندما يحكمها نظام أمني شمولي، ويهيمن عليها (جلاوزة) المخابرات والعسكر، ويسيطر عليها حاكم لا يرحم، يعتمد العنف وسيلة للتعامل مع الشعب، ويُحوّل الجيش والأمن إلى عصا بيده، ضد كل من يخرج عن طاعته، وتصبح حكومته مظهرًا، وبرلمانه ملهاة.
ليس غريبًا أن يصطبغ الإبداع السوري بشعور عميق من الألم والمرارة والحزن والإحباط والشكوى؛ فالكارثة التي حلت بالسوريين هزت مشاعرهم ووجدانهم وذاكرتهم وعقولهم، خاصة، بعد إدراكهم أن الثورة، ضد نظام الاستبداد، قد سُرقت منهم، وأن الثورة المضادة بقيادة الاستبدادين: السياسي والديني، تمكنت من تفتيت وحدتهم الوطنية، ووحدة أرضهم، وتحويل ثورتهم الشعبية الوطنية السلمية، التي قامت من أجل الحرية والكرامة وبناء دولة القانون، إلى "حرب أهلية"، وفوضى محلية وإقليمية، تحمل أجندات دينية ومذهبية غريبة عنهم ودخيلة عليهم عمومًا.
اعتقد حافظ الأسد، أو قرر بالأحرى، أنه سيبقى خالدًا أبدًا، ولن يموت؛ فأوعز إلى زبانيته أن يُروّجوا بين السوريين شعار "للأبد"، فانتشر الشعار -بفضل "ديمقراطية" أجهزته الأمنية- كالنار في الهشيم، ووجد له مكانًا -بالقوة- في هتافات صبية المدارس، وشباب الجامعات، وفي وزارات الدولة ومؤسساتها، وفي المدن والبلدات وأصغر القرى، وفي المعامل والطرقات، بل وفي البارات، ليغدو عنوان مرحلته: "للأبد يا حافظ الأسد".
لم يحدث يومًا أن شهد العالم الثالث ثورة مثالية (على الطلب)، ضد نظام شمولي طائفي عسكري، أو ثورة يتوافق شقّها النظري مع شقّها العملي؛ إذ لطالما كانت الثورات تُعدِّل من مساراتها وفقًا لأحوالها، ووفقًا لقوة الجهات التي تحاول قمعها ومنعها، وأيضًا، وفقًا لتغيّر استراتيجيات أصحابها، ووفرة ومرونة أدواتهم؛ وهو أمر ينطبق على الثورة السورية كما على غيرها.
نحن السوريين شعب عريق متجذر في الزمان والمكان، ومن كان له هذه الجذور والعروق يصعب عليه أن يموت بسهولة. كان لنا الفضل في اختراع اﻷبجدية والآلهة والموسيقي؛ نحن (أورنينا) جدّة الفنون، وأول من غنَّت على سطح الأرض، والتي عاشت في معبد (عشتار) السورية، ومارست الغناء والراقص والموسيقي في مدينة ماري جنوب دير الزور. قد لا نكون نحن من اخترع اللغة، لكننا نحن بالتأكيد من اخترع الأبجدية، وقد لا نكون نحن من ابتكر الموسيقي، لكننا نحن بالتأكيد من ابتكر أقدم نوطة موسيقية كاملة منقوشة على رقيم فخاري، وبنا أقدم مدينة مأهولة في التاريخ.
كان الإطار القانوني الناظم لملكية وسائل الإعلام في سورية هو البلاغ رقم 4 الصادر في الثامن من آذار/ مارس عام 1963، أي في اليوم الذي استلم فيه حزب البعث السلطة، حيث أوقف هذا البلاغ إصدار الصحف في سورية، ولم يُسمح بعد ذلك لأحد، حزبًا كان أم فردًا، بإصدار أي صحيفة.
نكتب لأننا نؤمن بأن كل شيء يبدأ بالكلمة، وبهدف طرد البشاعة وإحلال الجمال